لا نريد شفقةً ولا حسنةً يقول الناس بل الحقوق المسروقة

26 آذار 2020 | 14:08

المصدر: "النهار"

الأموال المنهوبة والمهرّبة (لوحة للفنان منصور الهبر).

بدون مقدّمات تجميليّة: فليعلم الجميع أنّ القابعين في بيوتهم، المحتاجين والعاطلين عن العمل والفقراء والجياع والمرضى من اللبنانيّين، وهؤلاء يؤلّفون – يا للعار – الأكثريّة الساحقة من المواطنين، في هذا الزمن، في هذا العهد؛ هؤلاء لا يريدون شفقةً، ولا منّةً، ولا خدمةً. وهم لا يطلبونها لا من السلطة، ولا من المتبرّعين، أيًّا كانوا. ولا أيضًا يطلبونها من أحد.

هؤلاء، ومعهم المواطنون كلّهم، لا يريدون الكثير من هذه الحكومة.

هي، هذه الحكومة، على كلّ حال، غير قادرة على أنْ تفعل القليل، فكيف بالكثير.

نريد منها فقط أنْ لا تغدر. أنْ لا تطعن في الظهر. أنْ لا تطعن في الصدر. وأنْ – خصوصًا - لا تتسلّل تحت أجنحة الوباء، تحت الليل، تحت المأساة، تحت الكارثة، تحت الذرائع "المشروعة" أو الذرائع الشنيعة المختلفة، لإمرار صفقاتٍ وتعييناتٍ ومراسيم وقراراتٍ مشبوهة.

نريد منها فقط، خطّةً متأخّرة جدًّا جدًّا، لإعادة الاعتبار الكريم إلى المواطنين المتروكين في بيوتهم، البلا عمل، البلا رواتب، المقطوعين عن العالم، الفقراء، الجوعى، المرضى، البلا سقف.

هؤلاء المواطنون يمثّلون أكثريّة المواطنين اللبنانيّين. وهؤلاء وحدهم هم الشرعيّة الوحيدة في هذه البلاد المسروقة شرعيّتها، للأسباب المعروفة وغير المعروفة.

هؤلاء المواطنون لا يريدون الشفقة الماكرة، ولا يريدون التبرّع الخبيث.

هؤلاء المواطنون لا يريدون مليون ليرة. ولا حصّة غذائيّة. ولا دواء. على طريقة مَن يمنّن محتاجًا بأنّه يعطيه من جيبته، في حين أنّه يعطيه من جيبة هذا المحتاج بالذات.

هؤلاء المواطنون يريدون أنْ يُستعاد حقّهم كمواطنين.

حقّهم في الخبز. وحقّهم في الكرامة الوطنيّة.

هؤلاء المواطنون يريدون هذا الحقّ، الأوّليّ، البديهيّ، القانونيّ، الدستوريّ، الشرعيّ، الوطنيّ، المغتصَب.

كيف؟!

بأنْ تضع الحكومة العاجزة والفاقدة القيمة، خطّة إنقاذ وطنيّة، فوريّة، لأجل هذه الغاية، هذا الهدف.

المسألة لا تحتاج إلى درسٍ كثير. ولا إلى لجان.

وزارة العمل تعرف ما هي رواتب الناس. تعرف مَن يقبض. وتعرف ماذا يقبض. وتعرف مَن لا عمل له. ولا راتب.

فلتضع وزارة العمل هذه اللائحة فورًا أمام مجلس الوزراء المنعقد بشكلٍ استثنائيّ طارئ، وبرئاسة رئيس سرايا القصر الجمهوريّ، وفي حضور رئيس السرايا الحكوميّة، والوزراء، وفي حضور مجلس الدفاع الأعلى، ورئيس سرايا عين التينة، وليُتَّخذ قرارٌ فوريٌّ تنفيذيٌّ إحرائيّ، بإيصال ما ينبغي إيصاله إلى هؤلاء الناس، ابتداءً بعكّار، بالضنيّة، بطرابلس، بالبدّاوي، بجبل محسن، وليس انتهاءً ببعلبكّ والهرمل، والبقاع برمّته، ولا بالناقورة. ولا ببرج حمّود. ولا بالنبطيّة. ولا ببنت جبيل. ولا طبعًا بجبل لبنان. كلّ جبل لبنان. وبيروت. كلّ بيروت.

فلتضع هذه الحكومة خطّةً فوريّة لإعادة الحقوق المسروقة إلى هؤلاء. بدون قيدٍ أو شرط. وبدون إعلاناتٍ دعائيّة، وبدون ذرف دموع التماسيح المشفقة، وبدون منّة، وبدون تحسيس الناس بأنّهم يستعطون، ويشحذون، ويستعطفون، ويطلبون المساعدة.

بخطّةٍ كهذه الخطّة، تستطيع الحكومة أنْ تحصل على جزءٍ ضئيلٍ جدًّا جدًّا جدًّا من مشروعيّتها الوطنيّة والدستوريّة والقانونيّة والشعبيّة... المفقودة.

أمّا كيف ومن أين تأتي الحكومة بالمال لتغطية هذه النفقات – وهي حقوقٌ مغتصبةٌ ومسروقةٌ ومصادَرة؟

الجواب معروفٌ كيف، ومن أين.

هذا الجواب الفجّ، الصافع، الحارق كشمس تمّوز، والجليّ النقيّ الواضح كثلوج المكمل وصنّين وحرمون، يعرفه رئيس سرايا القصر الجمهوريّ، ورئيس سرايا عين التينة، ورئيس السرايا الحكوميّة، ويعرفه الوزراء والنوّاب، وتعرفه السلطات القضائيّة والسلطات الأمنيّة: المال المسروق والمنهوب والمهرَّب، أعيدوه إلى أصحابه الحقيقيّين.

هذا المال هو حقٌّ للشعب القابع في جحيمه الكارثيّة والمأسويّة العظمى.

أعيدوه إليه.

أعيدوا هذا الحقّ إلى اصحاب الحقّ.

بهذه الطريقة الوحيدة، تستطيع الحكومة أنْ تحصل على جزءٍ ضئيلٍ من شرعيّتها اللاشرعيّة.

خاتمة غير تجميليّة: ليسمع الجميع، وليعلموا:

أمّا الجنود المجهولون – الأفراد الفرسان الأشراف النبلاء، والجهات، والجمعيّات، والمؤسّسات - الذين ينظّمون حملاتٍ خفرةً، مكتومةً، غير استعراضيّة، للمساعدة، فإلى هؤلاء انحناءتي العميقة جدًّا، واحترامي.

Akl.awit@annahar.com.lb

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard