عيد الأمّ في زمن كورونا

23 آذار 2020 | 13:04

المصدر: "النهار"

ممرضات من مستشفى الحريري (تعبيرية).

كيف أعيّدكِ يا أمي. فكري مشلول بهذا الحَجْر الصحي، مشربك كخيوط العنكبوت بالاخبار القلقة. كيف أخبِركِ عنا، نحن في إيطاليا، والبارحة مات اكثر من ٧٠٠ شخص في يوم واحد، كان اليوم الأسود القاتل. قوافل الموت تنقل بالشاحنات العسكرية الى مدفن بيرغامو أو الى محرقة فيرارا بعدما عجزت المدافن عن استيعاب ضحايا الكورونا. هذا المشهد اليومي على التلفاز وعلى وسائل التواصل الاجتماعية لن تمحوه الأيام الآتية وصفحات التاريخ.

خوفي عليكِ، كخوفي على كل الامهات بأن يصيبهنّ أي مكروه. كيف نحيي الربيع هذه السنة، يا أمي، ونحن خائفون من جرثوم صغير غير مرئي يفتك بالبشر، يدمّر عائلات وقرى.

آكتب إليك يا أمي بالحبر الملون بالدم، لأني خائفة كالجميع من هذا الفيروس الفتاك. منذ متى نحبس انفسنا في كهوفنا، وراء الحيطان، في المغاور في هذا الفصل من السنة، ونترك الساحات والطرق فارغة؟ منذ متى نقاوم الرغبة بلقاء الطبيعة المزهرة والتنزه تحت الشمس؟ منذ متى نغلق الحدود بين البلدان، والمطارات والمحلات والمدارس والجامعات والمصانع، خوفا من فيروس مخبأ في الهواء، في تلوث المدن، بين خفايا الايادي، يدخل عبر الأنف والفم والعيون، ويهاجم الرئات؟ يقال إنه انتقل من خفاش الليل أو عبر حيوانات أخرى، عندما تعيش في جسم الانسان تنتقم منه، فينقطع بسرعة التنفس الطبيعي، والمحظوظ هو من يعيش ويتأقلم مع التنفس الاصطناعي، ويحجز لنفسه ماكينة من هذا النوع، لا يمكن شراؤها عبر الانترنت.

منذ متى يا أمي تتحول أجمل بلدان إيطاليا، بلد السياسة، والفن، والجمال، إلى بؤرة قاتلة، كما هي الحال في مقاطعة لومبارديا حيث تحوّل المدفن الأثري في بيرغامو، الى مثوى لقافلة الموت؟!

نعم، ذلك كلّه يذكّرنا بالحروب وبالملاجئ. لكن انعزالنا اليوم بطولة، ويذكرنا بأن حياتنا لها معنى وهدف٠ نعم، الحياة، اليوم، هي وقفة تأمل وتفكير عميق في معنى وجودنا حتى لو ان الوقت يتوقف معنا داخل الجدران في هذا السجن الإجباري.

لقد احتجزنا، يا امّي، مع الأولاد، فبتنا اليوم نرى وجوههم وضحكاتهم أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً عندما كنّا غارقين في أشغالنا وهمومنا وكانوا هم في مدارسهم ومشاغلهم الطفوليّة.

عدت يا أمّي الى نفسي في هذه العزلة، لكن فكري مشغول على كل الأمهات في لبنان بالتحديد. خوفي من أن يصل هذا الفيروس الى بشري، ضيعتي في شمال لبنان، التي ليس لديها الإسعافات اللازمة. عجزت إيطاليا وركعت مستشفياتها أمام هذا المرض فكيف يتحمله لبنان؟ فكري عند الفقراء والجائعين. الجوع كافر، يا أمّاه.

أعود الى ذكر بشري، الجالسة على حافة الوادي المقدس، بشري حيث الناس معتادون بأن يفتحوا قلوبهم وبيوتهم لكل غريب، كيف لهم اليوم أنْ يحصوا تحركاتهم، ويغلقوا أبوابهم ونوافذهم؟!

اعرف جيدا كم يصعب في بشري على المرء بأن ينقطع عن الاخر ويقطع علاقاته الاجتماعية وزياراته وصلواته ويختبئ في المنزل؟! لكن المنزل هو سلاحنا الوحيد الوحيد لنقاتل هذا الفيروس الشرير. صبرنا هو حال النساك في مغاورهم وانقطاعهم عن أمجاد الدنيا وحفلاتها، حيث وراء الجدران الضيقة تنفتح النوافذ الصغيرة الى العالم الواسع.

الطيور والأنهار والجبال تحتفل، أكثر من أي سنة، بقدوم الربيع، لانها تعود الى نقاوتها. العصافير أراها تمتلك العالم من جديد.

لقد عدنا، يا امّي، الى الأيام الاولى من الخلق. ما من صياد يغدر بطير. ما من زهرةٍ تُقطف. الأغصان تورق. الأزهار تتفتح، بيضاء، صفراء، زرقاء، خضراء، حمراء، بنفسجية.

لنصمد وراء هذه الجدران، ولنفكر بما يعيشه الآخرون من آلام، وما يشعرون به من خوف وفقدان. لنتحد بهم من وراء الجدران، ولنُشعل في ظلمتهم شمعة محبة، ولنفكر بعقلية النهر، بروحية الأزرق والأخضر والجبال الخجولة وراء ضباب بشري الذي يتغلغل في الوادي.

الفرضية الوحيدة الظاهرة للكل ان الطبيعة غلبتنا. اختباؤنا داخل الأسوار، هو صلاتنا الوحيدة لتنتهي هذه الكارثة التي وحدت البشرية من جديد امام الموت، لكننا لسنا أرقاما.

رسالتي إليك قد تكون طويلة، يا أمّي. لكن الحياة لمن تعوّد ان يسكن الطبيعة ويتعلم منها، لا يمكنها ان تتوقف.

الكل يمكن ان يطاله هذا الوباء، الجميع خائف على نفسه.

لكن حب الام وقلب الام وتضحياتها تبدد الغيوم السوداء وتهلل مع الطبيعة أن الربيع الروحي قادم لا محالة، وان الأزمة سوف تمضي بسرعة ونعود هذه المرة ننظر بعيون بلورية إلى قيمة الحياة واهميتها واهمية الطبيعة حولنا.

سلامي إليك، يا أمي. سلامي إليك من إيطاليا!

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard