لقد فزتُ بجائزة أوسكار مُجدداً مساء أمس. أعتقد أنني كنتُ قد انتهيتُ لتوي من تنظيف الحمّام، وكنتُ بحاجة ماسّة لأرتدي ثوبي المُزركش الطويل الذي لم أُخيّطه بعد، وأطل على المئات في الصالة الذين أعرف سلفاً أنهم سيُصفقون وقوفاً لدقائق عدة. نظرتي الجانبيّة كانت تبحث عن صبيّة كنتها فيما مضى، لهُنيهات، قبل أن تسحقني الحياة مراراً وتُلبسني مرارة واجهتُ من خلالها رحيلك المُتكرّر، وعدم قدرتي على الاعتراف بقيمتي. ظهري كان يؤلمني، ورقبتي مُتيبسة. ونظرتي الجانبيّة كانت تُعيد كتابة حياة كنت أكثر جُبناً من أن أواجهها. لذلك اخترتُ المكوث في الزاوية لسنوات طويلة، أراقب الذين تمكّنوا من ترويض شياطينهم الداخليّة، وأبتسم. وكما هي العادة، بعد الانتهاء من تنظيف الحمّام، وتلبية طلبات العائلة، كنتُ مُنهمكة في مواجهة أعدائي غير المنظورين الذين "إلهم بالعادة" أن يُبعثروا الصفاء العابر الذي يجتاحني عادةً عندما أستعد للفوز بجائزة الأوسكار. أنا الآنسة جوليا التي اختارت إزالة الغبار عن الأثاث في المنزل القديم لأنها كانت أكثر جُبناً من أن تفوز بجائزة الأوسكار. أهتم بوالدي "الختيار" الذي يعيش وكأنه إمبراطور ويخاف من الموت الذي يزحف بخطى ثابتة باتجاه ذكرياته، ووالدتي اللامبالية بأمراضها المُزمنة التي سحقتني من خلالها لأكثر من 20 عاماً. أنظّف المنزل يوميّاً وأعمل في مكتبة "ما بئى حدن يفوت عليها". أعيش من خلال أبطال الروايات. وعندما أنتهي من "شغل البيت"، أفوز بجائزة أوسكار. صديقي الحميم يواجه المرض الخبيث الذي حوّله من رجل حكيم إلى كائن ضعيف صوته يرتجف. أراد أن يتزوجني عندما كنتُ صبيّة، ولكنني اخترتُ رحيلك المُتكرّر. كان صديقي على يقين من أنني سأتمكّن يوماً ما من أن أفوز بجائزة الأوسكار. ولكنني اخترتُ الجلوس في الزاوية، وتنظيف المنزل، والعمل في مكتبة "ما بئى حدن يفوت عليها".


مساء أمس، كرّستُ جائزتي له. وأنا أعرف سلفاً أن المرض الخبيث ربما انتصر عليه. كان ظهري يؤلمني ورقبتي مُتيبسة. ووالدي كان يروي حكايات الماضي العريق لأنه لا يتقبّل حاضره. ووالدتي تُلقي بثقل أمراضها المُزمنة على أحلامي التي أضعتها بفضل رحيلك المُتكرّر. أرسلت رسالة صغيرة إلى صديقي الذي يُحارب الموت المقبل لا محال. "لقد خرجتُ من الزاوية. بعد كل هذه السنوات. لقد رميتُ الممسحة واستقلتُ من المكتبة يالّلي ما حدن بيفوت عليها. وأنت ستتغلّب على المرض وسنُعيد كتابة القصّة". وبعدها فزتُ بالجائزة. اعتليتُ خشبة المسرح كما هي عادتي عندما أنتهي من شغل البيت. غادرتُ الزاوية وارتديتُ الفستان الطويل الذي لم أخيّطه بعد. لسبب أو لآخر شعرتُ بالرضا آخر الليل وأنا أحتسي فنجان الشاي بهدوء. أنا الآنسة جوليا التي اعترفت أخيراً بقيمة نفسها. كنتُ أعمل في مكتبة "ما بيفوت عليها حدن". ولكنني أصبحتُ الآنسة جوليا، التي نفضت الغبار عن جُبنها بعد الانتهاء من تنظيف الحمّام. والدي الختيار يعتقد إنه إمبراطور، وصديقي الحميم الذي أراد يوماً ما أن يوصلني إلى جائزة الأوسكار يُحارب شياطينه الداخليّة المُتجسّدة بمرض خبيث.

Hanadi.dairi@annahar.com.lb

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard