مقابلة- بيلا تار: انتهيتُ من السينما

25 آذار 2020 | 18:09

المصدر: "النهار"

بيلا تار في برلين (تصوير هوفيك حبشيان).

الساعة تشير إلى الحادية عشرة قبل الظهر. نحن في فندق "سافوا" في برلين الغربية. يجلس المخرج المجري بيلا تار أمامي واضعاً يديه على الطاولة. الرجل هنا في مهمّة: تقديم فيلمه "تانغو الشيطان" في البرليناله، في نسخة مرممة، احتفالاً بمرور ربع قرن على عرضه الأول في برلين. يبدو متعباً، يلفّه الغموض. يمدّك بشعور استثنائي بأنه لا يريد شيئاً من هذا العالم. نظرته الحادة لا تبعث على الكلام ولا تشجّع على التعليقات الطويلة. يبدو مهموماً. هذا ما شعرت به قبل دقائق وأنا ألتقط له بعض الصور، وهو يقف أمام السينما في الجهة المقابلة للفندق، مدخّناً سيكارته، متأمّلاً الوجود، وهو محض فراغ.

مع ذلك، طوال نحو ساعة من الزمن، سأرشقه بالأسئلة، عن الماضي والحاضر، حول السينما والحياة، في الخاص والعام، ناسياً الأوراق التي أمامي، مكتفياً بإلقاء نظرة خاطفة عليها لالتقاط رؤوس الأقلام.

في تورونتو ألتقيته آخر مرة، قبل ١٢ عاماً، يوم أنجز "رجل من لندن". بعدها بأربع سنوات، قدّم فيلمه الأخير، "حصان تورينو"، في برلين. ومنذ ذلك اليوم، لاذ بالصمت. لا جديد سينمائيا لديه. أعلن شبه اعتزال وهو في السادسة والخمسين. أقام بضعة معارض هنا هناك. لكن بيلا تار الذي عرفناه من خلال تسعة أفلام، والذي أصبح أيقونة سينمائية في العالم أجمع، ذاك الذي جرّد بوادي أوروبا القاحلة من ألوانها، هذا صار قطعة من التاريخ، لا وجود حقيقيا له سوى في الذاكرة البعيدة. مهما حاولتَ ان تبدي انزعاجك من قراره، سيكون جوابه واحداً: "انتهيتُ من السينما".

يتفوّه تار بكلمات بسيطة، تحمل عمق أفكاره. يأتيها اليك بهدوء تام، وهو ينظر في عينيك، بإنكليزية غير متقنة لكنها كافية. هناك شيء غير اللغة المنطوقة يعتمد عليها للتعبير. حد انه عندما جلستُ أمام الشاشة لتفريغ المقابلة، كانت بعض الأسطر تستوقفني لبلاغتها، فأسمعها مجدداً. ثم أسأل نفسي: كيف لم أفكّر في هذه الفكرة من قبل؟ أغلب الظن ان الكبار هم الذين يذكّرونك بأشياء تسكنك ولا تعي بوجودها، لعل رؤيتك للحياة لم تكن ناضجة كفاية لفهمها. وفجأة تتلّقاها كضربة كف!

من "تانغو الشيطان" إلى "هارمونيات فركمايستر"، تتطلب أفلام تار جهداً خاصاً من المُشاهد. انها تجربة اقتحام الزمان والمكان. لا مثيل للغرابة لدى هذا السينمائي، الذي لا تهمّه أمجاد الأرض، والذي تمّ رشقه مراراً بأحطّ النعوت بسبب رؤياه "الشيطانية"، فيما اعتبره بعض المخلصين واحداً من آخر أسياد سينما تأملية تنهل من أعذب ما في السينما، وأحياناً من مواطنه ميكلوس يانتشو. في مساره شيء من اليائس الانتحاري، الذي ينبذ المظاهر.

منذ فيلمه الأول، "عشّ العائلة"، عام ١٩٧٩، كان الهمّ الاجتماعي في المجر الشيوعية، هو المعسكر الذي اختاره، راصداً انهيار مجتمع بأكمله، على طريقة جون كاسافيتيس بعض الشيء. لكن هذا الاسلوب المبني على حركات البانوراما والترافيلينغ البطيئة لإعطاء الزمن السينمائي وقته في الوجود، والمصنوعة بدقّة الساعاتي، لم يتكرّس الاّ في "لعنة"، بعد مرور عشر سنين على بدايته. ثقافته لم تتكون في الصالات المظلمة، بل حصدها في الشارع والعذابات اليومية. لذلك، بقي رجلاً متواضعاً، يخاطب الكبير مثلما يخاطب الصغير، وذلك رغم مكانته وصيته الدوليين.

في تورونتو، قبل ١٢ عاماً، قال لي: "في بداياتي، كنت مدفوعاً بطاقة اجتماعية. لكن، خطوة خلف خطوة، فيلما بعد فيلم، أعترف الآن ان المشكلة أبعد من كونها اجتماعية. إنها ربّما مشكلة ميتافيزيقية، والآن نستطيع ان نقول انها باتت مشكلة كونية أو سموية. هذا رأيي في الأشياء، لكن لا أفرضه على أحد. هكذا أفكّر، هكذا أعمل. أؤمن بأننا كبشر، لسنا الا جزءاً صغيراً من هذا الكون. أي شيء آخر يتجاوزنا حجماً. في الحقيقة، لا أكترث إلى الافلام. السينما أستعملها كما يستعمل النحّات ازميله. ما يهمّ ليس الإزميل، بل التمثال".

يتحدّث مع الملحقة الصحافية.

* نحن جالسان الآن في الفندق المقابل للصالة التي أطلقتَ فيها "تانغو الشيطان" قبل ربع قرن بالتمام. السؤال البديهي والمنطقي الذي يتبادر إلى الذهن: ما شعورك في هذه اللحظة ازاء تلك اللحظة، وأنتَ تجلس على مسافة ٢٥ عاماً من تاريخك الشخصي المجسَّد هناك؟

- عليّ ان أعترف لك بأني أشعر بالغرابة (صمت طويل جداً). أشياء كثيرة حدثت في الـ٢٥ سنة الماضية. تجتاحني الآن الكثير من الذكريات وأنا أفكّر بماضيّ. غرابة، نعم، هذا هو احساسي.

* حدث الكثير في حياتك أو في العالم؟

- في الاثنين معاً. أقول لنفسي: أنجزتُ هذا الفيلم قبل ٢٥ سنة، ولا يزال صالحاً للمشاهدة. جمهور من الأجيال الشابة يكلّفون أنفسهم عناء الذهاب إلى السينما لاكتشافه، وهذا ليس بالشيء القليل عندي. استغرق العمل عليه أربع سنوات. منها سنتان سفراً لاستكشاف أماكن التصوير. بتُّ أعرف كلّ البيوت التي مررنا فيها، وكلّ الناس الذين يقيمون فيها. هكذا تكتسب معرفة لتضعها في الفيلم لاحقاً. هذا هو الحل اذا أردتَ ان تلمس جوهر الحقيقة.

* هل تتذكّر العرض الأول جيداً؟

- يومها شعرتُ بتعب شديد. كنا أنهينا لتوّنا الفيلم. وددتُ فقط ان ينتهي كلّ شيء بأسرع وقت لأرتاح.

* هل استرقتَ النظر من الخلف على الجمهور وهو يشاهد الفيلم طوال أكثر من سبع ساعات؟

- نعم، مع استراحتين. ليست المشاهدة بتلك الصعوبة. الجزء الأول ساعتان وعشرون دقيقة، والثاني ساعتان وعشر دقائق، والثالث ساعتان وثلاثون دقيقة. لا بأس، يمكن مشاهدته بسهولة. أوبرا فاغنر طولها ستّ ساعات ونصف الساعة. هل تعلم أيضاً انه اذا تمسرحت "هاملت" بالشكل الصحّ، فمدّتها ست ساعات ونصف الساعة؟ ولكن، تتعرض للاختصار. لم يمسرح أحدٌ الأصلية.

* من الملاحظ ان أحداً لا يقول عن مقطوعة موسيقية انها طويلة، حجّة الطول حكر على السينمائيين على ما يبدو…

- لا أعرف مَن الأحمق الذي قال ان على الفيلم ان يكون ٩٠ دقيقة. الأمر أشبه ان تقول عن "حرب وسلم” لتولستوي إنها طويلة. لقد أنجزتُ سابقاً فيلماً طوله خمس دقائق في عنوان "برولوغ" وأنا فخور جداً به. انتابني شعور الفخر نفسه وأنا أنجز "تانغو الشيطان". حيناً، أشعر بالحاجة إلى الاخترال، وأحياناً أحب ان آخذ وقتي في التعبير.

* هل لا يزال خطاب "تانغو الشيطان" السياسي قائماً؟

- أعتقد ان خطابه كوني، بعيداً من أي تناول يومي للاسفاف السياسي. هل تعلم ان الاسفاف السياسي موقت؟ لا يزال هناك مَن يصدّق هذا الاسفاف، طامحاً إلى ظروف أفضل. لا أصغي إلى أي من هذا الاسفاف السياسي. فهو يأتي ويمضي. يأتي بلا سبب وجيه ويمضي بلا سبب وجيه. علتنا في مكانٍ آخر: نوعية الحياة التي نعيشها، الكرامة البشرية، كرامة أي حياة تظهر على وجه الأرض… هذا ما يهمّني، وهذا ما أهتم به طوال الوقت. كلّ شيء عدا ذلك، يتلاشى!

* الأجواء السياسية لم تلهمك في أي فيلم من أفلامك.

- لا. أجدني مهموماً بالمعاناة الاجتماعية. كيف يصمد الناس في وجه الصعوبات ويتفاعلون معها؟ عادةً، أفكّر في انه لا لزوم لقول أي حكاية. فكلّ الحكايات رُويت في العهد القديم. كلّها. لا توجد قصص جديدة. ثم، أعود وأفكّر ان السؤال هو كيف نعيد رواية هذه القصص، قصصنا القديمة؟ كيف يساعدنا هذا كله في بناء علاقة بيننا؟ وكيف نتفاعل بعضنا مع بعض عبرها؟ كيف يخاطب أحدنا الآخر؟ هذا ما يجذبني إلى السينما.

* هل تعتقد انه من الممكن إنجاز فيلم كـ"تانغو الشيطان"في أيامنا هذه؟

- لا أعرف. لا تسلني، فأنا أنجزته قبل ٢٥ سنة (ضحك).

* سابقاً، قيل عنك "هذا شبيه تاركوفسكي"…

- (مقاطعاً). لا، لا…

* عفواً، لحظة. هذا ما قيل، ليس أنا مَن قال… ثم الآن، يُقال في الحديث عن فلان "هذا شبيه بيلا تار"…

- تاركوفسكي وأنا لسنا سيّان. اليك دليل: المطر عند تاركوفسكي وظيفته تطهيرية. المطر عندي وحل، يمنعك من السير، يجعلك متّسخاً. كلّ شخص يختلف عن الآخر وإن تشابها. الخلفية الثقافية، السياق التاريخي الذي عاشه، الدين… لمَ علينا ايجاد تشابه بين الجميع؟ لا، لا أوافق.

* لا تستطيع أن تنكر ان الكثيرين تأثّروا بك.

- ماذا أستطيع ان أفعل حيال ذلك؟ لا شيء. من الضروري ان يفهم السينمائيون ان هذا العالم واسع جداً. وهناك أساليب مختلفة لإنجاز فيلم. لا يوجد اسلوب واحد. يجب ان تعلم انني أسستُ مدرسة سينمائية في ساراييفو. كانت أربع سنوات من حياتي… عشتُ فيها تجربة بديعة. كان لي عشرون شخصاً من أنحاء العالم. اليابان، كوريا، سنغافورة، الهند، كولومبيا، البرازيل، المكسيك، اسبانيا، بولونيا، البرتغال. كلّ الأمم كانت حاضرة عبر هؤلاء. علّمتهم أن قوتنا في اختلافنا بعضنا عن بعضنا الآخر. لم أرغب في تربيتهم. الشعار الذي رفعته: لا للتربية، نعم للتحرر. وددتُ مدّهم بالسلام والحرية، وساعدتهم للعثور على ذواتهم. في ساراييفو، كانت الفكرة ان أستند إلى تجربة مدرسة باوهاوس الألمانية: توفير مكان لمخرجين مكرّسين ليلتقوا المبتدئين ويعملوا معاً انطلاقاً من مبدأ المساواة، من دون علاقة استاذ بطالب. للأسف، نقص التمويل منعنا من الاستمرار. أكاديمية ساراييفو للفيلم أقفلت. لكن المدينة نفسها توفّر الكثير من الفرص. لعلها المكان الأفضل في أوروبا لتصوير الحياة(…). أتعلم لماذا أكره معاهد السينما؟ لأن الاستاذ يقف أمام الطلاب ويقول لهم ما الصح وما الخطأ. في القرن الحادي والعشرين، اذا أردتَ أن تنجز فيلماً، أقل شيء ألا تلتزم القواعد. لا توجد طريقة صحّ. يوجد أنتَ ولا شيء سواك! ثقْ بعينيك، اصغِ إلى قلبك. عليكَ ان تكون نزيهاً. يجب ألا تتوقّع شيئاً في المقابل. (…) في السبعينات، كنت شاباً، تسكنه روح أيار ٦٨. أنا وغيري، كنّا شباباً غاضبن، نطمح إلى تغيير المجتمع. لم أود طرق الباب بل خلعه. أردتُ فيلماً بشعاً، قاسياً، قذراً، يجسّد الناس والحياةبالشكل الذي نراهما في الواقع. لكن المجتمع كان يرفض التغيير. يصر على الوقوف في مكانه. إلى اليوم، لا أزال شديد الغضب؛ لا يسعني تقبّل العالم الذي نعيش فيه. الا انني، صرتُ أكثر تسامحاً مع الناس. أحاول ان أتفهّم لماذا يتصرفون على النحو الذي يتصرّفون فيه.

* هل من الممكن ان نراك تصوّر فيلماً بالهاتف المحمول مثلاً؟

- اذا وددتُ ذلك، لا أرى ما يمنعني منه. ولكن، في الوقت الحالي، لا أريد إنجاز أي فيلم.

* يصعب عليّ تخيلكَ وأنتَ تلجأ إلى هاتف.

- اذا كان لديك جهاز كافٍ لتشكيل صورة سينمائية جيدة، لمَ لا؟ ثم تسلط الصورة على شاشة كبيرة. لا أقول انه يجب مشاهدته على الهاتف. لهذا، أكره عندما يشتكي السينمائيون الشباب من عدم امتلاكهم الامكانات الكافية لإنجاز أفلام. أقول لهم: فاك! قم، اذهب وصوّر!

* في حال قررتَ إنجاز فيلم جديد، هل سيكون بالأسود والأبيض؟

- أميل إلى الأسود والأبيض بسبب تدرّجات اللون الرمادي الغنية جداً. أتعلم، شاهدتُ فيلم "روما" لألفونسو كوارون، وأعتقد ان ما فعله بالأسود والأبيض مختلف عمّا فعلته. كنت حراً في التصرف، فقلتُ: أوكي، سأترك جزءاً من الصورة في السواد الكامل، لأن عينيك ستتّجهان أوتوماتيكياً إلى النقطة المضيئة. في الأسود والأبيض، هناك مجال أوسع للعب. خصوصاً، في ما يمكن ان تخفيه وما يمكن ان تبرزه. بعد التدقيق، أفلامي أكثر "تلويناً" من أفلام بالألوان تشبه البلاستيك.

* الأسود والأبيض يساعدك أيضاً للابتعاد من الواقعية، كونه ينتمي أكثر إلى عالم متخيل غير موجود في الواقع، عالم الفنّ والصورة الفوتوغرافية…

- … وتستطيع العكس أيضاً، في الحين نفسه، أي أن تزداد واقعيةً.

* نرى الكثير من الحانات في أفلامك.

- الحانات تكشف نوعية الحياة التي يعيشها روّادها. الغبطة الناتجة من الاستمتاع بالحياة أساسية لي لأصوّر البشر.

* احدى ركائز عملك السينمائي هي اللقاء بين الزمان والمكان. وهذا بات نادراً جداً اليوم حيث التركيز على الحركة…

- كلّ حياتنا تتطوّر في زمان ومكان. اذا تجاهلتَ هذا الأمر في السينما، فلستَ سوى أحمق ولا ترى الحياة. ما هي السينما؟ أنت كمخرج تعيش حياتك، تراقب في أيّ نحو تجري الأمور، ثم تقدّم خلاصتك عنها وتتشاركها مع الآخرين. هذا كلّ شيء! اذا عشتَ حياتك، فحتماً ستشعر بالزمان والمكان. واذا شعرتَ بأهميتهما، فعلى المُشاهد كذلك ان يشعر بأهميتهما. خصوصاً اذا كنتَ بدأتَ تطعن في السن عاماً بعد عام.

* كلّ شيء يجري بسرعة شديدة هذه الأيام، أتوافق؟

- لا. لا أوافق ان كلّ شيء يجري بسرعة. أحياناً، أشعر بأن الحياة بطيئة جداً، إلى درجة أننا لا نزال في مكاننا. ما عدتُ أشعر بالحاجة إلى فتح جريدة لأقرأ ماذا فعل ترامب وماذا قال اردوغان وماذا أعلن بوتين. لا يهمّني. لأننا، رغم كلّ شيء، سنبقى في مكاننا. يهمّني ان أفتح جريدة لأقرأ عن حياة الناس. عن هؤلاء، لا نقرأ شيئاً. لا تُنقل الا أخبار الحمقى. أعي جيداً ان السلطات كافة في أيديهم وانهم قادرون على تدمير حياتنا، لذا لا ألوم الا البشر. نحن الذين جئنا بهم إلى مراكز السلطة. أوكي، ليس أنا شخصياً، إنما غيري من الناس.

* تجمعك بكشيشتوف كيشلوفسكي البدايات: كلاكما انطلق بالفيلم الوثائقي ذي الطابع السياسي، ثم انتقل إلى سينما تضع الكرامة الإنسانية في الصدارة. لمَ انتقلتَ من سينما إلى اخرى؟

- عندما تنجز فيلماً، أو بعد أن تنجزه، تتكون لديك أسئلة جديدة. لا يمكنك استخدام أجوبة قديمة للرد على هذه الأسئلة الجديدة. هذا يعني انه عليك ان تذهب إلى نقطة أبعد. عليك ان تحفر في العمق. ان تفكّر وتتأمل الوجود. فيلماً بعد فيلم، تصبح أكثر نقاءً وبساطةً وشفافيةً وعذوبةً، وفي النهاية تصل إلى مكان ما. بصراحة، كنت أعرف كشيشتوف، كان لدينا مشروع معاً. أعتقد انه كان ملتزماً سياسياً أكثر مني.

* أبناء جيلك كانوا يقولون ان كلّ شيء سياسة…

- كلّ شيء مصالح، لا سياسة. لا يتوق الناس إلا لشيء واحد: كيف يعيشون حياةً أفضل؟ السياسة واجهة. انها جزء من العراك الكبير. أنت كإنسان لا علاقة لك بهذا: تفكّر بالصمود، بالسعادة، بتحسين أوضاعك المعيشية، بتجميع المال. للأسف، في المجتمعات الغربية باتت السعادة تُقاس بكمية المال التي تملكها.

* أي مرحلة من عملية إنجاز الفيلم هي الأحبّ اليك؟ التأليف، التصوير، المونتاج…؟

- بدايةً، يجب ان أعترف بأنني لا أكتب البتة. الأفلام تتكون من صور، إيقاع، صوت. لم أضع سيناريواً واحداً في حياتي. معاناتي الكبرى هي كلّ ما يسبق التصوير: العثور على أماكن التصوير والممثّلين. عندما أعثر على هذين الأمرين أحس بالأمان. لا يبقى الا ان أذهب وأصوّر. بالطبع، أحياناً تواجهك صعوبات ضخمة في التصوير.

* الأماكن جزء أساسي في أفلامك…

- للأماكن وجوه. هي شخصيات في ذاتها.

* ولكن، كيف تحصل على تمويل عندما لا يكون في حوزتك أي سيناريو؟

- اذا تكلمتَ بمنطق الصناعة السينمائية، فالأمر صعب في هذه الحالة. أما اذا كنتَ شخصاً شجاعاً، ولا تكترث لأي شيء، فستتدبر أمرك. أنجزنا "تانغو الشيطان" قبل ٢٥ سنة، لك ان تتخيل كيف صدم الناس وقتها! منذ ذلك الحين، لم يتوقّف الفيلم عن لفّ العالم. خلاصة الكلام: يجب ان تكون شجاعاً. عليك ان تتجاهل الهباء الذي حولنا. وفقط في هذه الحالة، شيء ما قد يحدث.

* الشجاعة غير كافية، عليك ان تكون بيلا تار!

- عندما بدأتُ، لم أكن قد أصبحتُ بيلا تار. لم أكن في الموقع الذي أنا فيه اليوم. عشتُ حالة عدم اكتراث. كنت في التاسعة والثلاثين عندما عُرض الفيلم هنا. لم أكن آبه لشيء. قلتُ: هذا ما أريد ان أفعله. وفعلتُ.

* هل تنجز المونتاج بنفسك؟

- لا، أقوم به خلال التصوير. نصوّر لقطات طويلة. وعندما ينتهي التصوير، ينتهي الفيلم. كلّ شيء يصبح جاهزاً. الانتقال من كادر واسع إلى لقطة مقرّبة هو في ذاته مونتاج. الفرق ان "التقطيع"يحدث في الكادر نفسه خلال التصوير وليس على طاولة المونتاج. اللقطات الطويلة جاءت عندي مع الوقت. لم أستخدمها قط في بداياتي. مع الوقت، فيلماً بعد فيلم، تمرّستُ بها، فأصبحت بمنزلة توقيعي. اللقطات الطويلة بالنسبة لي تجسّد التوتر. أحثّ المُشاهد على التحديق في ما يحدث داخل المَشهد، لا ان ينظر اليه بشكل عابر. مشكلة الكثير من الأفلام انها مقطّعة مثل القصص المتسلسلة على قاعدة "أكشن/قطع، أكشن/قطع".

* سمعتُ انك تحبّ لوحات برويغل. ما هو تأثيره في أفلامك؟

- أحبّ فنّه. استلهمتُ منه. عندما كنت أصوّر "تانغو الشيطان" لم أشاهد لوحاته، ولكن رافق إحساسي. "رقصة الفلاحين" مثلاً. والآن، وأنا أعمل في فيينا، هناك بالقرب من المكان الذي أعمل فيه، في المتحف، تُعرض لوحة "رقصة الفلاحين". ما أفعله هو أنني أقفز إلى الجهة المقابلة من الشارع، كلما أردتُ ان أغسل عينيّ وأنظّفهما.

* كيف تعمل مع الممثّلين غير المحترفين؟

- أعمل بالنحو الذي أعمل به مع الممثّلين المحترفين. لا يهمّني كيف يمثّلون. لا أكترث. أريد من الجميع ان يكونوا. تهمّني فيهم شخصيتهم. أسعى إلى اصطياد شخصياتهم. أصطاد ردود فعل إنسانية حقيقية. في أفلامي، لا يوجد استخدام للناس. أوجّه دعوة إليهم للمشاركة. هذا ما أفعله.

* هل أثارت رواية اهتمامك في السنوات الأخيرة حدّ رغبتَ في أفلمتها؟

- بعد "حصان تورينو"، لم أجد ما أقوله. ماذا عساي ان أقول بعده؟ أقمتُ معرضاً في أمستردام، وصوّرتُ بعض الأشياء لغرض هذا المعرض. والآن، أعمل في فيينا، على مشروع كبير وهو مزيج من المسرح والتجهيز والصورة المتحركة والموسيقى. يسمّونه "شو". سيكون هذا الـ"شو" في شهر حزيران المقبل (حزيران ٢٠١٩). لم أعد أنجز الأفلام، ولكن لديّ ما أفصح عنه للعالم. كان عليّ إيجاد طريقة جديدة لقوله. لم أتخيّل يوماً أنني قادر على إنجاز معارض. اليوم، أستمتع بها.

* هل تتابع الحركة السينمائية المعاصرة؟

- أحياناً. عليّ ان أعترف بأنني غالباً أشاهد أفلام أصدقائي. عندما يخرج أبيشاتبونغ (فيراسيتاخول) فيلماً جديداً أذهب لمشاهدته. أو بدرو كوستا. أو كارلوس ريغاداس الذي أجده واحداً من أكثر السينمائيين شجاعةً في الوقت الراهن، لأن ما فعله في فيلمه الأخير صدمني، بكلّ صراحة. لكنني لا أقفز من سينما إلى أخرى طوال الوقت لمشاهدة الاسفاف المنتشر. هناك أفلام تشاهدها، ثم بعد ثلاثة أشهر تنساها بالكامل.

* كيف ترى المشهد السينمائي المجري في الوقت الراهن؟ ناس أمثال لازلو نمش مثلاً.

- لازلو كان مساعدي. البقية، هناك أشياء جيدة وأشياء أقل جودةً. لن أحكم على أفلام لزملاء لي. كما سبق وقلتُ، كلّ شخص مختلف عن الآخر. هؤلاء لديهم اسلوبهم، ومواقفهم الإنسانية، فعليّ احترامهم.

* ما الذي يشغلك حالياً؟ التعليم؟

- أعدّ ورشاً تدريبية بين حين وآخر. نظرياً، أنا استاذ في أكاديمية الفنون التابعة للدولة الفرنسية، "لو فرينوا"، أكون موجوداً فيها خلال فترات معينة لأعلّم بعض الطلاب. أقوم بذلك، رغم انها ليست مدرستي أو فكرتي.

* أعلم انك تحب هذا الفندق، وتختار الاقامة فيه. هل الحنين هو الذي يعيدك إلى هنا في كلّ مرة؟

- لستُ إنساناً نوستالجياً، أنا شخص كسول فحسب. يريحني هذا المكان. هذا فندق جيد جداً. سبق ان عشتُ في برلين. أمضيتُ فيها الكثير من الوقت. بالنسبة لي برلين الغربية هي برلين. في شارلوتنبورغ أشعر نفسي في وطني. كنت هنا في برلين عندما انهار النظام الشيوعي. ليلة سقوط الجدار عشتها في الشوارع. لم نتوقّع قط انه سيسقط بهذه السهولة. مَن عاش فيه ما كان ليصدّق ان التغيير ممكن. ولكن علينا ان نفهم شيئاً وهو انه سقط من تلقاء نفسه. لم تحدث ثورة. لا يد للناس في سقوطه. سقط لانه تعفّن من الداخل واهترأ. لهذا أؤمن بأن لا شيء تغيّر منذ ذلك الوقت. هذا شعوري. مظاهر الحياة تحسّنت. أما في العمق، فنحن لا نزال "هناك". الأفلام التي أنجزتها في الماضي أستطيع تكرارها اليوم. الخطاب عينه لا يزال قائماً. لا بل بعض الأفلام التي كانت تُعتبَر خيالية عندما صوّرتها، باتت واقعية اليوم. وهذا يحزنني.

* اذاً لستَ حتى نوستالجياً للحقبة الشيوعية.

- لماذا تقول هذا؟ لقد سرقوا ٤٠ سنة من حياتي! لمَ عليّ ان أحن إلى تلك الحقبة. أولاً، علينا ان نكون واضحين: لم تكن شيوعية، بل نظام فيودالي قذر. كانوا يستخدمون الشيوعية فحسب. كان مجتمعاً قروسطياً.

* ما نعيشه حالياً ليس أفضل.

- (يصرخ). لا تقل لي هذا، أعرف جيداً اننا لسنا في حال أفضل.

* متى ستعود إلى السينما؟ نحن في انتظارك.

(بعد صمت). ستنتظر كثيراً. ربما إلى آخر حياتك. وبالتأكيد إلى آخر حياتي. كما قلتُ، الآن مشغول بأشياء أخرى: مسرح، معارض. ضقتُ من فورما الفيلم الروائي الطويل. ثم إنني قلتُ كلّ شيء. ماذا أستطيع ان أقول بعد "حصان تورينو"؟، تكلمتُ عن الموت. ليس عندي ما أضيفه.

* اكتفيتَ بتسعة أفلام؟

- هذا يكفي. ثم اعتبر "تانغو الشيطان" خمسة أفلام.

* مع المشاهدة على الانترنت، عاد الحديث عن موت السينما…

الابداع متأصل في الطبيعة البشرية. انه جزء منّا. اذا كنتَ نجّاراً فعليك ان تصنع طاولة. واذا لديك حسّ سينمائي، فعليك ان تصنع فيلماً. كلّ إنسان لديه موهبة لشيء ما. ولكن عليك ان تجد نفسك، وطريقك، كي تشعر بالسعادة. اذا لم تفعل ما تشعر به، فلن تكون سعيداً. المشكلة عندما تشعر انك قادر على صناعة فنّ، ولكن لا تستطيع فعل ما تريده، بسبب القوانين والامكانات وكلّ هذا الهباء.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard