بينما يَنْتُج عالم جديد... هناك من يعيش أزمة أزلية

21 نيسان 2020 | 14:25

المصدر: "النهار"

التوق إلى بداية جديدة (تعبيرية- أ ف ب).

الحرب الأشرس التي يواجهها البعض بصمت ووحدة في ظل موجة الحظر الصحي، هي حرب البقاء والتصدّي للجوع والمرض، والتماسك إلى أن تنقشع غيمة #كورونا السوداء غزيرة المفاجآت، والتي لا أحد يعرف سبيلاً حقيقياً واضحاً لخلاصها وانتهائها. حرب أولئك الذين بالكاد كانوا يجمعون قوتهم بشكل يومي، أو حتى أصحاب الدخل القليل الذي لا يحتمل أسباباً طارئة تجعله يزداد انكماشاً، وهم ذاتهم الذين كانت أقصى أمنياتهم أن ينتهي يومهم وقد تمكنوا من توفير أبسط حاجاتهم.

كثرُت التنبؤات حول انتهاء الأزمة العالمية التي سبّبها فيروس كورونا وانتشاره الشرس، وعطفاً عليها أيضاً كثرت السيناريوات المحتملة للعالم الجديد من بعده، بجوانبه الاقتصادية بالتأكيد، والاجتماعية والنفسية والصحية. وضمن العزلة المفروضة على الجميع، كلّ يحاول استثمار ما يملكه من فكرة أو وقت أو حلم أو مشروع على أمل أن تنتهي ويرافقها نتاج طيب. على الصعيد الأدبي مثلاً، هناك مَن بدأ فعلاً بتحويل الأحداث إلى نصّ يروي واقعه الحي بمصاحبة خياله، وآخرون يراقبون ويستلهمون مما يجري أحداثاً قد يُبنى عليها نصوص مستقبلية، فلا يمكن تجاهل ما يحدث، فهو زمن يحمل خصوصية غير مكررة على غرار زمن الكوليرا الذي بنى عليه ماركيز رائعته "الحب في زمن الكوليرا"، وهو العنوان الأكثر تردداً واقتباساً هذه الأيام.

برغم أني أجد الصورة غير مكتملة بعد، فحتى انتهاء الوباء واستقرار الصورة الجديدة للعالم وما سيؤول إليه، يبدو الوضع قابلاً للتندّر، ومع ذلك، فالأثر الكارثي لن يختلف على البعض، فعلى سبيل المثال نُشرت قبل أسابيع تقارير في الولايات المتحدة، تؤكد أن الأفارقة من ذوي البشرة السوداء هم الضحايا الأبرز في الولايات المتحدة بحيث ترتفع بينهم نسبة الوفيات من المصابين بالفيروس، وذلك بحد ذاته أثار زوبعة من التساؤلات والانتقادات حول التأمين الصحي المتاح لهم وظروفهم المعيشية الصعبة والعنصرية الموجهة ضدهم، هؤلاء وإن كانوا الحاضر لكنهم صورة ثابتة للفقر في الماضي وفي المستقبل، وهم كذلك المرادف للفقر في كل دول العالم، وبالأخص في أوطاننا، وبالتالي الفئة الأشد تأثراً بلا شك بأي جائحة أو أزمة تصيب العالم في أي زمان ومكان، هؤلاء لن يعوضوا أرواحهم المهمّشة فوق التراب وتحته، فالعزلة أو الحجر أو التوقف عن العمل مهما كانت التسمية، ليست إلا قيد جديد يضاف إلى سجنهم الحياتي وحصار ظروفهم المُجهِدة ذلك ما جعلهم أول الضحايا.

سياسات الحكومات في العالم وكيفية توجيهها نحو شعوبها في ظل طابعها الأناني المقيت والبعيد من المسؤولية، تذكرني بنص ساخر لفولتير من روايته "كنديد"، إذ كتب: "وكان قد قُبض على رجلين أكلا فرخة مع نزع شحمها، فقيّد الدكتور بنغلوس وتلميذه، الأول لأنه تكلّم، والآخر لأنّه استمع له سماع استحسان". 

منذ زمن والحروب تجعلنا نرى عوالمنا بخرائط مشوّهة لا تشبه تلك التي عرفناها، كما لم تصل بعد إلى شكلها النهائي، اليوم هذه العاصفة الصحية الخبيثة ستأخذنا إلى عالم جديد، بعدما اهتزت أركانه القديمة بلا شك. حين نخرج من هذا الاستثناء الزمني، هل سنعود إلى أنفسنا ذاتها الواثقة من ثبات الأرض التي تحملها أم ستتكون أنفس جديدة يغزوها الشك؟ الآتي أصعب بلا شك.

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard