هل دفع لبنان ثمن تفاهم إيراني - أميركي في ملف العميل فاخوري؟

27 آذار 2020 | 09:52

المصدر: النهار

الصورة من الارشيف

في زمن ما يُعرف بالعهد القوي، حكومة الجرأة والتّحديات... في الزمن الذي تتسلم فيه حكومة محور المقاومة زمام الحكم، غادر العميل عامر الفاخوري (جزّار الخيام) بطائرة خاصة حطت في السفارة الأميركية في لبنان كما يغادر العملاء الأميركيون في أفلام هوليوود.

لقد كان وقع هذا الخبر كالصاعقة على كافة اللبنانيين. تلى خروج الفاخوري إدانات وتحليلات جماهيرية من كل حدب وصوب، خاصة بين جمهور حزب الله والتيار الوطني الحر، وتمّ تقاذف المسؤوليات بين السياسة والقضاء. شكر الرئيس ترامب الحكومة اللبنانية على تعاونها. أدان رئيس الحكومة حسان دياب هذا الحدث بنص إنشائي. خطب السيد حسن نصرالله بأعدائه وأصدقائه، واستقال القاضي الذي أصدر القرار.

كثيرة طُرحت حول هذه القضية من حق المواطنين اللبنانيين معرفة أجوبتها، أبرزها حول الصفقة بين أطراف سياسية في الدولة اللبنانية والإدارة الأميركية، وهل تمت هذه الخطوة من دون "قبّة باط" من حزب الله؟ هل دفع لبنان ثمن تفاهم إيراني-أميركي في ملف العميل فاخوري؟ وأخيراً، ما مدى دقة قرار المحكمة العسكرية من الناحية القانونية؟

في السياسة:

أبرز الأسئلة التي طرحت حول هذه القضية هي حول عقد صفقة بين واشنطن وحزب الله بحيث يتم إطلاق الفاخوري مقابل الإفراج في وقت لاحق عن رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين المتهم في أميركا بدعم حزب الله؛ ثانيها، تدخّل رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل لدى حزب الله للإفراج عنه خشية أن تطاله العقوبات الأميركية بموجب قانون ماغنيتسي بعد سلسلة ضغوط أميركية عليه لإخلاء سبيل العميل السابق.

لا شك أن الإدارة الأميركية ضغطت في ملف الفاخوري. فلقد أشارت شبكة "فوكس نيوز" الإخبارية الأميركية أن "لبنان مهدد بالعقوبات بسبب استمرار احتجازه "القائد العسكري السابق لمعتقل الخيام في جيش أنطوان لحد، العميل عامر إلياس الفاخوري".

وكشفت شبكة "فوكس نيوز" بعض التفاصيل عن عملية تهريب الفاخوري ودوافعها الحقيقية. فقالت إن الإفراج عن الفاخوري، القائد العسكري السابق لمعتقل الخيام في جيش أنطوان لحد، بعد أن اقترحت السيناتور الأميركية جين شاهين من ولاية نورث كارولاينا، والسيناتور تيد كروز، من ولاية تكساس، فرض عقوبات بتأييد من الحزبين الجمهوري والديموقراطي على كبار المسؤولين اللبنانيين الضالعين في اعتقاله، خصوصاً أن لبنان استفاد من مساعدات أميركية قُدرت بأكثر من 2.29 ملياري دولار منذ عام 2005.

في المقابل، علّق مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر على قضية العميل عامر الفاخوري، مؤكداً أنه لم يتم عقد أي صفقة، وأن الجانب الأميركي لم يتقدم بأي وعود، ولم يعِد بالمال، وقال في حديث صحافي: "ولم نعد بالإفراج عن سجناء، ولم نعد بعدم تسمية أي من المسؤولين اللبنانيين، ولا نتحدث مطلقاً مع حزب الله".

من جهته، نفى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه في 21 آذار 2020 وبشكل قاطع علم الحزب بصفقة أو بوجود صفقة من أساسه، مؤكّداً: «نحن لسنا طرفاً في صفقة أو نغضّ الطرف عنها أو نسكت عنها. لا وجود لصفقة». وتابع أنه «منذ مجيء العميل الفاخوري إلى لبنان بدأت الضغوط الأميركية على المسؤولين اللبنانيين وتهديدات مباشرة بوضع أسماء من يرفض الإفراج عنه على لائحة العقوبات، وتهديد بوقف المساعدات للجيش اللبناني، ومنع دول العالم تقديم مساعدات للبنان»، وهذه الضغوط مارسها مسؤولون أميركيون عبر الهاتف وموفدون والسفيرتان الأميركيتان، السابقة والحالية.

وقال إنه عندما سئل حزب الله عن رأيه في إخلاء سبيل الفاخوري من قبل المسؤولين، كان «جوابنا أن هذه قضية أخلاقية وإنسانية وقضية مقاومة وقضية لله والآخرة، ولمصلحة القضاة وعائلاتهم، وبالتالي لا يجوز الخضوع للضغوط، ولكن رغم الوعود بعدم عقد جلسات قضائية بسبب كورونا، فإنني سمعت الخبر من وسائل الإعلام بإخلاء سبيل العميل فاخوري».

لكن هل يعقل أن تمرّ هكذا قضية بدون أي مقابل؟

إذا وسّعنا دائرة "البيكار" قليلاً، نرى أنه في اليوم الذي غادر فيه عامر الفاخوري لبنان، صرح وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو أن إيران أطلقت سراح مايكل وايت، المواطن الأميركي وأحد الجنود القدامى في البحرية الأميركية، وقد ألقي القبض عليه في تموز من العام 2018 وحكم عليه بالسجن 13عاماً. إذاً، يبدو أن لبنان في ملف العميل فاخوري دفع ثمن تفاهم أميركي-إيراني لمساعدة إيران في مواجهة كارثة كورونا على أراضيها، خاصة وأن بومبيو كان أصدر بياناً خطيا في 10 أذار أنه في حال أرادت إيران أن تحصل على مساعدات من أي جهة كانت لمواجهة كورونا، فهناك أثمان إنسانية عليها دفعها. وكانت إيران في 4 أذار قد طلبت مساعدة بقيمة 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لمواجهة فيروس كورونا.

في القانون:

أشار المحامي هيثم عزو، وكيل الأسرى المحررين في قضية عامر الفاخوري، أنه لئن كانَ صحيحاً أن المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية -والتي استندَ عليها قرار المحكمة العسكرية- قد نصّت على سقوط الفعل الجرمي الجنائي بمرور الزمن العشري، إلا أنَّهُ منَ الصحيح أيضاً أن المادة ذاتها قد نصت صراحةً على عدم سريان مهلة مرور الزمن في الجرائم المستمرة إلا من تاريخ انتهاء الحالة الجرمية.

وحيثُ إن جرائم الخطف والإخفاء التي ثابر على اقترافها المجرم عامر الفاخوري هي من الجرائم المستمرة بحسب طبيعتها القانونية، فلا يسري عليها بالتالي مرور الزمن ولا يبدأ التقادُم العُشري بشأنها إلا من تاريخ انتهاء وزوال حالة الخطف والإخفاء، وهو الأمر الذي لم يحصل واقعياً لإسقاط الجرم عنه لكون المجنى عليه علي عبدالله حمزة الذي كان قد اختطفه الجاني عامر الفاخوري ما زال مصيره مجهولاً حتّى تاريخه، ما يعني استمرار حالة جرم الخطف القسري وبالتالي عدم بدء الزمن بالسريان على هذا الجرم، وخاصةً في ظل انقطاع مهلة مرور الزمن بالعديد من الإجراءات القضائية سنداً لأحكام المادة المُنوَّه عنها.



أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard