رسالة إلى ذات الشال الأحمر

24 آذار 2020 | 11:00

المصدر: "النهار"

محاولة رسم (تعبيرية- Oamul Lu).

إلى جافيا...

لا أعلم كيف أبدأ، ومن أين؟ وما هي الصيغة الصحيحة والمثالية لكي أبدأ بها رسالتي؟ لربما لم أعتد على كتابة الرسائل من قبل. وبما أن هذه هي أول رسالة اكتبها لكِ، لذلك تراني أبحث عن الكلمات كي أبدأ بها. منذ السطر الأول وأنا أشعر أن الكلمات تخونني. ليس لأنها تخرج عن سياقها ولا لأنني لست بارعاً في كتابة نص بهذا الشكل، بل لأنني أبحث عن كلمات من أجل أن تعطي المعنى حقها بحيث تكون ملائمة ومناسبة وموضوعة في مكانها الصحيح تماماً مثل الأحاجي.

ففي هذه اللعبة، عليكِ أن تضعي القطع المتبعثرة في موضعها الصحيح كي تحصلي في النهاية على رسمة أو صورة. وهذا ما أفعله بالضبط، لكنني فشلت في حل هذه المعضلة مرات عدة، وأعدت الكرة ثانية وثالثة من دون كلل أو ملل، إلى أن وجدت حلاً بسيطاً في النهاية. سأشرح لكِ كيف ذلك. لصياغة نص شعري أو كتابة قصة قصيرة أو رواية أو مسرحية أو رسالة أو أي نص آخر، تحتاجين الى بعض العناصر الضرورية والمستلزمات الرئيسية لذلك. تحتاجين إلى قلم وورقة بيضاء وأصابع ماهرة وعينين ثاقبتين وعقل يفكر لأجل هذا الغرض بالذات. لكن هل هذا يكفي برأيكِ؟ ببساطة لا! لأننا نسينا عنصراً مهماً، أهم من كل هذه الأدوات. إنه الإحساس.

وعلى سبيل المثال يمكن أي شخص أن يقوم بفعل كلّ ما يريده وقد يكون ما يقوم به رائعاً وجميلاً وكاملاً، لكن في الوقت ذاته سيحتاج إلى روحٍ فيها مثل الكائنات إن صح التعبير. فلمسة الإحساس هي ما تجعل هذا الشيء أو ذاك حاضراً في اذهاننا وعقولنا. وحين يرسم الرسام لوحة من دون إحساس، ستكون باردة وجامدة مهما كانت رائعة. أما إن قام برسمها بكامل إحساسه ومشاعره، فإنكِ ستشعرين بها من أول نظرة. ومثله مثل الحداد والنجار والخباز أو الشاعر والراوي والكاتب وما إلى هنالك من حِرف ومهن. لكن هناك اختلافاً بسيطاً بين الذي يكتب والذي بيده حرفة. والاختلاف هو أنّ الذي يكتب أي شيء، حتى وان كان من خلال إحساسه، لن يفي حقه لأن الشعور بالشيء يصعب ترجمته الى نص. وأكاد أجزم أن ترجمة المشاعر والعواطف الى الكتابة صعبة جداً، إن لم تكن مستحيلة.

وها أنذا أحاول جاهداً أن أجد الكلمات التي تليق بكِ في رسالتي هذه، لكنني مهما كتبت وسطرت فإنني لن أعطي مشاعري حقها الكامل وستظل ناقصة. لذا أحاول ان أتذكر الكثير من المفردات قدر المستطاع. فتارة استعين بالمعجم وتارة اقرأ كتاباً أو ديواناً شعرياً عسى أن تسعفني من جهة، وتشحذ ذاكرتي بمزيد من الكلمات من جهة أخرى. هل تعلمين يا سيدتي أنّ للكلمة قوة غريبة وسحر عجيب يجذب القارئ اليها بمجرد ان يبدأ بقراءة أول جملة في النص لأنه سيبحث عن النهاية، بخاصة إذا كان النص مشوقاً. وبطبعنا البشري، نحن توّاقون الى معرفة النهايات من خلال البحث عن المغزى وراء ذلك وكشفه، ومن ثم نهدأ بعد معرفتنا بذلك. مثلكِ تماماً تريدين أن تعرفي لماذا كتبت هذه الرسالة؟ ولأجل ماذا؟ وقد تقولين في نفسك إنني أثرثر أو أكتب عن عبث ومعكِ حق في كل هذا. إنني كما قلت لكِ أريد أن أعطي رسالتي حقها حتى ولو من خلال الثرثرة! لكنني ذكرت لك أنني وجدت الحل لذلك وهو أنني قمت باستبدال كتابة الرسالة برسم الصورة. لأن رسم الصورة أسهل عليَّ من كتابة النص. لقد قمت برسم صورة لفتاةٍ جميلة جالسة على كرسي متحرك وهي تنظر إلى عدسة المصور مباشرة.

في البداية، أخرجت مجموعة مؤلفة من 12 فرشاة بمختلف الأحجام والمقاييس، وفتحت علبة الألوان الزيتية، وبدأت بفرز كل لون على حدى وسكبه على لوحة الألوان بحيث أقوم بمزج بعض الألوان وخلطها مع بعضها البعض لأحصل على ألوان إضافية واستعملها في كل جانب وطرف وزاوية من الصورة. كان أول لون اخترته للصورة هو اللون الأحمر القرمزي. إن سألتني لمَ اخترت اللون القرمزي كبداية لرسمتك دون غيره من الألوان؟ سأرد بكل بساطة أنه لون الدم وهو لون ملفت للنظر بحيث يحفز الإحساس بالطاقة، ويدل على الحب، أي أنه الدم الذي يسيل من أجل الحب، وهكذا يختار طريقه الى لوحتي لتكون البداية للرسم. بدأت أول ما بدأت بالوجه لأن الوجه هو أساس الهدف المنشود من الرسم مثل الرامي الذي يحدّد نقطة كي تكون المرمى لطلقاته أو سهامه، لذا حدّدت الوجه كي تكون المرمى لفرشاتي. إن الرسام الذي يرسم الوجه يبدأ اولاً برسم العيون لان جمال الوجه تحدّده العيون ولا شيء آخر.

بدأت برسم العينين السوداوين الواسعتين التي تشبه لؤلؤتين برقة ونعومة مع ميل رأس الفرشاة من اليسار للأعلى بشكل نصف بيضة ومن ثم إلى اليمين والأسفل قليلاً. دائماً ما أقول إن الرسام إن نجح في رسم العينين بدقة وحرفية فقد أكمل نصف الطريق كي يمنح الصورة حقها، ولكن هذه الصورة لا تكتمل إلا إذا منح شيئاً من إحساسه كي تصبح مثل العيون الحقيقية. وبهذا الشكل سيبدو للناظر أن العيون حقيقية أكثر منها إلى الصورة، وسيشعر أنّ العيون تنظر إليه مباشرة. ما إن انتهيت من العينين حتى بدأت برسم الأهداب ويمكنني القول إنّ الأهداب تكاد تختفي من سعة العينين، مع انها تعطي جمالاً اضافياً اليها ولكن مع ذلك فقد نجحت في تقريب الصورة أكثر فأكثر، ومن ثم انتقلت الى رسم الحاجبين الخفيفين، كأنهما حراس للعيون وحاميهما بحيث تلفان حول العينين من جهة الجبهة مع ميلان بشكل خفيف الى نهايات الاهداب.

وبعد ذلك، الانف حيث يتوسط الوجه تماماً وهو مركزه بالفعل. لا يمكنني أن اتخيل وجه الانسان من دون الأنف، فهو يشبه الميزان بحيث يقيس جميع الأطراف من الأعلى الى الأسفل ومن اليمين الى اليسار. وإن فقد الأنف فقد توازن الوجه بأكمله. ظللت طرف اليسار من الانف قليلاً لأن الضوء يأتي من جهة اليمين، وبما أنّ الأنف عضو خارج من تدويرة الوجه وله زيادة، فإنّ أي ضوء يسقط على أحد اطرافه سيخلف الطرف الاخر ظلاً. وبعد الانتهاء من الأنف، نزلت الى الفم والشفتين الورديتين. وبما انهما ليستا عريضتين، مثل فم بعض فتيات هذا الجيل اللواتي تتسابقن إلى نفخه في عمليات تجميل بائسة، كي تكون منتفخة قدر المستطاع، بحيث تعبثن بالوجه وتغيرن ملامحه، فأنني حاولت ان ارسم بالقلم الرصاص اولاً كي اعطيها الشكل المطلوب ومن ثم اعبئها باللون الزهري الفاتح مع القليل من التظليل بواسطة حك الاصبع اسفل الشفة قليلاً، كي لا أشوه المنظر. إن التظليل الزائد للرسمة يمنحها وجهاً كرتونياً لا وجهاً حقيقياً.

وبعد أن اكتمل الوجه تقريباً، بقي اطار الوجه او بتعبير اخر دائرة الوجه واقصد هنا الذقن والخدين الى الاذنين. بدأت من أسفل الذقن مع ميل رأس الفرشاة بنصف دائرة باتجاه اليمين الى الأعلى، بحيث اكتمل الخد وصولاً الى الأذن اليمنى وبالحركة نفسها والقياس، بدأت الطرف الايسر من الأسفل الى الأعلى، حتى تشكلت لدي كامل الوجه ومن ثم رسمت الشعر. هناك العديد من الطرق لرسم الشعر. بعض الرسامين المهرة يرسمونها شعرة شعرة، وبعضهم يرسمونها بحركة فرشاة واحدة بحيث يصبح الشعر إما كتلة واحدة أو كتلتين مقسمتين الى نصفين ينسدل على الكتفين. وبعضهم يتفنن برسم الجدائل، والبعض الآخر يعمل حركة سحرية بالقلم بحيث يجعل الشعر يطير بانسيابية رائعة بفعل الهواء.

وبين هذه الاختيارات، اخترت الأولى وهي رسمها شعرة شعرة، وفكرت في أن اجعل الشعر ينسدل على الشال الأحمر الذي رسمته فوق الكتفين والذي يلف الصدر من الطرفين، بالإضافة الى فستان أسود يغطي كامل الجسد وبهذا جعلت اللون الأحمر بارزاً فوق الأسود مع خلفية بلون واحد أو لونين فاتحين، كي يكون تركيز الناظر الى الصورة أكثر من تركيزه على الخلفية. ورسمت بعدها الكرسي المتحرك الذي هو جزء لا يتجزأ من تلك الفتاة واكاد اجزم ان ذلك الكرسي هو اغلى ما تملكه. فهو الوحيد الصادق معها وسط هذه المعمعة وهذا النفاق. وهنا يمكنني القول أنّ الرسمة باتت جاهزة، ولكنها ليست جاهزة بالمعنى المادي المحسوس، بل جاهزة معنوياً، أي أنّ الصورة قد اكتملت في مخيلتي وذاكرتي. انني فشلت في أن اعطي الصورة حقّها، لكنني نجحت في أن أصوّرها في كياني بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة. وكم جميلة تلك الفتاة. براءة نظرتها وهي تنظر الى المصوّر، ابتسامتها الرقيقة، يداها المتشابكتان وكتفها الّذي يغطيه الشال الأحمر. نعم إنّها صورتك، صورة الفتاة ذات الشال الأحمر.

*مترجم كردي

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard