بين كورونا والانفلونزا الإسبانية نقاط مشتركة... فهل نشهد التبعات نفسها على الصحة النفسية؟

15 نيسان 2020 | 11:08

المصدر: "النهار"

في عام 1918 عندما انتشرت الانفلونزا الإسبانية، شكلت الوباء الأخطر والأكثر صعوبة، فحصدت ملايين الأرواح حتى وصل العدد إلى 50 مليون حالة وفاة منها 675000 حالة في الولايات المتحدة الأميركية، فيما سجّل أكثر من 500 مليون إصابة حول العالم خلال فترة انتشاره التي دامت حوالي عام. أما الإصابة الأولى فقد ظهرت حينها في الولايات المتحدة بين صفوف الجيش، وبدأ انتشار الفيروس على نطاق واسع. لكن اللافت حينها كان ارتفاع عدد الوفيات بين الأطفال الذين هم دون سن 5 سنوات بعكس ما يحصل اليوم مع فيروس كورونا المستجد الذي تنخفض فيه معدلات الوفيات بين الأطفال إلى نسب بسيطة جداً. لكن تماماً كما يحصل اليوم مع فيروس كورونا المستجد، فشلت حينها المحاولات لمواجهة انتشار الفيروس لعدم توافر اللقاح والأدوية اللازمة. وكان الحجر المنزلي وإجراءات الوقاية بالنظافة الشخصية واعتماد وسائل التعقيم والحد من التجمعات، الحلول الوحيدة المتوافرة.

في تلك المرحلة اعتبرت الأنفلونزا الإسبانية الوباء الأكثر فتكاً لاعتباره قد تسبب بالعدد الأكبر من الوفيات حول العالم بحسب ما ورد في موقع الـCDC. أما اليوم فتتم الإشارة إلى فيروس كورونا المستجد على انه الوباء الأكثر قدرة على الانتشار بحسب ما تظهر المعطيات. ويظهر لنا الواقع اليوم أن كل ما نتعرض له فرض تغييراً واضحاً على نمط حياتنا وعاداتنا الاجتماعية، ولا يمكن أن ننكر أن لأي تغيير جذري وصادم من هذا النوع تبعات على الصحة النفسية. فمَن منا كان مستعداً لمواجهة الظروف الحالية والتغيير الذي حصل في حياتنا، بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل أشهر قليلة من اليوم؟ وبقدر ما يكون الإنسان أقل استعداداً لمواجهة التغيير، تزيد أعباؤه وتبعاته عليه، فيما يطرح السؤال هنا حول ما إذا كانت نتائج هذا التغيير على الصحة النفسية ستستمر في المدى البعيد وحتى بعد زوال الوباء.استناداً إلى ما حصل في عام 1918 مع انتشار الانفلونزا الإسبانية التي كانت الوباء الأخطر الذي حصد العدد الاكبر من الأرواح، كان لافتاً أن تسليط الضوء على الوباء والتركيز عليه على الصعيد الاجتماعي زال مع زواله مباشرةً، بحسب ما ورد في كتاب "Epidemic and Peace,1918" لألفرد كروسبي في عام 1976. علماً أن الدراسات التي تناولت موضوع الوباء وأثره على الصحة النفسية قليلة نسبياً، كما ورد في Psychiatric Times . أما في دراسة تناولها الدكتور الخبير في المسح الصحي للسكان Svenn-Erick Mamelund وقد تناولت الصحة النفسية وعدد المرضى الذين دخلوا المستشفى بسبب اضطرابات نفسية في النروج بين عامي 1872 و1929، فقد تبين أن عدد المصابين الذين عانوا اضطرابات نفسية مرتبطة بالوباء ارتفعت في السنوات الست التي تبعت انتشار الوباء. كما لوحظت اضطرابات في النوم وحالات اكتئاب وصعوبة في التركيز ودوار وصعوبات في العمل بعد انتهاء الوباء. كما لوحظ ارتفاع في معدلات الانتحار في الولايات المتحدة الاميركية بين عام 1918 و1920.

علماً أنه كان من القلائل الذين أشاروا إلى العلاقة التي تربط بين الأنفلونزا الإسبانية وارتفاع معدلات الأمراض العصبية. وفي عام 1919 - 1920 أثار عدد من الخبراء البريطانيين الصلة بين الوباء وارتفاع معدلات الأعراض المرتبطة بالجهاز الصعبي لدى المرضى الذين هم في مرحلة التعافي من الانفلونزا، إضافة إلى مشكلات كداء السحايا والاكتئاب وضمور في وظائف خلايا الأعصاب والاعتلال العصبي وتراجع في القدرة على التركيز في النظر... قد لا تشكل هذه إلا جزءاً من تبعات الوباء على الصحة النفسية. لكن استناداً إليها وإلى ذاك التقارب الواضح ما بين "الوباء القاتل الذي حصد عشرات ملايين الأرواح قبل حوالي 100 عام و"الفيروس القاتل" الذي حصد عشرات آلاف الأرواح حول العالم من بداية انتشاره السريع قبل اشهر قليلة إلى اليوم، أية نتائج يمكن توقعها على صعيد الصحة النفسية لفيروس كورونا المستجد حالياً وفي المدى البعيد نظراً للتغييرات الكبرى والشاملة التي حدثت في حياة الناس.حول هذا الموضوع تحدثت "النهار" إلى الاختصاصية في المعالجة النفسية شارلوت خليل التي أكدت أن فيروس كورونا وانتشاره السريع والكاسح حول العالم أحدث حالة من الهلع والخوف بين الناس، وإن تفاوتت معدلات انتشاره بين دولة وأخرى، فيما توقعت أن نشهد مع الوقت حالات اضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاضطرابات الإدراكية وغيرها من الاضطرابات النفسية. "من الواضح أننا شهدنا حول العالم ردود فعل متقاربة حيال انتشار الوباء كالهلع والاتجاه إلى تخزين المواد الغذائية والأدوية ووصمة العار التي وضعها البعض على الصين لاعتبارها كانت المصدر الأساسي للوباء. وبالعودة إلى التاريخ يلاحظ أن ردود الفعل تجاه انتشار الاوبئة السابقة كانت أيضاً مماثلة لما يحصل اليوم ومنها الأنفلونزا الإسبانية التي تتشابه في ظروفها مع تلك المرافقة لانتشار فيروس كورونا المستجد".

بين فيروس كورونا المستجد والأنفلونزا الإسبانية نقاط عديدة مشتركة ولكن...

في المقاربة ما بين فيروس كورونا المستجد والانفلونزا الإسبانية، تشير خليل إلى أنه مع انتشار الأنفلونزا الإسبانية حينها لوحظ ارتفاع في معدلات الاكتئاب والقلق المرضي، بحسب ما أظهرت الدراسات إضافة إلى العديد من الاضطرابات النفسية وارتفاع في معدلات الانتحار. كما تظهر الدراسات عبر التاريخ أنه حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يصابون بالفيروس يحاولون المقاومة من الناحية العاطفية. ونتيجة الضغط النفسي الكبير الذي يعيشونه في فترة انتشار الوباء، تولد لديهم حالة من القلق الحاد كما تزيد الاضطرابات النفسية حيث يتخبط الناس عادةً في مثل هذه الظروف ما بين مشاعر متضاربة تراوح بين الإحساس بالذنب والغضب والضياع إضافةً إلى أثر الوحدة، بحسب خليل التي تشير إلى أن أفراد الجسم الطبي أيضاً يعانون في ظل الضغط النفسي الزائد في مثل هذه الظروف ويعانون في المدى البعيد من نتائجه على حالتهم النفسية.

وفي رأيها، "نحن اليوم بمواجهة فيروس كورونا المستجد يعتبر كل ذلك متوقعاً نظراً للظروف التي نمر بها. لكن في المقابل لا يمكن أن ننكر أن ثمة ظروفاً مختلفة اليوم عن السابق بوجود الاستشاريين النفسيين والدعم النفسي الكبير الذي يمكن أن يجده الناس فيساعدهم على تخطي الضغط النفسي الذي يتعرضون له بشكل أفضل سواء عبر الهاتف او عبر التواصل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي يمكن أن يكون ذلك عاملاً مساعداً لاحتواء آثار الوباء على الصحة النفسية سواء لدى العاملين في القطاع الطبي أو حتى لدى الناس في منازلهم. تكثر اليوم حملات التوعية وحملات الدعم النفسي المتواصلة لمساعدة النفس لكبح تبعات الضغوط الناتجة عن الوباء على الصحة النفسية وهذا ما يساعد على تجنب تكرار المشاكل والاضطرابات النفسية التي حصلت في التاريخ مع الأوبئة السابقة وبشكل خاص الأنفلونزا الإسبانية التي كانت لها آثار واضحة".

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard