المعذرة... من شهداء قانا

18 نيسان 2020 | 12:56

المصدر: "النهار"

شهداء قانا

صباح الخير يا قانا...

صباح الخير لشهداء مجزرة 18 نيسان 1996..


ثمة بلدات يدخلها أهلها من أوسع صفحات التاريخ في الدفاع والزود عن ترابها وعدم تدنيس كرامتها. قانا الشهيدة واحدة من هذه الأماكن التي يشار إليها جراء ما ارتكبه الصهاينة على أرضها من قتل 105 شهداء أكثرهم من الأطفال والنساء الذين استظلوا وجلسوا تحت علم الأمم المتحدة، لكن آلة الموت الاسرائيلية في مثل هذا اليوم في العام 1996 لم تشأ الا ان تراكم أرشيفها الدموي بمثل هذا الفعل الاجرامي. ولم يكتف العالم أو يرد سوى بإصدار بيانات استنكار من هنا وهناك على الرغم من بعض الحناجر الحرة التي لم تسكت عن هذه المجزرة.

لا تغيب صورة هذه الهستيريا الجماعية والرقص الجنائزي في هذا اليوم عن أذهان كثيرين كانوا في قانا ومحيطها من البلدات الجريحة في قضاء صور حيث ظن أهلها ان هذا المكان سيكون آمناً ومحيداً على الأقل من الطائرات الاسرائيلية ومرابض مدفعيتها التي لا تميز بين طفل ومقاوم. نعم، يفرح الصهاينة عندما يقتلون هؤلاء الأطفال على اساس ان معادلاتهم الحسابية تقوم على التخلص من هؤلاء الذين يرتشفون منذ ولادتهم حليب الحرية والدفاع عن أرضهم. يقتلون النساء من أجل أن لا ينجبن هذا النوع من الفتيان الذين يتعلمون ويمتشقون القلم والبندقية وهم ينطقون في بداية براعم طفولتهم بحروف وطنية مقاومة ليلتحقوا في صفوفها. ولا خلاف هنا على اسمها ما دام الهدف الأسمى هو تحرير الارض. وبعد أربعة اعوام على هذه المجزرة أنبتت دماء الشهداء أزهار تحرير الجنوب وطرد المحتل في أيار 2000. ومنذ ذلك الحين والاسرائيلي يخطط وينتظر للرد على خسائره لانه للمرة الاولى كان يخرج من أرض لبنانية وعربية بفعل ضربات المقاومين وصمود شعب صمم على لفظ هذا التنين المحتل.

وبالعودة الى الشهداء في هذا اليوم، فإن أرواحهم انتقلت الى السماء بعدما تحولت اجسادهم الطرية الى اشلاء تحت انظار عناصر "اليونيفيل" الذين لم يصدقوا هذا الحجم من الارتكابات.

في مثل هذا اليوم حبذا لو يضع اللبنانيون خلافاتهم اليومية جانباً سواء كنا مع هذه الحكومة أو ضدها وليصلِّ الجميع على أرواح هذه الكوكبة من الرياحين الراحلين ومع الاعتراف بأنهم لم يحصلوا على الوفاء والتقدير المطلوبين ولو بعد 24 عاماً على تلك المجزرة. قرابة ربع قرن مرت على هذه المجزرة والشهداء ينتظرون على الأقل المرور على فيلم الموت هذا ولو في حفنة من السطور في كتاب التاريخ لتطلع الاجيال المقبلة على عدو لا يرحم يقوم اطفاله بالتوقيع وكتابة أمنياتهم على قنابل الموت وصواريخ الطائرات التي تسقط على ارض لبنان ورؤوس شعبه.

ماذا نقول لهذه الثلة من الشهداء في مثل هذا اليوم ولكل الضحايا الذين سقطوا في مناطق لبنانية اخرى. ربما كان من حسن حظهم انهم اصبحوا في أمانة الخالق وفردوسه لئلّا يروا ما تعيشه عائلاتهم ووطنهم من ضياع وخلافات وانشقاقات وتراشق يومي بين رؤوس مكوناته السياسية التي لم تتوحد كما يجب ولو في التصدي لجبه فيروس قاتل.

ربما كان من الأفضل لشهداء قانا وأخواتها ان يكونوا في عليائهم وان لا يشاهدوا وطنهم من فوق وهو يحترق ويضيع على ايدي كثيرين من سياسيين ورجال دين ومصرفيين وتجار ومقامرين لم يكونوا على قدر من المسؤوليات الوطنية والاخلاقية حيال شعب لم يتلمس الحياة بهناء في كنف دولة الحلم والمواطنة الحقيقية المنتظرة بدل العيش تحت مظلات مذهبية ومناطقية أدت بسياساتها وخططها وهندساتها المالية والاقتصادية الفاشلة الى القضاء على اقتصاد بلد كان في إمكانه ان يسير في ركب التطور والنمو لولا غوص كثيرين في بحر من الفساد والإهدار والمحسوبيات وسرقة عذابات الشهداء ولقمة الفقراء والمعوزين وتجويعهم على امتداد خريطة دولة تتجه نحو التففت والضياع والإفلاس بعد السطو على ودائع المواطنين وتبخرها بعدما استقرت في جيوب كبار السارقين والمتعهدين وتراكم ثرواتهم والقضاء على طموحات اللبنانيين وأكثرهم من الشرفاء الذين يحلمون بقيامة وطن يكون على قدر شلال دم من التضحيات والقرابين.

المعذرة من أطفال قانا وعذاباتهم وكل الشهداء.

[email protected]

من الآن فصاعداً، "نتفلكس" في لبنان مسموحة لفئة معينة فقط!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard