عن "كورونا"... أنظمة وسياسات وعولمة بلا جدوى

25 آذار 2020 | 17:10

جرس إنذار هزّ العالم (أ ف ب).

نعيش في عالم لا تنقصه الاختبارات ولا التنظير. تتوالى فيه الحروب والنزاعات، أزمات التهجير والنزوح، النكبات الاقتصاديّة والكوارث البيئيّة من حرائق وانبعاثات سامّة تباعًا. في موازاة كل ذلك، يغيب الحُضور الجدّي والحقيقي لأصوات مؤازرة لبديهيّات الصحّة العامّة والحماية البيئية ومواجهة التغير المناخي وتعزيز العدالة الاجتماعيّة في كبرى أروقة صنع القرار وفي آليّات اتخاذه. وقد يبدو الكوكب اليوم لمن يعيشون فيه في "حال غير مسبوق على أكثر من مستوى" مع حلول فيروس كورونا ضيفًا ثقيلًا أربك الجميع وسلّط الضوء على فجوات الأنظمة العالميّة المختلفة. وهذا المقال الذي يتناول بعض الجوانب التي بدأت تطبع المرحلة على الصعيدين العالمي والمحلّي سيتطرّق لأسئلة ما بعد العاصفة كفعاليّة النظام العالمي الموسوم بالعولمة، العلاقات بين الدول المتحدة وجهوزية المنظومات الرسميّة عالميًا ومحليًا لمواجهة مفاجآت كهذه.   

هذا العالم الذي أنفق مئات المليارات وربما أكثر على التسلح وأنظمة الدفاع النووية وعلى رؤى اقتصاديّة وعمرانيّة لا طائل منها، وكرّس ميزانياته لبناء جدران الفصل العنصري ومساندة الحملات الانتخابيّة الدعائيّة الشرسة، يعاني اليوم من نقص حاد في الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس وورق المرحاض.

طبعًا، كيف للعالم أن يتوقّع حلول الفيروس الذي باغت الجميع فجأةً وإنتاج ما يكفي من أدوات وأساسيّات وسياسات لمواجهة هذا الوباء؟ أولويّات العالم كما آل إليه العام ٢٠١٩ تنحصر في إدارة الحُروب وتصارع المنافسين على الحُكم ومحاولة الاستجابة للأزمات الاقتصاديّة العاصفة وقمع التظاهرات الشعبيّة أو احتواءها في أكثر السيناريوهات إيجابيّة وفي تداول وتعميم "أجندة الأهداف المُستدامة" التي من شأنها أن تَرتقي بشؤون سكّان الأرض. تطول قائمة الأهداف التي ذهب إليها اهتمام العالم مبتعدًا عن وجوب وضع خطة إنقاذ للشعوب (المَقصود هنا الشعوب جميعها) في حال وقع الأسوأ على افتراض أن الأسوأ لم يكن يومًا في الحسبان. ما بَدأ في كانون الأول من العام ٢٠١٩على أنّه أزمة صحيّة وبائيّة تخصّ مقاطعة ووهان في الصين استدعى في أفضل الأحوال موجات من السخرية والعنصريّة وموجات مضادّة للسخرية والعنصريّة حَول العالم. كان المشهد يوحي للمتفرّج أن من هم خارج ووهان أو الصين على أحوط تقدير محصّنون ضدّ الوباء في عالم منفتح بعضه على بعض تجاريًا وثقافيًا وسياسيًا وإنسانيًا. لكنّنا استفقنا في آذار ٢٠٢٠ على مشهد آخر، فالوباء الذي يُقدّر أنّه بدأ في أحد أسواق الأسماك في المقاطعة الصينية وصل إلى صوفي ترودو (زوجة رئيس وزراء كندا) في عالمٍ كان يصف نفسه حتى البارحة على أنّه قرية صغيرة.

(مارك فياض).


صِلات في مهبّ الريح: عالمٌ جديد؟

الحقيقة أنّ النظام العالمي المتّسم بالانفتاح والتواصل والمتغنّي بالتبادل الفكريّ والتجاريّ والحضاريّ والذي أمسى "قرية صغيرة"، أصبح اليوم، تحديدًا، جزرًا متقاربة متباعدة متسلّحة بحدودها وفردانيّتها. إذ أنّ الدول الأوروبيّة التي عاتبت بريطانيا على خطوتها الانفصاليّة، أغلقت حدودها في وجه بعضها البعض. فكم بريكسيت أنتج كورونا؟ وليس المقصود هنا مقارنة الخطوة البريطانيّة السابقة بكثافة حيثياتها بما فرضه الحجر الصحّي الكَوني اليوم ولكن إبراز مفهوم "الضرورة" التي تفرضها المصالح العليا للدول على مجمل انتماءاتها ومواقعها ضمن مجموعات واتّحادات وأحلاف ممّا يحررها في أي لحظة من أي ارتباط. من شأن كورونا أن يغذّي خطابات الانفصال العالميّة وأن يعزّز الموجة الشعبويّة المنادية بتحرير الدول من الاتحادات الجمعيّة وليس باليد مواجهة ذلك بأمثلة مقنعة لأن المشهد الحالي لا يوحي بأن هذه الشعوب تواجه مصائر مشتركة وإن كانت تواجه مآسٍ واحدة، وعلى ما يبدو أنّ هذا هو الواقع الذي على العالم التعامل معه من الآن فصاعدًا. فإيطاليا اليوم منعزلة ومعزولة تمامًا خوفًا منها وعليها ولكن لربما لو أتيح للإجراءات الوقائيّة وتلك التفاعليّة أن تكون موحّدة مدفوعة بقدرات الجميع، أقلّه في الدول الأوروبيّة نفسها، لكنّنا نشهد اليوم حقيقة مغايرة فيها تضامن أكبر واحتواء أكثر فعاليّة هناك. على كل حال، يُسجّل لبريطانيا (التي بدأت بإدارة الأزمة الوبائيّة هذه بمقدار غير مسبوق من العبثيّة) أنّها استندت لشرعيّة الاستفتاء الشعبي قبل الخروج من أوروبا بينما خرج الأوروبيّون من بعضهم البعض (ولو مؤقتًا) مُستندين على شرعيّة حماية شعوبهم (بقبولهم التلقائي) من الأسوأ. والسؤال هُنا عن جدوى هكذا منظومة في أوقات كهذه إذا ما وضعنا العملة والاتفاقيّات الاقتصاديّة والثقافيّة جانبًا. حتى اليوم، أرسلت روسيا ثماني طائرات إلى إيطاليا وسبقتها الصين بإرسال طواقم وشحنات طبيّة. هي ليست رسائل إنسانيّة حصرًا ولا هبات، إنّما هي معالم ميزان القوى الجديد الذي لا مفرّ من استشرافه في ظلّ انكفاء دول كبرى عن المساعدة، مُساعدة نفسها بالدرجة الأولى.

(مارك فياض).

هل هو بدءٌ لأفول الرأسماليّة؟

ليس بالإمكان الآن إحصاء أثر الفيروس على الاقتصاد العالمي، ولو أنّنا نعرف بديهيًّا أنّ الوضع أقرب إلى كارثيّ. فالمؤكد أن سلاسل التزويد العالميّة والانتقال السلس للسلع والبضائع والخدمات بالإضافة إلى الروابط التجاريّة بين الدول كافّة في حالة من الاضطراب ممّا يُعرّض السمة الأبرز للعَولمة إلى خضّة حقيقيّة قد لا تكون آنيّة. من المُبكر جدًا، وربّما من التبسيط، الحديث عن نهاية للعَولمة أو الرأسماليّة واللّيبرالية الاقتصاديّة وإن صار من اللّازم البحث في جدوى المنظومات السياسيّة والاقتصاديّة المُعاصرة. إذ يتطرّق المفكّر السلوفيني الماركسي سلافوي جيجيك في قراءته لانتشار الفيروس بأنّه استحقاق للّحظة التحرّرية من النظام الرأسمالي الذي خذل الشعوب من أقصى الأرض إلى أقصاها في لحظات دقيقة كتلك التي نعيشها اليوم. ولكن بالطبع، يبقى ما ستؤول إليه الأمور مجهولًا لا سيّما في ظلّ تداول منظمة الصحّة العالميّة لطرح يفيد بأنّ الأسوأ لم يحلّ بعد.

الواقع اللّبناني بين انعدام الثقة وهشاشة الاستعداد

أمّا في لبنان، فقد سبقت الأزمة الاقتصاديّة المستفحلة هذا الفيروس، وأزمة الثقة العميقة بين الشعب والنظام الممسّك بالسلطة بعد الحرب الأهليّة سبقت الاثنين معًا. بالتالي، فإنّه ليس من المُمكن قياس ردّة الفعل الشعبيّة على تعاطي الحكومة الحاليّة مع وصول وانتشار الفيروس من خلال اجراءاتها المتّخذة بمَعزل عن السقوط التامّ لكلّ مكوّنات الثقة بين الشعب والنظام والذي بلغ ذروته في ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩. فلبنان كان قد دخل أزمة محققة، لا سيّما أن وصول فيروس كورونا كان قد سبقه انهيار لسعر صرف الليّرة مُقابل الدولار بالإضافة إلى ارتفاع غير مسبوق للأسعار ولمستوى البطالة وشحّ إلى انقطاع في المواد الطبّية الأساسيّة في ظلّ غياب تامّ لنظام رعاية اجتماعيّة بإمكانه حماية الفئات الأكثر هشاشة والتي باتت اليوم مهدّدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين يصف البعض ما تقوم به الحكومة اللّبنانية لمواجهة الفيروس بأنّه إلى حدّ ما أفضل ما يمكن ضمن الإمكانيّات المُتاحة، لا سيّما بالقياس مع المشهد العالمي المتهاوي في بلاد أكثر تماسكًا اقتصاديًا، يحمّلها البعض الآخر مسؤوليّة انعدام الجاهزيّة الطبّية لمواجهة الواقع والقادم وانعدام القدرة على حماية الفئات الأكثر تضرّرًا. يأتي الواقع الطبّي مع غياب الفرص بالحصول على مُساعدات وتغطيات ماليّة وعينيّة بإمكانها إعالة العائلات التي باتت اليوم بفعل الأزمة أو الاقفال بلا دخل ولا مُعيل.  

انطلقت في لبنان قبيل مرحلة الكورونا انتفاضة شعبيّة قد لا تساعد تدابير الحجر الصحّي اليوم في تبلور تحرّكاتها وتجمّعاتها، لا بل قد يساعد الهلع المُسيطر على الجموع في جعلها همًا ثانويًا بالرغم من أنّها قامت ضدّ ممارسات ووقائع ليست بثانويّة على الإطلاق. في زمن الأوبئة لا يصبح العمل الثوري لأجل التغيير هامشيًا ولا منسيًا لكنّه يتّخذ أسلوبًا جديدًا في المواجهة وإبراز الحقائق التي أفضت بشكلٍ أو بآخر للتقاعس المُتراكم، منذ انتهاء الحرب الأهليّة، في رسم سياسات وجاهزيّة صحّية عليلة. انعدام الثقة لا ينحصر بضعف الجاهزيّة الطبّية بل بالتوجّس ممّا قد يصدر عن نهج سبق وتفرّج على الانهيار المالي وتفلّت سوق الصيارفة واستباحة الأموال العامّة والخاصّة وعلى المحسوبيّة والانتهاكات الاقتصاديّة دون أن يحرّك ساكنًا. والمُفارقة أن المصارف المتهالكة التي تسيطر دون حسيب أو رقيب على ودائع وأجور الناس باتت اليوم تراسل المواطنين راجية منهم توخي الحذر والسلامة في مشهد سورّيالي مُلفت يعيدنا إلى النظر في الوباء الأوّل، الوباء الحقيقي، الوباء الذي يستدعي إعادة النظر في كل النظم والمسلمات وأنا هنا لا أتحدّث عن الكورونا.

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم (فيديو)

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard