المافيات الإيطاليّة تبرّعت بـ7 مليارات دولار؟ ماذا عن أرماني؟ و"الحلول في يد الله"؟ FactCheck#

25 آذار 2020 | 18:38

المصدر: "النهار"

من اليمين: العمل الفني لوينكلمن (فيسبوك)، أرماني، ولقطة شاشة من الفيديو المتناقل (تويتر).

انشغلت حسابات عربية، في الساعات الماضية، بخبر عن تبرع ضخم بقيمة "مليار و250 مليون أورو قدمه المصمم الايطالي جيورجيو ارماني"، وفقا للمزاعم، للمساعدة في احتواء فيروس كورونا في ايطاليا، مع قول منسوب له. وهناك أيضا لوحة فنية مؤثرة "لفنان ايطالي تجسد خروج الامور عن السيطرة في ايطاليا، وان الحلول في يد الله"، على ما كُتِب. كذلك، استحوذت "7 مليارات تبرعت بها المافيات الايطالية للحكومة الايطالية" وفقا للمتداول، على الاهتمام، في وقت انتشر قطع فيديو بمزاعم ان "جميع السكان قرّروا التجمع في الساحة‏ لوداع العالم بعد تفشي المرض في إيطاليا". FactCheck#    

النتيجة: التبرع الذي نُسب لأرماني خيالي، بحيث فاق بكثير قيمة تبرعه الحقيقي، والقول المنسوب له اختراع. العمل الفني المتناقل، انجزه فنان اميركي، وليس ايطاليا. والشرح الذي أرفق به "اجتهاد شخصي". اما "المليارات الـ7 التي تبرعت بها المافيات الايطالية للحكومة الايطالية"، فلم نجد لها اثرا. وبالنسبة الى مقطع الفيديو المتناقل، فلا علاقة له اطلاقا بتفشي وباء فيروس كورونا، اذ يعود الى تشرين الثاني 2019، وقصّته مختلفة.  

"النهار" دققت من أجلكم 


التدقيق: 

في هذه المقالة، دقّقنا في عدد من المنشورات التي تكثف تناقلها في الساعات الماضية في حسابات عربية، اضافة الى مقطع فيديو: 

1- صورة للمصمم الايطالي المصمم جيورجيو أرماني Giorgio Armani

وقد أرفقت بمزاعم انه "تبرع للحكومة الإيطالية بمليار و250 مليون أورو" للمساعدة في مكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد في ايطاليا، وانه قال (من دون تدخل) "لن أقبل أن تسقط إيطاليا على ركبتيها ولو كلفني هذا الأمر كلّ ثروتي" (هنا، هنا، هنا). 


غير ان هذه المزاعم خاطئة. فقد اعلنت مجموعة أرماني "التبرع بمليون و250 الف أورو (وليس مليار و250 مليون أورو) لمستشفيي لويجي ساكو Luigi Sacco وسان رفايلي San Raffaele والمعهد الوطني للسرطان Istituto dei Tumori في ميلانو ومعهد سبالّنزاني للامراض المعدية في روما، ولدعم نشاط الحماية المدنية Protezione Civile في حالات الطوارئ الناجمة عن فيروس كورونا"، وفقا لما ارود موقع Corrier Della Serra (هنا، 9 آذار 2020)، و(ايضا هنا، هنا، هنا، هنا، وهنا). 

هل قال أرماني "لن أقبل أن تسقط إيطاليا على ركبتيها ولو كلفني هذا الأمر كلّ ثروتي"، كما يتم زعمه؟ 

المقولة المزعومة يتم تناقلها، من دون ذكر اي مرجع او مصدر لها. بحثا عنها بواسطة غوغل، باستخدام كلمات مفاتيح بالايطالية والانكليزية، لم يمكن ايجاد اي شيء بهذا الشأن. 

ما امكن ايجاده هو كلام نقله موقع "كورييري ديلا سيرا" عن ارماني وعن علاقته بميلانو، المدينة الايطالية الموبوءة (هنا، 9 آذار 2020). ومما قال: "اخترت ميلانو، ليس كمكان للعيش فحسب، انما ايضا كوسيلة للحياة. لطاقتها وقوتها ورغبتها في البدء مجددا عند كل صباح... اخترت ميلانو لبناء الحياة والعمل، مكانا لاعيش فيه ولأجعل عالم أرماني يعيش فيه. لا أزال أختار ميلانو، لأنه حتى عندما تهتز، لا تدع شيئا يهزمها. لانها تفكر في الغد من خلال عيش اليوم من دون توقف. لأنها لا تعرف كلمة استسلام...". 

Embed from Getty Images

كذلك، كتب عن شغفه بميلانو وتعلقه بها، في مقالة نشرتها مجلة "فانيتي فير"، النسخة الايطالية، بعنوان: «Anche fermarsi è segno di forza» (اي التوقف هو أيضًا علامة قوة- هنا، 11 آذار 2020، وهنا ايضا). وبالتدقيق فيها، لا شيء اطلاقا انه ردّد شيئا مما يُنسب اليه في وسائل التواصل الاجتماعي.

والنتيجة هي ذاتها في اخبار حديثة لاحقة عنه: في 19 آذار  2020، نقل عنه موقع فوربس "قلقه من حال الطوارئ الصحية التي اعلنت في بلادنا وفي جميع أنحاء العالم". وقال: "من السابق لأوانه تقييم الأثر الاقتصادي (لهذا الوضع) على المدى الطويل، والذي سيكون بالتأكيد كبيرًا. لكن التاريخ يعلمنا أن الفرص الجديدة تولد من أعمق لحظات الأزمة". وفي 21 آذار، نشر أرماني رسالة تضامن وتقدير مدفوعة في أكثر من 60 صحيفة في ايطاليا، وجهها الى جميع مقدمي الرعاية الصحية العاملين في مواجهة تفشي فيروس كورونا. "أنا شخصيا قريب منكم"، على قوله. 

2- "لوحة فنية" 

وفي المزاعم التي ارفقت بها (لقطة الشاشة الى اليسار)، أنها تحمل توقيع "رسام ايطالي" (هنا، هنا، هنا...)، و"تجسد خروج الامور عن السيطره في ايطاليا، وان الحلول في يد الله" (مثل هنا، هنا، هنا...). غير ان البحث يبيّن ان صاحب هذا العمل الفني ليس ايطاليا، كما يتم زعمه، بل يُعرف بـ"بيبل" Beeple (لقطة الشاشة ادناه الى اليمين)، الاسم الفني للفنان الاميركي مايك وينكلمن Mike Winkelmann (وهنا). وهو مصمم غرافيك من تشارلستون، ساوث كارولينا في الولايات المتحدة الأميركية. ومعروف بانجازه أعمالا فنية رقمية (هنا، هنا)، وفقا لما يعرّف بنفسه في حسابه في موقع Behance.  

الى اليمين: لقطة شاشة للصورة من صفحة وينكلمن في الفيسبوك، والمنشور المتناقل.

بالنسبة الى عمله الفني المتناقل، فقد نشره في حساباته في تويتر (هنا) وفيسبوك (هنا) وانستغرام (هنا) في 17 آذار 2020، بالتزامن مع مواصلة فيروس كورونا المستجد زحفه في ارجاء العالم. وقد عنونه بالانكليزية: DON'T TOUCH اي لا تلمس. العمل الفني يستلهمه وينكلمن من المواجهة مع فيروس كورونا المستجد. وهو يمثل يدا غزتها فطريات صغيرة وكبيرة حمراء. وقد سُيِّجت، بينما وقف خارج السياج اشخاص ارتدوا البسة بيضا واقية.

من خلال العنوان الذي يختاره وينكلمن، اي "لا تلمس"، يُفهَم انه يريد ايضا ان يصدم الناس، بتلك اليد المريضة والموبوءة، كأنها تمثل العالم الموبوء بالكورونا، وربما ايضا بما يتوافق مع الدعوات المحلة للناس الى عدم المصافحة واعتماد الابتعاد الاجتماعي وغسل الايدي، من اجل احتواء تفشي فيروس كورونا. الزعم ان هذا العمل الفني "يجسّد خروج الامور عن السيطرة في ايطاليا (او العالم)، وان الحلول في يد الله"، اجتهاد شخصي، قراءة ذاتية، وليس بالضرورة ما يريد وينكلمن التعبير عنه حقيقة.

3- "المافيات الايطالية تتبرّع بـ7 مليارات دعماً لحكومة إيطاليا للتصدي لفيروس كورونا"، وفقا لمزاعم نشرتها حسابات عربية كثيرة، لا سيما في تويتر (مثل هنا، هنا، هنا، هنا...)، من دون ذكر مصدر هذه المعلومة او مرجعها. وقد نشرتها مواقع اخبارية، مع تحديد قيمة التبرع لكل مافيا، من دون ذكر مصدرها (هنا، هنا).   

 

غير ان البحث عن هذا الخبر، باستخدام كلمات المفاتيح بالانكليزية والايطالية، يقود الى لا شيء. أي خبر بهذا الشأن لم نجده عن "تبرعات مزعومة قدمتها المافيات الإيطالية للحكومة الإيطالية". وهذا يعني ان لا صحة لهذه المزاعم، نظرا الى غياب اي مصدر ذي صدقية لها. مجرد اختراع.  

وما أمكن إيجاده بهذا الشأن هو تقريران مثيران حديثان نشارككم فيهما:  

*تقرير نشرته منظمة OCCRP) Organized Crime and Corruption Reporting Project- مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد)، الثلثاء 24 آذار 2020، بعنوان: الكوكايين والكورونا: كيف يضغط الوباء على مجموعات الجريمة الإيطالية؟ ومما اورده ان "خبراء يقولون إن جماعات الجريمة المنظمة تجد صعوبة في العمل في ظل الوباء الذي دفع السلطات الإيطالية الى اتخاذ إجراءات صارمة، وأمرت الشركات بالإغلاق والناس بالبقاء في منازلهم". ورجحوا أن "تتضرر الجماعات الإجرامية الإيطالية بسبب انكماش الاقتصاد في البلاد، لكنها قد تجد أيضًا طرقًا للاستفادة من الأزمة".

Embed from Getty Images

*هذه الفكرة تحديدا يتطرق اليها الصحافي الايطالي روبيرتو سافيانو ROBERTO SAVIANO، في تقرير نشره موقع "لا ريبوبليكا" الايطالي في 22 آذار 2020، بعنوان: "مافيا فيروس كورونا: من المخدرات إلى الرعاية الصحية، الوباء يساعد الاقتصاد الإجرامي" (وهنا ايضا). مقطع صغير من المقالة المثيرة للاهتمام: "لفهم مقدار ما يمكن مجموعة المافيا ان تكسبه من هذا الوباء، ما عليكم سوى إلقاء نظرة على حافظتها. أين استثمرت في العقود الأخيرة؟ شركات متعددة الخدمات (مقاصف، تنظيف، تطهير)، تدوير النفايات، نقل، دور الجنازة، توزيع النفط والمواد الغذائية. من هنا، إذن، سيكسبون. المافيا تعرف ما لديك وما ستحتاج اليه، وستعطيه، ولكن بشروطها. لقد كان الأمر دائما بهذه الطريقة. تمكنت المافيا على مر السنين من التسلل إلى قمة القطاع الصحي، كما يتضح من إدانة كارلو شيرياكو للمافيا...".

4-"إيطاليون تجمّعوا في الساحة لوداع العالم"؟

مقطع فيديو تكثف تناقله، مرفقاً بالمزاعم الآتية (من دون تدخل): "بعد تفشي المرض في إيطاليا ‏ولا وجود علاج قرر جميع السكان تجمع في الساحة‏ توديع العالم‏ القلب يبكي على ايطاليا" (يوتيوب هنا، هنا، هنا)، وتويتر (هنا، هنا، هنا...). 

بحثاً عن الفيديو بواسطة تجزئة المقطع إلى مشاهد ثابتة (Invid)، تقود الخيوط الى الآتي: 

*المقطع نُشر في تشرين الثاني 2019، في 18 منه (هنا، وهنا)، في 19 منه (هنا)، وفي 22 منه (هنا). وهذا يعني، اذا، ان لا علاقة اطلاقا له بتفشي فيروس كورونا المستجد، كما يتم زعمه في المنشور المرفق به.  


*وفقا لمعلومات تقاطعت حول المقطع، يتبين انه التقط في مدينة مودينا Modena، وهي مدينة شمال إيطاليا في إقليم إميليا رومانيا. المكان: الساحة الكبيرة في مودينا Piazza Grande in Modena. المناسبة: تجمّع مناهِض لماتيو سالفيني، وزير الداخلية الإيطالي ونائب رئيس الوزراء يومذاك، زعيم "الرابطة" اليميني المتطرف، بدعوة من "حركة السردين" Sardine. وقد انشدت الجموع اغنية بيلا تشاو الشهيرة Bella Ciao. 

المقطع المصور تم تناقله يومذاك على نطاق واسع (هنا) بوسم (هاشتاغ) modenanonsilega# (للاطلاع اكثر هنا، هنا، هنا، هنا). 

صورة لهذا التجمّع نشرها ايضا موقع الغارديان في تقرير هنا عن التجمعات المناهضة لسالفيني يومذاك. 

  

وهنا ايضا مقطع مصور للتجمع ذاته، ولكن من زاوية اخرى: 








إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard