كورونا بعد ١٧ تشرين... إعادة تموضع الأحزاب في لبنان

26 آذار 2020 | 10:02

المصدر: النهار

  • زكي ديب
  • المصدر: النهار

١٧ تشرين الأول كان يوماً مفصلياً في تاريخ لبنان المعاصر

١٧ تشرين الأول كان يوماً مفصلياً في تاريخ لبنان المعاصر لعدة أسباب. لكن من أهم ما أتت به ثورة ١٧ تشرين هو تسليط الضوء على فساد الدولة وأحزابها، أو بالأحرى فساد الأحزاب، ودولتهم.

لدى الأحزاب – الطائفية والمناطقية بتركيبتها - نفوذٌ كبير في معظم مناطق انتشارها من المدن والبلدات والقرى، وحتى البلديات التابعة لها. وهذا ما لا يخفى على أحد. في غياب البنى التحتية ومؤسسات الدولة، لطالما لعبت الأحزاب دور البديل معززة بذلك سيطرتها على قواعدها الشعبية ومؤكدة طبيعة العلاقة الزبانئية التي تجمعها بجمهورها. وما يمر به لبنان من أزمة ناتجة عن تفشي وباء الكورونا لا يبدو سوى فرصة أخرى للأحزاب لإعادة تموضعها بعد تبعات ثورة ١٧ تشرين.

تقصير الدولة في ظل تفشي وباء الكورونا ليس بالأمرٍ غير المتوقع. الدولة مغيبة منذ زمن، وما ثورة ١٧ تشرين إلا نتيجةً لتلك الغيبوبة. مع تفشي الوباء في دول العالم، هبت الحكومات لتقديم الدعم لمواطنيها من أصحاب الدخل المحدود كتأمين الغذاء والدواء على نفقتها، وذهبت بعض الدول أكثر من ذلك لتلغي الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه لكل المقيمين على أراضيها. في المقابل، لم تقدم الدولة المتهالكة أي مساعدات، لا بل فتح لبنان "باب الشحاذة" على مصراعيه من خلال القطاع الخاص ليؤكد بذلك إفلاسه المادي والأخلاقي.

وفي غياب الدولة، شهدنا منذ الأيام الأولى لانتشار فيروس كورونا استنفار جميع الأحزاب التي انكبّت على توزيع المعقمات والمؤن والمواد الغذائية أو التبرع لدفع تكلفة فحص فيروس كورونا وتعقيم شوارع ومؤسسات ودور عبادة وبلدات بأكملها. كل ذلك يتم في ظل غيابٍ تام وصارخ للدولة ووزارتها، ووجود خجول أحياناً وقوي أحياناً أخرى للبلديات التي تقوم بكل ما في وسعها وبإمكاناتها المحدودة.

يأتي استنفار الأحزاب على أكثر من محور. المحور الأول هو المحور الإنساني. ففي ظل هذه الأزمة، تبرز أهمية المساندة والدعم بغض النظر عن الانتماءات الطائفية والمناطقية أو التوجهات السياسية، أو هكذا يقولون. هنا يطفو دور الاحزاب الاجتماعي والانساني في المجتمعات المحلية. فمناصرو الأحزاب هم "أهلنا وإخوتنا وأصدقاؤنا" ومن المعيب عدم مساعدتهم عند الضرورة. ولكن على نفقة من تأتي هذه المساعدة الإنسانية؟ وبأي أثمان سياسية أو انتخابية؟

المحور الثاني هو السياسي. حالة استنفار حماسي للأحزاب جميعها في لبنان. ولكأنها حملات انتخابية وليست مبادرات استجابة لأزمة. فكيف لحزب ما أن يجلس مكتوف الأيدي بينما خصمه في السياسة يبسط جناحيه في منطقته الانتخابية؟ يتجلى هذا الحماس والتعصب السياسي في أبسط أدوات البروباغندا المعتادة: طباعة شعارات الأحزاب على البدلات المستخدمة في أعمال التعقيم مثلاً ووضع الشعارات على الشاحنات ومواد التعقيم، وتسيير مواكب سيارة بأعلام حزبية ترافق المتطوعين خلال عملية تعقيم الشوارع والبلدات. استغلال سياسي للدعاية الحزبية في ظل أزمة تهدد بحدوث كارثة إنسانية.

أما المحور الثالث فهو النفسي. من الواضح أن هدف الأحزاب يتخطى السياق الإنساني والسياسي إلى حد الوصول إلى التأثير النفسي. في ظل هذه الأزمة يشعر المواطن بالقلق وعدم الأمان جراء عدم إمكانية الدولة تقديم المعونة والدعم بأبسط حلله كتعقيم الشوارع. هنا تستغل الأحزاب غياب الدولة لتلعب دورها وتشعر المواطن بالراحة والأمان والطمأنينة. تشعره بأن الأحزاب قادرة أن تتحمل المسؤولية، مسؤولية الدولة.

فمثلما إستفاد البعض من الثورة ليسجل نقاطاً سياسية، يستفيد البعض اليوم من هذه الكارثة ليثبت لمناصريه ولجمهوره أنهم لا يمكنهم العيش بغنًى عنه.

لا شك أن بعد 17 تشرين ليس كما قبله، فقد فضحت الثورة خبث الأحزاب وفسادها، كما رفعت مستوى الوعي لدى الشعب. لكننا هنا وكأننا نعود بالزمن لنرى محاولة جليلة لجميع الأحزاب لإعادة فرض هيبتها من خلال لعب دور الدولة.

وما المهرجان الحزبي على مواقع التواصل الاجتماعي سوى دعاية كبيرة في سياق إعادة التموضع بعد ١٧ تشرين. هل الهدف مكافحة فيروس الكورونا أم إعادة بسط أجنحة الأحزاب على قواعدها الانتخابية؟ وهل الدولة غائبة عمّا يحدث أم عاجزة؟

هنا أستذكر قول السيد المسيح: فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!"(مت 6: 2 )


بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard