المنزل رقم 302...

27 نيسان 2020 | 11:02

المصدر: "النهار"

منزل (تعبيرية- SONJA PETERSEN CANTU).

في فناء تلك الدار الواسعة، المطمئنّة في ظلال أشجار الحَور العتيقة، جلسَتْ ضحى على طرف مقعد خشبي متداع، تلتهم بعينيها المذعورتين ما بدا أنّه رسالة وصلت للتو... وبحركة عصبيّة سريعة، قامت مهرولة إلى الداخل، فاقتحمت باب غرفتها واتّجهت نحو الخزانة، وراحت تعبث بأدراجها، تبعثر محتوياتِها هنا وهناك، وتنثر الملابس على الأرض كيفما اتَّفق، كأنّها تبحث عن شيء عزيز أضاعتهُ... ولم تمضِ لحظات حتَّى غدت الغرفة كميناء داهمه إعصارٌ مخيفٌ وأجهزت عليه أنواءٌ هوجٌ. أمّا ضحى فقد اتّخذت ركنًا قرب سريرها، بعد أن وجدت ضالّتها، وراحت تبكي وهي ممسكة برسم فوتوغرافي قد أوسعته لطمًا وشتمًا وتعنيفًا، فتساقط على الأرض فتاتًا صغيرةً ممزَّقة شرَّ تمزيق…

في صباح اليوم التالي، داعبت أشعّة الشمس الدافئة ستائرَ النافذة المخمليّة، ثمّ تسللت برفق لتلامسَ وجهًا ذابلًا قد أنهكته الحمّى، واعدةً بأمل جديد، غيرَ عالمةٍ بأنّ ما انكسر بالأمس لا سبيل أبدًا إلى إصلاحه...

تململت المريضة في فراشها... إنّه نهار جديد. ولكن هي لا تريده، بل أكثر من ذلك: إنّها تكرهه، تكرهه بكلِّ جوارحها، هذا الأربعاء، وهذه الشمس البلهاء الوقحة، مَن أَذِنَ لها بالدخول؟! أم تُراها قد استعارت الشيء الوحيد الذي استأثرت به الجارة أُم سعيد: الفضوليّة. هذه الـ"أم سعيد" التي طالما نهشتها الرغبةُ المسعورة في دخول هذا البيت من جديد، بعدما طَردها والد ضحى منذ سنوات، إذ تسبّبت ثرثراتُها بمشاحنات بينه وبين زوجته، ولم يعد يطيق وجودَها في داره. لقد شاء قدرُها أن يُردَّ لها اعتبارُها مرّتين؛ فقد توفِّي سيّدُ المنزل، إثرَ نوبةٍ قلبيّةٍ عنيفة، وما لبثت الطريق أن فُتحت واسعة أمامَها، وذلك تحت ستار القيام بواجب التعزية. أوَليسَ الجارُ بالجار أولى؟...

كان ذلك منذ سنة ونيّف؛ مدّةٌ كافية لأم سعيد لإزاحة الستائر السميكة، وهَتك حُجُبِ الأسرار، وبالتالي دخولِ صُلب المعادلة المنزليّة، من جديد. أُم سعيد... تلك الأفعى... إنّها هنا! فشعور ضحى لا يُخطئ. لعلّها في المطبخ، تُسدي والدتَها سيلًا من النصائح والوصفات السامّة التي لا تنتهي. لعنةُ الله عليها... إنّها أصلُ البلاء ،لا شكّ في ذلك.

وراحت أفكارُ ضحى تتلاطم في رأسها، تحاولُ أن تفهمَ ما أُغلقَ عليها فهمُه، وتسترجع ما جرى معها لعلّها تفقه شيئًا… ولكن بدون جدوى. وانفلتت من صدرها آهات... ولكنَّ الأمر واضح... يا إلهي!.. كان يخدعني كلَّ هذا الوقت؟! ولكنّه... آه... هو لم يعترفْ لي مرّةً واحدة بأنّه يحبّني، و... يا إلهي ما أغباني!

ونزعت وسادتها من مكانها، لتدفنَ رأسها من جديد. ولكنّ الضجيج بات أقوى الآن، وللفضيحة عجلاتٌ معدنيّة ذاتُ قرقعة مروّعة... فهي آتية على متن قطار عجول لا يلبثُ أن يدركَ محطّته. وانتفضت من السرير كمن لسعته أفعى. هناك في الركن قرب الخزانة، تناثرت الأكذوبةُ قصاصاتٍ صغيرةً وكلماتٍ خادعةً مزّيفة. فالغرفة ما زالت كما بالأمس، وكلُّ شيء في مكانه. فالوالدة تعلم جيّدًا، ومنذ وفاة زوجها وتوالي أزمات ابنتها العصبيّة، بأنّه محظورٌ عليها العبث بنظام الغرفة -بل قُل بفوضاها- أو حتّى إعادة ترتيب محتوياتها من جديد.

وراحت ضحى تُعيد، بكآبة خرساء، ترميمَ شظايا تلك الرسالة المشؤومة. وبعد أن بسطتها على الطاولة قرب النافذة، استطاعت، وبرغم التشويه الظاهر في استواء السطور، أن تعيدَ إلى الوجود عباراتِ خَيْبَتِها. وراحت تقرأ من جديد:

إلى أجمل الشقراوات.

أحبّكِ. لم أعد أحتمل المزيد. يجب وضعُ حدٍّ لهذه المهزلة.

لقد سئمت من الفتيات اللوا... (قصاصة مفقودة)... لم يستطع البُعد أن ينتزعَكِ من قلبي...لا تُخبري أحدًا...

سأنتظرك في الميناء الجمعة عند الخامسة مساءً. سنهرب معًا، سوف يكون هناك زورق بانتظارنا...

ودامت لي عيناك الخضراوان.

أحبّك.

هكذا إذًا... أجمل الشقراوات؟ ولكنّها سمراء، سمراء وعيناها عسليّتان! ما من شقراء هنا... ولكن... رباه... لعلّه... لعلّه يقصد والدتي؟ تساءلت ضحى بغضب مُدوٍّ. معقول؟! كارثة… آه... ولكنّها... إنّها كارثة... أجل إنّها هي... لا بدَّ أن تكون هي. وهذه الـ"دامت لي عيناك الخضراوان"، أجل إنّها أمُّها. لم يبقَ لديها أدنى شكٍّ بذلك...

وبدأت ضحى تفهم أخيرًا... انقشعت الغمامة، انفتحت عيناها... واجتاح وجهَها جمودٌ غريب، وما لبث فمُها أن افترّ عن ابتسامة بلهاء...

ودارت الأيّام دورتها.

حقًّا، ما أشبه اليومَ بالبارحة. بالأمس القريب كانت الحياة تضجُّ في عروق ابنة الأربعةَ عشرَ ربيعًا، بالأمس كان الفرحُ الطفوليُّ يفور في هذا الجسد الغضّ... حتى كان ذلك النهار الخريفيّ الحزين...

دقّت ساعة المدرسة الكبيرة معلنة تمام الثانية من بعد الظهر. وفي ضوضاء وصخب كبيرين، تَدافع التلاميذُ نحو باب الخروج تدافُعَ قطيع أغنام داهمه الذئب على غفلة من الراعي. أخذت ضحى طريقَ العودة إلى البيت يرافقها ثلاثٌ من أترابها، وقد حوّلت الفتيات الجذِلات -وعلى عادتهنَّ- الطريقَ إلى مسرح غنائيّ راقص. فهذه تترنمُّ بأغنية رومنسيّة جميلة، وتلك تحاول أن تقلّدَ حركات معلّمة الرياضة، هذه المعلمة التي أجبرتها سُمنتها المفرِطة على إلغاء معظم الحركات الرياضيّة من الحصّة المقرَّرة. أمّا ضحى فقد طاب لها أن تتمرّنَ على إلقاءِ قصيدة جميلة اختارتها لها الراهبة المسؤولة، لتُلقيها أمام الأهل في حفلة عيد الميلاد المقبل.

كان النهار دافئًا، والطريق المتعرّج المنساب بين بساتين الزيتون وكروم العنب، قد ذهّبت جنباتَه المعشوشبة فلولٌ من الأوراق الخريفيّة الهاربة بألوانها المشتعلة السّاحرة. منعطفٌ آخر بعد... منعطف آخر، وتطلُّ الفتيات على مشارف الحيّ؛ بضعةُ منازل متواضعة تطلّ بخفر من تحت الدوالي الذهبيّة، تزهو بشبابيكها الزرقاء الضاحكة للشمس، وتختال بشرفاتها المضيافة، الغاصّة بأصص الزهور والشتول من ألف صنف ولون.

منعطف آخر، وتنعطف حياة ضحى، حيث لا طريق، لا إشارة ولا سياج... إنّه المجهول... سُكونٌ غريبٌ يخيّم فوق المنازل. حتّى زيزان الحفافي قد أوجست خيفة، فآثرت السكوت. حركة مشبوهة لنسوة مرتبكات قلقات، يرحن ويجئن من بيت إلى آخر. هنا نافذة تهمس في أذن نافذة، وشرفة هناك تعقد وتفضّ اجتماعات على عجل... أمّ سعيد تهرول خارجة من منزل ضحى، المنزل رقم 302... ربّاه ماذا يجري؟! ورَمَت الفتاة بنفسها داخل المنزل... غير أنّ أباها كان قد فارق الحياة! لقد خذله قلبه؛ ضنّ عليه بدقيقة، بكلمة وداع أخيرة يُوْدِعُها صدرَ ابنته الحبيبة المفجوعة.

وربَضَ جبلٌ من الحزن على صدر الفتاة، وأحكمت الوحدة المخيفة الطوقَ على خناقها. تجربةٌ رهيبةُ وصدمةُ قاسية، كانتا كافيتين لتحويل ضحى إلى حطام، وتوقّفها عن الدراسة... شهران مرّا على هذه الحال. وباتت السنة الدراسيّة في خطر. ولكنّ إدارة المدرسة نصحت الأم بالاستعانة بمن يعطيها دروسًا خصوصيّة، علّها تنقذ ما يمكن إنقاذه من البرنامج الدراسيّ... وهكذا كان. فبعد عدّة أيّام كان شابٌّ أنيق المظهر واقفًا يطرق الباب. إنّه المعلّم الوحيد الذي أمكنهم إيجاده لتقديم ساعات دروس خصوصيّة لضحى.

وشيئًا فشيئًا، عادت الحياة إلى ذلك البيت. الكُتُب التي عَلاها الغبار،عادت إلى دفء اليدين الجميلتين... ومِن جديد انبعثت من العينين الحزينتين الذابلتَي النظرات، أطيافُ ابتسامات خجولة. وتنفّست نبيهة الصعداء حين رأت ابنتَها تتماثل للشفاء. كم أنتَ كريم يا ألله! نِعَمُك كثيرة كثيرة، وبحرُ حنوِّك لا ينضب! وهذا الأستاذ المعجزة، مَن غيرك مرسله؟! نعم، نعم. مُصيبَةٌ نبيهة في أفكارها، وقلب الأم لا يخطئ. والأستاذ رامي لم يأتِ ليدرّسها، إلاّ بتدبير ربّاني كريم.

مرّت الأيام وضحى تنمو بالقامة والحكمة وبأشياء أخرى... أشياء جميلة مسّت حياتها في الصميم. فمشاعرُها لم تعدْ مشاعرَها، والسماء باتت أصفى من ذي قبل! أمّا الشمس فلم تعدْ تُشرق إلّا لها وحدها، وإن غابت، فلِتَتركَ لها لذّة مسامرة قمر نافذتها الخجول، وهي تحلم بموعد الدرس المقبل. فلطالما كانت ضحى مجتهدة في دروسها، ولكنّها لم تكنْ أبدًا مجتهدة كما هي اليوم. إذ استطاعت أن تستدركَ ما فاتها. وراحت بعزم ونشاط كبيرين تشقُّ طريقها إلى مركز الصدارة من جديد.

أمّا معلّمها الخصوصيّ، فراح يُثني على نشاطها، ويتلو عليها أشعارًا جميلة، تعيد إلى حياتها البهجة والحُلم. ناهيك عن الكتب الجميلة التي راح يُهديها إليها، الكتابَ تلو الآخر؛ فهذا كتاب لجبران، وذاك لتوفيق عوّاد، وآخر لسعيد عقل... إنّه يحبّ جبران كثيرًا، بل إنّه يلبس جبران كما يلبس جلده. ففي لقائها الأول به، فاجأها بترداد قول لجبران، بنغمة رومنسيّة حزينة: "رُبّ موت بين البشر ولادة بين الملائكة." وراحت المفاجآت تتكرّر. وكالأرض العطشى للمطر، راحت ضحى تَعبُّ من كلمات أستاذها وخواطره الحلوة، ما حوَّل صعوبة الدروس إلى رياضٍ غنّاء من الحنان والسموّ والشاعريّة.

وذات يوم عَقدت المفاجأة لسانها حين قال لها:

- نادِني رامي . رامي فقط... أستاذ، كلمة فيها غرور. لا أحبُّها.

ثمّ استفاض في شرح مُسهب:

- جميعنا زملاء على هذه الأرض، فكلّنا تلميذ وكلّنا أستاذ. ويا حبّذا لو رضي البشر بحالة التلمذة الدائمة، لكان ذلك أفضل لهم وأجدى. أتعرفين يا ضحى؟ (قالها بتودُّدٍ بالغ) مِنَ النملة نستطيع أن نتعلّمَ أعظمَ الأشياء. أجل، من كلِّ المخلوقات ينبغي أن نتعلّمَ الدروس المفيدة... وعرّج في ختام المحاضرة على يسوع الناصري -معلّم المعلمين- واستعار وصيّته لتلاميذه: "أمّا أنتم فلا تَدْعوا أحدًا معلّمًا أو ربًّا...".

وانتهى بالدعوة للتتلمذ على أيدي الحياة، أستاذة الجميع. لقد حلّق رامي عاليًا في سماوات ضحى الرحيبة... كم هو رقيق! كم هو مثقّف! كم هو شاعر وكم وكم... وكم هو وسيم!.. قالتها لأترابها بحياء عظيم، ضرّج وجنتيها بانفعالات المراهقة الأولى... قال"رامي" كلَّ شيء، ولم يقل شيئًا... لكنّه طلبَ منها أن تناديه باسمه، تناديه بدون ألقاب، بدون مقدّمات، بدون تلعثم في اللسان. إنّهما زميلان !... أعجبتها الفكرة. لا بل صدّقتها... وصدمتها. بهذه البساطة، بدون عقبات، بدون مقدّمات، طار إليها بكلّيته، هي التي لم تكن تجرؤ على مجرّد الحلم بالتفاتة مميّزة منه نحوها.

أصبحت الساعةُ الخامسة من بعد الظهر محورَ يومِها كلّه! وانقلبت الأمور رأسًا على عقب. لدرجةٍ باتت معها لا تطيق فرصة نهاية الأسبوع. وما إن يأتي نهار الإثنين حتّى تستردَّ سلامها، وتعودَ إليها أوهامُها السعيدة.

أشرفت السنة الدراسيّة على نهايتها. لقد انشغلت ضحى برامي لدرجة سهت معها عن تردّد أم سعيد الدائم على والدتها، وقتْلهما الساعات الطوال في ثرثرات مملّة كريهة:

- تقولين إنَّ ابنتَك قد تحسّنت كثيرًا، فما لزوم الأستاذ الخصوصيّ بعد؟!

- معك حق، ولكن لم يتبقَّ من السّنة سوى شهر أيّار، ومن ثمّ لكلِّ حادث حديث.

- ولكن، بالله عليك يا امرأة، ألم تلاحظي بعد أنَ ابنتك على وشك التعلّق به؟..

ولعبت الفئران جميعها في صدر نبيهة... كيف سها عن بالها ذلك؟.. منذ مدّة والمرآة تخطف منها ابنتها، ومؤخّرًا لاحظت شفتيها تزهوان بأحمر الشفاه، وغدا العطر يسبق خطواتها. آه... أم سعيد، تلك الخبيثة. معها ألف حقّ... فالفتاة مغرمة بأستاذها، وهذا ما انتشلها من بؤرة الحزن السحيقة... منذ ذلك الحين دخلت الأم على الخطّ بقوّة. وراح ظلُّها يخيّم على ساعات الدرس بثقله، فكثرت مقاطعتها للدروس بحجّةٍ وبغير حجّة؛ الآن قهوة، وبعد لحظات عصير ليمون، وبعدها حلوى... إلى آخر منظومة الضيافة اللبنانيّة. ولكنَّ الأمر لم ينتهِ عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى مرافقة الأستاذ إلى المدخل، والحديث معه على انفراد، واختلاق جميع الأعذار لذلك.

جميلةٌ هي نبيهة. لم تستطع سنوات العقد الرابع أن تنتزعَ من ملامحها حُسنَ الصِّبا المُدْبِر. ولكنّ ابنتها، على رغم أنوثتها الصارخة، لم تكن تَدين لأمّها بسوى رشاقة القوام، أمّا في ما تبقّى، فلم تكنْ غيرَ نسخة منقَّحة عن المرحوم والدها.

وانهالت المآدب التكريميّة على الأستاذ رامي. وازدادت نبيهة تألّقًا!غابت فساتينها القاتمة، وتلوّنت وجنتاها. أمّا شعرها الذهبي الذي أهملته طويلًا، فقد عاد إليه رونقه، بفضل أنامل مزيّنها الساحرة.

ماذا يحدث في هذا البيت؟ تحوّلات بالجملة والمفرّق، تعصف بما تبقّى من العائلة...

وهل أصبح الأستاذ قدَرًا محتومًا لهذا المنزل؟! لقد اختلط الأمر على ضحى. وشيئًا فشيئًا راحت الخواطر الجميلة تنضب من مواعيد الدروس، وعاد الجفاف العلميّ ينوء بثقله على الأوقات الحبيبة.

أتراه قد بالغ بما أبداه من اهتمام وعطف على تلميذته؟.. أو ربّما قد ندم على تقرّبه منها، فشاء قبل نهاية السنة الدراسية أن يعيدَ الأمور إلى نصابها؟.. لعلّ أمَّها، بقصد حمايتها، قد دبّرت هذا كلّه مدفوعة بغريزة الأمومة؟.. أو... لعلّها غريزة الأنثى؟.. فأمّها قبل أن تكون أمَّها، هي أنثى أوّلًا وأخيرًا... نعم، هي أمُّها... إنّها أمُّها بلا شك. ولفَّ الضباب رأس ضحى، واصطخبت الأفكار مولولة فيه. وغابت في دوّامة إعصار جديد... إنّها أمّها، أمّها... الآن فهمت كلَّ شيء.

وقفزت ضحى من سريرها، تدفعُها رغبةٌ مسعورة لخنق كلِّ امرأة؛ تحرّكها قوّة كافية لتحطيم كلِّ شيء. أمُّها ورامي سيهربان معًا... وهي، من هي؟ من تكون؟! وماذا تفعل هنا كخرقة بالية خرقاء؟! لقد استعملاها كطُعم، كواجهة، بل كوسيلة غبيّة قذرة...

سيهربان معًا؟ وعادت إلى الرسالة: "سأنتظركِ في الميناء، الجمعة عند الخامسة مساءً. سنهرب معًا، سوف يكون هناك زورق بانتظارنا.".. يقول الجمعة؟ ولكن... يا إلهي، اليوم هو الجمعة!.. والساعة، نظرت إلى الساعة المعلّقة على الحائط أمامها، لقد شارفت على الثانية من بعد الظهر... أمُّها، أين أمّها؟ إنّها ليست في المنزل، ومنزل أم سعيد مقفل على غير عادته! فعلتها اللئيمة، صاحبة الوجه الطفوليّ والبراءة الخادعة. ولكنّ ضحى لن تدعهما ينجوان بفعلتهما... ستفاجئهما في الميناء. وستلمّ عليهما الناس والبحّارة، وستثأر لوالدها، ستشدّ أمّها من شعرها، شعرها الأشقر، وستحدّق بغضب وحقد في عينيها الخضراوين...

ولكنّ الوقت يمرّ وهي لا تزال في غرفتها... واندفعت مسرعة إلى الخارج، تحثّ الخطى، تطوي المنعطفات، منطلقة صوب الميناء كسهم من نار إلى هدفه يطير... في هذا الوقت بالذات كانت نبيهة في المدرسة تعقد اتّفاقًا مع المديرة حول الطريقة التي ستدفع بموجبها أقساط ابنتها المستحقّة... كان الميناء يضجّ بجمع من الصيادين، يتهامسون بخبث ظاهر، وينفجرون بقهقهات مبتذَلة وهم يتبعون عن بُعد فتاة منبوشة الشعر، حافية القدمين، تهرول بقميص نومها البرتقاليّ، من رصيف إلى آخر، ومن زورق هنا إلى مركب هناك، وتصيح بأعلى صوتها: "سيهربان اليوم. اليوم عند الخامسة. سيهربان معًا"...

مضت سنوات. وما زال أهل البلدة يذكرون ما أصاب ضحى من جنون، ولكنَّ أحدًا لم يعلم بسرّ تلك الرسالة التي أخطأت عنوانها، فوصلت من دون اسم إلى المنزل رقم 302، وأطاحت بعقل تلميذة بعمر الأزهار، كما أحبطت خطيفة كانت على وشك التحقيق، بين حبيبين. إذ في الوقت نفسه الذي تسلّمت فيه ضحى رسالتها المشوؤمة تلك، كانت -في الطرف المقابل من البلدة- صبيّة بارعة الجمال، شقراء الشعر، خضراء العينين، تتساءل بدهشة كبيرة عن معنى الرسالة الغامضة التي وصلت إلى عنوانها (المنزل رقم 203)، وحين فضّتها علمت أنّها من شخص اسمه رامي، يسألها عن مطالعاتها، ويهنّئها على نجاحها في صف البريفيه!

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard