ثلاثيّة المعلّم خليل

23 آذار 2020 | 12:43

المصدر: "النهار"

وقفة حنين (تعبيرية- حسن سليمان).

1- محلاّت الشرق

لم يكن الدكّان، الصغير جدّاً واقعاً، والضخم إسماً بالحقيقة: "محلات الشرق للسمانة والخضراوات" في محلّة أرنكلف - سانت جورج، جنوب سيدني، سبعينات القرن العشرين، الدكّان اللبناني، أو العربي عموماً، الوحيد، في المنطقة، التي يكثر فيها ذوو الأصل اللبناني، وخصوصاً من جنوب لبنان، بل كان الملتقى الوحيد أيضاً، حيث يتمّ التعارف والتحادث وتبادل المعلومات. كانت في ذلك "العصر" والأوان مشكلة إذا حدثت وفاة، فأين سيُدفن اللبناني الأصل، وله رغبة بالدفن في الوطن الأمّ لبنان، وهي عموماً رغبة تشمل معظم أبناء الجالية في أوستراليا، وفي آن مطار بيروت معطّل بسبب من الوضع الحربي؟

حدثتْ وفاة، وشحّت المعلومات. وقصدتُ "محلاّت الشرق"، وتيقّنتُ، بعدما استفسرتُ واستزدت، فالمتوفّي، رحمة الله عليه، هو مَن هو، وأولاده هم مَن هم، من بلدة "كذا" الجنوبيّة اللبنانيّة، وكان في الدكّان صاحبه المعلّم خليل، وآخر يدعى سمير يعمل في مصلحة سكك حديد ولاية نيو ساوث ويلز، وثالث إسمه سعدالله، كان سائق تاكسي "أيّام لبنان" وهو عاطل عن العمل الآن، وبعد أخذ وردّ، وهذا يُدلي بدلوه وذاك يفعل مثله، قال عامل السكك الحديد ما لم يبتعد عن واقع مهنته أنّ القطار "النحاسي" اشتغل على "الخطّ" مئة سنة، حتى ترهّل، واحتمله الناس، وتدهورت حاله أكثر، واحتملوه، وصار كثير الأعطاب، ولا بدّ من إحالته على التقاعد، وأحيل، واستُبدل بالقطار "الفضّي"، رحم الله المتوفّي! سائقُ التاكسي أيّام لبنان، والعاطل عن العمل الآن، استشعر بإمكان أن يقول شيئاً مشابهاً، لكي يبدو محدِّثاً لبقاً، وبليغاً أيضاً، قال إنّ محرّك السيّارة، إذا كانت عموميّة ـ تاكسي، يتعب بسرعة، بسبب من العمل المتواصل. ونصلّحه، وتزيد أعطاله، ونصلّحه، ويترهّل أكثر، ونعمل له "سكمان" ـ "نصف موتور"، ولكن أخيراً لا بدّ أن يتقاعد، رحم الله المتوفّي وأمواتنا جميعاً!

صاحب المحلّ خليل يسمع، لكنّه كلّما يبدو في عينيه كلام ملحّ، لا بدّ أن ينطق، هو مفوّه بعيني نفسه مثل زميليه، ولا بدّ أن يدلي بدلوه، وما قالاه أنّه لا مفرّ من الموت يمكنه أن يأتي بمثله، لا بل بأبلغ. استوقفَنا، حين رآنا نهمّ بالخروج، قال، وهو على إرتباك: "ولو!، سمعتكم فاسمعوني". قلنا نسمعه. قال بعدما التفت إلى زاوية في المحلّ، وبعدما توقّفتْ عيناه، لسبب سندركه، على صندوق كوسى "خربان"، إنّ المرحوم، "قُدّس سرّه"، كان من الصنف الممتاز، ولكن ماذا الإنسان؟ مثل صحّارة الكوسى هذه! وأشار إليها في الزاوية، كانت "خربانة" كلّها، قال إن كوساية "تخرب" "فتضرب" زميلتها، وزميلتها "تخرب" فتضرب أختها، ودواليك حتى "ينضرب" الصندوق كلّه، فماذا نفعل؟ نحمل الصندوق حملةً واحدة إلى صندوق المهملات الأزرق الكبير في الخارج، ونرميه فيه. رحم الله أمواتكم وأمواتنا والمتوفّي!

سمير ينظر إلى خليل غير مصدّق ماذا يسمع، فيما سعدالله لم يكن له من الحزم ما لصديقه، فقع ضحكة، خليل عيناه تغزلان تساؤلاً، كأنّهما "روليت"، لماذا ينظر إليه سمير على هذا النحو، ولماذا سعدالله يضحك ويضحك حتى أخيراً أسند ظهره إلى أحد رفوف المحلّ، وهو يضغط على صدره كأنّما خوفاً على قلبه من الإنفجار؟! الحقّ أني صمدتُ أمام هذا المشهد صمود بطل دون المشاركة، وإن كنتُ، وأنا أعترف الآن، قاب قوسين أو أدنى. أخيراً طلبت من الزميلين أن نغادر المحلّ دونما إبطاء، فقد "إبن عرب" يدخل فجأةً، وقد يكون من أهل الفقيد، ولا يليق أن يرانا هكذا في هرج ومرج ولا نشاركه مصابه، وهذا عيب!.

2- خليل وفاطمة

هو مهاجِر إلى أوستراليا سنة 1968، وصاحب أوّل محلّ سمانة افتتحُه "إبنُ عرب" في أرنكلف - سانت جورج، جنوب سيدني، له طفلان مِنْ زوجة فاضلة ارتضتْه وتحتمل تبعات ارتضائها بصبرٍ جميل، فتجمع ما هو يفرِّق وتضيف ما هو يُنقِص، على قدرِ عِلمِها وحلمِها، إسمُه خليل، إسمُها فاطمة، أمّا "أماندا"، الأوستراليّة، البريطانيّة الأصل، البيضاء، الشقراء، الزرقاء العينين، ولكن البدينة نسبيّاً، فقد علِقتْ خليلاً السخي حدّ الإفراط إذا علِق. و"ما ألذّ هذا العنب"، و"ما ألذّ هذا التفّاح"، وقبل أن تصل إلى شقّتِها في محلّة بانكسيا المجاورة لأرنكلف تكون صحّارتا الفاكهة قد سبقتاها إلى شقّتها.

هكذا بدأت أرباح المحلّ تنقص، وتعمل زوجته فاطمة أنّها تصدِّقه حين يقول إنّ السوق: "يطلع وينزل"، فيما نظراته وحركاته تكذّبه كلّها تكذيباً، فما أوهاه حقّاً على الكذب. أخيراً وقعتْ فاطمة بالمصادفة المحض، بتأكيدها، على بطاقة في جيب سترته، عليها أثر شفتين مكتنزتين حمراوين، وإسم "أموندا"، هكذا بالعربيّة، والخطّ "مفشلك" هو خطّ خليل، ورقم هاتف مرسوم بالأرقام العربيّة القديمة التي يتبنّاها الأوروبيّون، على نحو جميل، وليس هو خط زوجها بالتأكيد.

أكّدتْ "أموندا"، التي هي "أماندا"، بعد اتّصال بها من فاطمة، وبعد إعلامها أنّها تخرّب لها بيتها، وأن زوجها خليل، بسببها، بدأ يضربها، ولم يعد يرى الأطفال ـ وكلّ هذا غير صحيح قطعاً ـ أنّها لم تعرف أنّ "كارل"، أي "خليل"، هو زوج وأب ووحش! وعلى رغم صدق اللهجة ظلّ القلق متشبّثاً بفاطمة. وبعد يومين هاتفتْه أماندا: "هل ستأتي الليلة يا كارل"؟. وكلّ جوارح خليل متعطّشة. أضافت: "هل لديك صديق من أصل لبناني"؟. وما أكثر أصدقاء خليل. وتابعت: "أرجو أن تختار واحداً لصديقة لي تحبّ ذوي الأصول اللبنانيّة"! واتّصلَ خليل بصديقه "جيفري" ـ جعفر، فأجاب أنّه لها ولو هي على حافّةِ قبرها!

قرعا بابَ الشقّة، أحدهما كبير الجسم، مليء الخدّين، أشعث، جاحظ، هو عين صديقنا خليل، والآخر طوله "شبر"، وأرفع من "خيط". فتحتْ أماندا البابَ. واحتضنتْ "كارل". واحتبستْ مشاعرَها وهي ترحِّب بصاحب صديقتِها الفرِح والمرتبِك في آن. وسكبتْ لهما كأسي نبيذ. وعلى رغم أنّهما لا "يشربان" استقبلاهما بغبطة. ولحظات، وسأل "كارل" بلغة إنكليزيّة "على قدّه" ما مفاده، وهو يتلفّت يميناً ويساراً: "إز شي هير؟! شي كم"؟! "هل هي هنا؟! هل جاءت"؟! قالت إنّها كانت تستحمّ، وهي ترتدي ملابسها. وهما يعتدلان في مقعدَيهما نادت في اتّجاه الغرفة القريبة: "فاطيما"!. ونادتْ أيضاً: "فاطيما"!. سألَها خليل جاحظ العينين: "أرابيك"؟! ـ عربيّة؟!، قالت: "أند ليبانيز" ـ ولبنانيّة، وأنت تعرفها"!

بعدَ شهر من هذا اليوم العجيب والغريب، الذي يشيب له رأس الوليد، وتجهض الحامل البكر، كما يُقال للتهويل، وفيما الحربُ في لبنان لا تزال مشمّرة أو على قدم وساق، أقلعتْ طائرةٌ مِنْ مطار سيدني في اتّجاه الشرق الأوسط، ومِنْ ضمن ركّابِها خليل، مع كامل طاقم أسرته. وعلى رغمِ استواء الطائرة في الجوّ، وافتكاك الأحزمة، كان خليل لا يزال مُحزَّماً، وبأدبٍ جمّ يرشف مِنْ كوبِ عصير برتقال في يدِه.

3- المرحوم حيّ يُرزَق

غادر خليل وطنه الثاني أوستراليا إلى الوطن الأمّ لبنان مع كامل أفراد أسرته أواخر عام 1979، وكانت الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي بدأت عام 1975 لا تزال في اشتعال، وتخفت وتنشب. وفي سنة 1990، أي بعد اتّفاق الطائف، وعودة الإستقرار النسبي إلى لبنان، رجع وأسرته إلى سيدني، ونزل ضيفاً على أحد أقاربه في محلّة أرنكلف - سانت جورج، جنوب سيدني.

في صبيحة اليوم التالي خرج يتفقّد أحوال المحلّة التي خبرها قديماً، والتي له فيها أيّام، ولكي يرى ما آلت إليه، ويبحث عن بيت للإيجار. لاحظ أنّ المحلّة لم تتغيّر، عمرانها هو هو، سوى أنّ اللبنانيين، والعرب عموماً، ازدادوا بشكلٍ ملحوظ، بين بابل الأمم، فالذي هو أصله "غريغي" ـ يوناني، والذي أصله "يوغوسلافي أو ماسادوني أو إيطالي أو إفريقي أو آسيوي أو "أوزي" ـ الأوستراليّون البيض القدامى، وأصلهم من بريطانيا، وذاك وذيّاك ألماني أو أسباني، وحتى "أبوريجنال" سكّان أوستراليا الأصليين... إلخ، وإلى يسار ويمين محلّه القديم، الذي لا يزال، تمّ افتتاح محلّ ألبسة نسائيّة "شرعيّة" ـ إسلاميّة، و"ملحمة حلال"، ومطعم مأكولات لبنانيّة ـ "حمّص، فول، فلافل، تبّولة"، ومحلّ ألعاب كهربائيّة أو ألكترونيّة.

ووجدَ أنّه وجهاً لوجه مع صديق قديم يدعى إسماعيل، مع آخر بيده عكّاز. تحاضنا، تباوسا. وقال إسماعيل وهو لا يكاد يصدّق: "صديقي خليل في سيدني"؟! وتحاضنا مجدّداً، وتباوسا، وشدّ أحدهما على يدي الآخر. وقدّم إسماعيل أخيراً صديقَه صاحب العكّاز قائلاً: علي جابر "أبو أحمد"، عوّضني الله به عنك طيلة غيابك". وكانت عادة في خليل أقوى من الزمن، وهي إذا التقى شخصاً، ولو لأوّل مرّة في حياته، يعمل أنّه يعرفه منذ الأزل. وقال لصديقه اسماعيل: "تُعرّفني على أبي أحمد؟!، أنا خليل تُعرّفني على أبي أحمد؟!، معرفتنا ببعض قديمة"!. واحتضن أبا أحمد. وبوّسه. وشدّ على يديه. وسأله عن حال "أمّ أحمد"، وحال المحروس "أحمد" الذي لا شكّ هو الآن، إسم الله عليه، شابّ ـ نخلة!

قال أبو أحمد، المتأكّد أنّه لم يلتق بالأخ خليل يوماً في حياته، وفقط سمع عنه من صديقهما المشترك إسماعيل: "جميعنا بخير"!. ولم يكتف خليل، نظر إلى العكّاز بيد أبي أحمد وأبدى اهتماماً بالسوال: "ما هذا العكّاز يا أبا أحمد؟!، يوماً لم تحمل عكّازاً"؟!. قال أبو أحمد متمالكاً أعصابه، وقد بدا الإنزعاج على وجهه: "حادث سيّارة، وعمليّة جراحيّة صغيرة في الظهر". قال خليل فجأة: "أطمئنك، رأيت والدك في بيروت، وهو، والحمد لله، بصحّة جيّدة، ولا ينقصه، كما قال، إلاّ قلّة مشاهدة وجهك".

ارتبك أبو أحمد أيّما ارتباك، ومع ذلك قال أخيراً: "لا بدّ أنّ الأخ مشتبه". وأوضح أنّه ربّما يعرف شخصاً آخر غيره، يشبهه. وأضاف: "أبي، يا أخ خليل، توفي قبل لا أقلّ من عشرين سنة"! ودخل على خطّ الحوار الصديق المشترك، مستدركاً ما هجس به، لمعرفته العميقة بسلوك صديقه خليل، وبسلوك صديقه أبي أحمد. قال: "أبو أحمد يقول الحقّ، قد تكون يا خليل تعرف شخصاً آخر، وهذا يحصل، وكثيراً ما يحصل". وعلى رغم كلام إسماعيل المطمْئِن، أصرّ خليل على إصطناع إستغراب، فارّاً إلى الأمام، كالدجاج. ورجعَ إلى الوراء خطوة، وقال: "ماذا تقولان؟!، قولا أي كلام آخر، أبو أحمد، رحمةُ الله عليه، مات قبل أكثر من عشرين سنة، وأنا التقيته قبل أيّام"؟!

وأكّد أنّه قال له، عندما رآه في بيروت، إنّه مسافر عائداً إلى أزستراليا، وسأله إذا يوصّيه فأوصاه. ووقعتْ عينا خليل على عكّاز أبي أحمد مجدّداً، فأوحت، فقال: "وبالعلامة والدك بساق مقطوعة، أليس والدك بساق مقطوعة"؟! وإلى هذا الحدّ يكون السيل قد بلغ الزبى. "فقَسَ" أبو أحمد كأنّما ليفضح نوعيّة أصدقاء إسماعيل جميعاً. رمى العكّاز بعصبيّة، رفع يديه عالياً، وصاح، وسط ذعر المارّة الأوستراليين وفرارهم منه: "يا أهل الله، يا أهل أرنكلف، يا عالم، يا ناس، يا هو!، مات أبي قبل أكثر من عشرين سنة، وعملتُ له "أسبوعاً" و"أربعين" وحتى "ذكرى سنويّة"، واسمعوا، ها هو الأخ يقول لي أنّ أبي حيّ يرزق، والعلامة ساقه مقطوعة، ومشتاق لرؤية وجهي"!. وعبثاً حاول إسماعيل أن يسترضيه، وكان خليل قد هرب!

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard