أيّ وعيّ إنسانيّ جديد يحتّمه فيروس كورونا في "يوم الأرض"؟

22 نيسان 2020 | 19:17

المصدر: "النهار"

كوكب الأرض من الفضاء - "ناسا"

لـ"يوم الأرض" 2020 نكهة بل نكهتان خاصّتان. يحتفل العالم هذه السنة باليوبيل الذهبيّ لإطلاق هذا المهرجان. كذلك، يحلّ "يوم الأرض" في أحد أدقّ الظروف الطبيعيّة التي يشهدها البشر منذ قرن: تفشّي جائحة "كورونا". توفّر ظروف الحجر والخسائر البشريّة والاقتصاديّة فرصة للإنسان كي يعيد التفكير بموقعه في هذا الكوكب وعلاقته مع الطبيعة. ليس البحث عن الأجوبة مهمّة يسيرة وسط التخبّط الذي يعيشه الإنسان اليوم، بعدما ظنّ أنّ التاريخ طوى الأوبئة. وهو أصلاً ظنّ لفترة طويلة أنّ انتهاك قوانين الطبيعة لا يرتّب آثاراً مباشرة عليه. 

قياس تناقضات البشر في نظرتهم إلى الكون يعزّز أهمّيّة الاحتفال ب "يوم الأرض". تبحث البشريّة في الفضاء عن كواكب يمكن أن تحمل الحياة، وهي بالكاد مهتمّة بإنقاذ الحياة على الكوكب الذي تعيش فيه. ليست هذه المفارقة دعوة لإيقاف عمليّة البحث ولن تكون. الاستكشاف صفة ملازمة للإنسان منذ وجوده، أكانت الأرض ساحته أو الكون. وسيظلّ الفضاء جزءاً من النفوذ الجيوسياسيّ الذي تتسابق الدول لاكتسابه. عملُ الصين على إرسال رحلة مأهولة إلى القمر في نهاية هذا العقد مؤشّر مهمّ إلى ذلك. وكذلك وضع الولايات المتّحدة نصب عينيها الوصول إلى المرّيخ في العقد الرابع من هذا القرن. إنّ استخراج الموارد الطبيعيّة من هذين الكوكبين سيريح الأرض من الاستنزاف الدائم ومن التغيّر المناخيّ. وهذا الاستنزاف يحتاج لفرملة مضبوطة بالفكر.

دروس وذرائع

قدّم الخبير الدوليّ الرائد في المناخ والرئيس السابق للجمعيّة الأميركيّة للأرصاد الجوّيّة الدكتور جاي مارشال شيفرد ثلاثة دروس من "يوم الأرض" في خضمّ مواجهة "كورونا". الأوّل هو أنّ البشر يؤثّرون على كوكب الأرض، والثاني هو ضرورة الإصغاء للعلم، والثالث الإمكانيّة التي لا تزال متاحة أمام البشريّة لإنقاذ الطبيعة. قد يكون الدرس الأوّل الأهمّ بالنظر إلى كثرة المشكّكين بإمكانيّة تأثير البشر على نظام هذا الكوكب وعلى مناخه متذرّعين بدورات طبيعيّة متكرّرة من الاحترار والتبريد.

تكرّرُ هذه الدورات صحيح، لكن على مدى يترواح بين عشرات آلاف إلى ملايين السنين. ما يفعله الإنسان بضخّ غازات الدفيئة هو تضييق هذا الهامش الزمنيّ سريعاً. خلال العصور الجليديّة تراوح انخفاض درجات الحرارة بين 5 إلى 10 درجات عمّا هي عليه حاليّاً. لكنّ الإنسان قد يرفع حرارة الكوكب بخمس درجات في حوالي 100 سنة فقط. وهذا يظهر قدرة البشر على عرقلة النظام البيئيّ والمناخيّ للأرض. وفي وقت لم تجد البشريّة مخرجاً من جائحة فيروس "كورونا"، قد يسرّع التغيّر المناخيّ إطلاق المزيد من الممرِضات المحبوسة تحت الجليد.

لكنّ ذلك يحتّم التكيّف مع فكرة أنّ الفيروسات والبكتيريا التي وُجدت قبل ظهور الإنسان بما لا يقلّ عن مئات ملايين السنين، هي جزء لا يتجزّأ من الحياة على الأرض. بل لولاها، لما كانت الحياة التي نعرفها بشكلها الحاليّ ممكنة. فثمّة فيروسات ساعدت الثدييات منذ أكثر من 100 مليون سنة على تكوين المشيمة (placenta).

جهد هائل.. أيّ تفاؤل؟

برهن "كورونا" مؤخّراً، ما لم يكن بحاجة لبرهان، وهو ضخامة نسبة التلوّث التي كان يعيش العالم وسطها قبل الجائحة. انخفضت نسبة ثاني أوكسيد النيتروجين في الصين حوالي 40% بسبب الإغلاق. وفي المملكة المتّحدة وصل الانخفاض إلى 60%. كذلك، تمكّن بعض سكّان المدن في الهند من رؤية جبال الهيمالايا للمرّة الأولى منذ عقود، بعد انكماش التلوّث. وقد يتراجع ضخّ ثاني أوكسيد الكربون في الصين وأوروبا والولايات المتّحدة بحوالي 5%. لكن على الرغم من هذا الانخفاض، تبقى نسبته أقلّ ممّا يحضّ الخبراء على تقليصه كلّ سنة طوال العقد الحاليّ لتفادي كارثة مناخيّة. للمعنيّين عندها أن يتخيّلوا حجم الجهد الذي على الحكومات بذله لتغيير المسار الراهن.

في 22 نيسان 1970، تقاطر 20 مليون أميركيّ إلى الساحات للاعتراض التلوّث الصناعيّ والمطالبة بمستقبل مستدام. لم تمرّ سوى أشهر قليلة، قبل إنشاء الوكالة الفيديراليّة لحماية البيئة وإقرار الكونغرس عدداً من القوانين لحماية نظافة المياه والهواء. 22 نيسان 2020 قد يكون محطّة مفصليّة أخرى، لكن هذه المرّة بسبب "كورونا". تقدّم الجائحة أملاً بزيادة ضغط الرأي العام على الحكومات لإقرار سياسات مراعية للبيئة في المستقبل. يبدأ ذلك من الضغط الشعبيّ الحاصل حاليّاً على الرزم التحفيزيّة الاقتصاديّة كي تكون "ذكيّة-مناخيّاً" انطلاقاً من مفهوم "الشفاء الأخضر". يحتفظ منظّم "يوم الأرض" 1970 دنيس هايس بالتفاؤل نفسه: "يوم الأرض 2020 سيكون يوماً انتخابيّاً".

"الهوّة الأخلاقيّة"

يفسد الإنسان الأرض بتصوّر نفسه سيّداً مطلقاً عليها تتحدّد تصرّفاته معها وفقاً لأهوائه. لكنّ تقاطع "يوم الأرض" 2020 مع انتشار "كوفيد-19" يوفّر فرصة للإنسان كي يعيد التوازن إلى ركائز سلوكه مع الأرض. ثمّة ميلٌ قد يكون غريزيّاً لدى الإنسان لتفسير الكوارث بأنّها نوع من العقاب الإلهيّ و/أو الطبيعيّ لسلوكيّاته. انتشار "كورونا" ليس استثناء.

في كتابه "خراب: كتاب عن الأمل" (2019) يتحدّث الكاتب الأميركيّ مارك مانسون عن كيفيّة فتح الألم "هوّات أخلاقيّة" بين الشخص المؤذي وذاك المتعرّض للأذى. لكنّ "الهوّة الأخلاقيّة" ليست محصورة بين الأفراد، بل سيشعر بها الإنسان حتى إزاء ألم تسبّبت به الطبيعة. ويضيف أنّه "عندما تواجهنا هوّات أخلاقيّة، تنشأ لدينا مشاعر وانفعالات تدفع في اتّجاه التوازن الأخلاقيّ، أو في اتّجاه العودة إلى توازن أخلاقيّ كان قائماً قبل ذلك." يصوغ مانسون هذا الواقع وفقاً ل "قانون نيوتن في العواطف" حيث "لكلّ فعلٍ هناك ردّ فعل انفعاليّ يكافئه ويعاكسه في الاتّجاه".

يمكن أن يكون البحث عن "إعادة التوازن الأخلاقيّ" في مواجهة "العقاب الكورونيّ" أساس هذا الميل الغريزيّ. تنتج إعادة التوازن عن تصحيح سلوكيّات الإنسان تجاه الطبيعة. ويتحدّد ذلك أوّلاً بقدرته على قولبة وعيٍ شامل لمناحي حياته على هذه الأرض. فهو لا يستطيع بناء سلوكيّاته بصفته صاحب مصير منفصل عن مآلاتها. كما لا يمكنه التعامل معها بصفته محصّناً من العطب، أكان بسبب أنظمتها أو بسبب العبث بأنظمتها.

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard