مرآة الضّمير الإنساني المعطوب

21 آذار 2020 | 11:28

المصدر: النهار

في "أهل الكتاب الأحمر" لسفيان رجب

يتنزّل هذا المقال ضمن سلسلة قراءات نقديّة تُعنى بالمنتوج الأدبي التّونسي المعاصر، غايتها الوقوف على خصائصه الجماليّة وما يقدّمه من إضافة وإثراء للسّاحة الأدبيّة العربيّة بصفة عامة. ونتناول فيه على وجه الخصوص تجربة فريدة في التأليف القصصي تحمل عنوان "أهل الكتاب الأحمر" للرّوائي والقاصّ والشاعر التّونسي سفيان رجب. وهي سابع أعماله الأدبيّة، صدرت هذه المجموعة في 2020 عن دار زينب للنشر والتوزيع. وجاءت في مائة وستّ وثمانين صفحة تضمّ مائة قصة قصيرة. ويتميّز هذا العمل القصصي بالطرافة في جلّ عناصره، طرافة تلوح من العتبة الأولى وتمتدّ إلى بقيّة مكونات العمل القصصي. قوامها المفارقة والتشظي وبنية سّرديّة متراصّة، توحي في عمومها بتوجّه نحو التجديد وابتكار أساليب مغايرة في الإبداع.

سنحاول إذن في هذه الدّراسة تسليط الضّوء على مظاهر التجديد في هذا الأثر الأدبيّ. وننطلق من أسئلة ما انفكّت تراودنا مفادها: كيف استطاع المؤلّف التحليق عالياً بجناحيْ الواقع والخيال؟ أين يتمظهر التجديد، هل كان ذلك في الشخصيات فقط أم في بنية الزمان والمكان أيضاً؟ لماذا اعتمد على أسلوب السّخرية السوداء والتهكّم الحارق وهو يطرح قضايا إنسانيّة كبيرة؟

1- تعدد المعنى في العتبات:

يُعتبر العنوان هو العتبة الأولى لأيّ كتاب من أي جنس كان، وهي مسألة أشار إليها أحد أهمّ منظّري البنيويّة الفرنسيّة "جيرار جنيت". وقد بيّن هذا الأخير أنّ المعنى لا يكمن فقط في الصيغة اللغويّة للعنوان بل أيضاً في ما يقيّمه من علاقات مع باقي العتباتseuils المحيطة به، سواء كانت رموزاً لغويّة أو صوراً وأيقونات وألواناً أو عناوين داخليّة Intertitres. وقد ورد عنوان الذي نحن بصدده محمَّلا بالرموز، كثير الدلالات، متشابكاً مع الفضاء الذي وُضع فيه، أي صفحة الغلاف. فتصميم الغلاف كان في تناسب تامّ مع العبارات التي خطّها المؤلّف. فالعنوان "أهل الكتاب الأحمر" واللون الأحمر يشغل حيّزاً مهماً من الغلاف. ومعلوم أنّ هذا اللون يثير في نفس القارئ عدّة مسائل نفسيّة عاطفية وفكريّة وفلسفيّة وربّما تاريخيّة واجتماعيّة. فهو مفتوح على احتمالات عديدة للتأويل، إذ ينشّط خيال القارئ منذ الوهلة الأولى لاطلاعه على الكتاب ويثير في نفسه عدّة توقّعات.

إنّ الإمساك بكتاب عنوانه "أهل الكتاب الأحمر" والنظر إلى غلافه ذي اللون الأحمر فيه استدراج للقارئ وإقحام له في تدبّر المعنى. هذا اللون قد يذكّره بحبر من نوع خاصّ كُتب به الكتاب، أيّ الدم. يدعم ذلك قول الكاتب في المقدّمة: "الكتاب الأحمر الذي نقصد هو كتاب الانسان العظيم الذي لا يزال يخطّه بدمه على الأرض منذ أوّل كائن حاول أن يمارس اختلافه عن القطيع البشريّ وتمّت تصفيته". هذه العبارات تنبّهنا ههنا أننا بصدد قراءة كتاب يحمل في طياته ومنذ البداية همّ الإنسانية، فهو عبارة عن طرح نقدي سياسي وسوسيولوجي. وهي كما سنرى الوحدة الناظمة لهذه المجموعة القصصيّة. ففي هذا الصدد يواصل الكاتب قوله في المقدمة "هم (أجدادنا) حاولوا تغطيته (آدم) بالقصص، ونحن الآن نحاول تعريته بالقصص أيضاً".

من العتبات المثيرة للدهشة في الغلاف، تلك الصورة التي نشاهدها على الجهة اليمنى، وتتمثّل في كائن خرافي يشبه الإنسان، يقف معتدلاً بملامح فيها القسوة والقوّة والحزم والكثير من الأنفة. ونعتقد أنّ الكاتب يريد إثبات زيفها وخوائها بغية إعادة الضّمير الإنساني إلى حقيقته الأولى. الكائن المرسوم يحمل بين يديه سلاحاً في شكل سيف أو عصى. وهو ما نتساءل ما هذا المخلوق العجائبي على غلاف الكتاب؟ هل هو إنسان في شكل حيوان؟ أم رجل بدائي من العصور الأولى؟ أم هو الإنسان فعلاً بغروره وكبريائه الواهم يمسك سلاحه ليقتل ظلّه؟ أم هو كلّ ذلك وأكثر؟

وفي العتبات الداخليّة نلاحظ تكرار الألوان في صياغته لعناوين القصص من قبيل: "مدينة الصراصير الحمراء/ الحبر الأحمر/ النجمة الخضراء/ العائلة البيضاء/ ساق أمي خضراء/ سرد أحمر/ الكتف السوداء الجميلة/ المخطوط الأحمر الغامض/ شجرة الصلصال الأحمر".

عالم إذاً من الألوان وكأنّنا على حافة حلم، وكأنّنا نشاهد لوحة تتراقص فيها الألوان ربّما لتعيد رسم الحكاية، حكاية الضمير الانسانيّ.

2/- مظاهر التجديد في المضمون القصصي:

** الشخصيّات: رحلة في الموروث الإنساني

وضع المؤلّف لكتابة فهرساً هو عبارة عن شبكة لا متناهية من الأسماء التي تحيلك على العمق الانساني في بُعديْه الجغرافي والتاريخي، ليكون الكتاب حاضناً للبشريّة جمعاء بكلّ ما يختزل الانسان في بعده الوجودي والقيمي والأخلاقي والفكري والميتافيزيقي والسياسي. من الأسطورة "إيروس/ ديونيزوس/ زيوس/ مروخ... قابيل/ آدم/ حواء... "، من التاريخ البعيد والقديم "هتلر/ كارل يونغ/ جعفر بناهي/ إبراهيم الكوني/ السهروردي..."، كما يستنطق الكاتب الحيوانات لتكون شخصيّات ترمز إلى هشاشة الكائن البشريّ وسخفه في عديد القصص فنجد "الخنازير/ البقرة/ الببغاء/ الصراصي/ النمل/ الأسد..." كما يذهب المبدع إلى أبعد من ذلك، فيجعل من بعض المفاهيم شخصيات تتحدّث وتتأثّر وتعبّر عن مواقفها كالنّدم في قصّة "أصابع آدم". من ناحية أخرى نجد عديد القصص حيث تبقى الشخصيّات مبهمة بلا أسماء لتكون كلّ واحد فينا، كما يقحم الرّاوي نفسه في مجموعة أخرى من القصص فيستعمل الضمير المخاطب "أنا" أو ليحدّثنا عن أخته قائلاً "أختي". هذا الراوي الغائب الحاضر يُزاوج في قصصه الواقع بالفنتازيا بطريقة طريفة تجمع بين التهكّم والسخرية السّوداء التي تستفزّ القارئ وتثري النسيج اللّغوي للمجموعة القصصيّة.

** ثراء وتنوّع الإطار المكاني والزماني:

ترحل بك المجموعة من عالم إلى آخر، من عالم الخيال إلى الماضي السّحيق، إلى الواقع المعاصر الآن، وهنا إلى المستقبل إلى اللامكان واللازمان. رحلة شيّقة تفتح مع كلّ قصّة نافذة جديدة على مكان جديد وزمان مغاير وأحياناً لا يمكن تحديد الإطار الزّماني والمكاني، فالقصّة تعانق أفق الانسانيّة بصفة عامّة.

جغرافيّة القصص تأخذنا، وليس على سبيل الحصر، إلى "الجنّة/ الصحراء/ إيران/ روسيا/ المدينة الصّغيرة/ جامعة كامبريدج/ جوهانسبورغ/ الدكّان/ عيادة الدكتور غوستاف يونغ...".

أما الزمان فيختلف باختلاف الشخصيات من الأسطورة والآلهة، إلى التراث الاسلاميّ، إلى الزمن المعاصر، وقد يستشرف الكاتب المستقبل في بعض نصوصه.

رحلة شيّقة تجعل القراءة مغامرة حقيقيّة تقطع مع الرّتابة ومع الفكرة النّمطية والأسلوب التقليدي للقصّة القصيرة.

** نسيج مُتراصّ يعانق أفق الإنسانيّة:

حين نتصفّح الكتاب ونبحر بين قصصه نجد أنّ الكاتب قد حافظ على ثوابت القصّة القصيرة بما هو سرد حكائيّ نثريّ يهدف إلى تقديم حدث وحيد ضمن مدّة زمنيّة قصيرة ومكان محدّد غالباً ليعبّر عن موقف أو جانب من جوانب الحياة ضمن سردٍ متّحد ومنسجم دون تشتّت.

إنّ ما يميّز الكتابة القصصيّة في هذه المجموعة أيضاً، هي قوّة اللّغة من حيث ما تقدّمه من معانٍ ورسائل في شكل لحظات مأزومة موغلة في العمق الانسانيّ، تثير الدّهشة وتطرح الأسئلة الحارقة وتفتح نوافذ التأمّل والقراءة المتأنّية لما يخفيه الكاتب بين السّطور وبين كلمات شخصيّاته. اللّغة في هذا الكتاب موغلة في الموضوعيّة، مطرّزة بشكل محكم دون أيّ حشو أو وصف زائد أو حوارات مطوّلة. القصّة وإن كانت في مجموعة هامّة من النصوص تمتدّ إلى صفحتين أو ثلاث نجدها أيضاً في عديد النصوص ومنها "لويس/ أصابع آدم/ الجدار الخامس/ ببغاء وقح وصادق/ ... " فقرة واحدة لا غير. وأحياناً في شكل حوار لا يتجاوز الأربعة أو الستة أسطر مثل "مجرم فوق أنوفهم/ سارق الأصابع/ الشّيوعيّ الصّغير". ونجد أيضاً قصصاً في سطر واحد تختزل أفق الانسانيّة جمعاء، ومنها "ملخّص الصراعات الانسانيّة"، تأتي كالصّاعقة لتختزل بشكل مربك ومرعب رحلة الانسانيّة بما هي متاهة للمعنى ولتعيد تفكيك وبناء اللّاوعي الجمعي ولتضع الجميع أمام مرآة الضّمير الانسانيّ المعطوب. كما نلاحظ أنّ النسيج السّردي للنصوص في أغلبه جمل فعليّة قصيرة مكثّفة، وأغلب الأفعال تعبّر عن الحركة، أي أنّ الكاتب يعتمد في كتابته الإيقاع السّريع نحو لحظة فارقة ينهي بها القصّة وهي لحظة تقوم على عنصر الإدهاش.

** القارئ وبناء المعنى:

بعد التقديم والتوطئة التي يتوجّه من خلالهما الكاتب إلى القارئ مباشرة ليوقّع معه عقداً ضمنيّاً يجعله بموجبه محوراً وركيزة أساسيّة لتفكيك وإعادة بناء المعنى للمجموعة القصصيّة. وجدير بالذكر أنّ المجموعة تحتاج قارئاً فطناً قادراً على تفكيك الرّموز وفهم الخلفيّة الإيديولوجية والأبعاد الرّمزية لكلّ شخصيّة من شخصيات الكتاب، وذلك أنّ سفيان رجب يستمدّ شخصيّاته، كما وضّحنا من قبل، من الأسطورة اليونانيّة والإغريقيّة أو التراث العربي الاسلامي أو التاريخ أو من المبدعين العالميين. بعدها، يسرد لنا الراوي متخفّياً من وراء الشخصيات قصصاً رغم قصرها إلا أنّها حمّالة لعدد لا متناهٍ من التأويلات، وتفتح الباب واسعاً للتفكير والتحليل، ما يجعل من كلّ قصة عالماً قائماً بذاته موغلاً في الذات الانسانيّة وفي العمق الحضاري الانساني. والميزة الأساسيّة لهذه القصص رغم كثرتها وتشعّبها أنها جميعاً تحلّق في أفق واحد، أفق الانسانيّة بعيداً من أيّ تمييز عرقيّ أو دينيّ أو جنسيّ... فأهل الكتاب الأحمر هم أنا وأنت في كلّ زمان ومكان. إنّ الكاتب يقدّم لنا قصصاً في شكل لوحات أو سمفونيات تتغيّر ألوانها وإيقاعاتها وقراءتها على حسب مدى تفطّن القارئ نفسه لما تختزله من رمزيّة عليه أن يبحث عنها بين سراديب الوعي الانساني.

3/ النصّ كمرآة للضّمير الإنسانيّ المعطوب:

بعيداً من القصّاصين المحافظين على التقاليد القصصيّة المعروفة، يسعى سفيان رجب إلى التجديد والتجريب، جاعلاً لنفسه مشروعاً قصصيّاً تيمته مُلامسة الضّمير الإنساني المعطوب. الكاتب هنا ليس مجرّد ناقلٍ لواقع عاشه فجاءت قصصه كتسجيل لما عاينه من جور نفسيّ واجتماعيّ وسياسيّ، ومن تناقضات مفزعة يعيشها الانسان المعاصر. القاصّ من خلال هذه المجموعة القصصيّة هو أشبه ما يكون إلى مختصّ في الإنثروبولوجيا يحفر بعيداً في عمق الإنسان. ولا نتحدّث هنا عن الإنسان المعاصر فقط بل عن الإنسان بما هو كذلك في كلّ مكان وزمان. يذهب المبدع إلى تعرية هذا الكائن البشريّ بالنبش في كلّ ما يكوّن عمقه الحضاريّ والتاريخيّ والروحانيّ والسياسيّ. أهل الكتاب الأحمر تجربة سرديّة مدهشة يثور من خلالها الكاتب على كلّ المعتقدات والعادات والمسلّمات، ويبيّن للقارئ الفطن التناقضات العميقة التي قامت عليها الإنسانيّة: "الخير والشرّ/ الكذب والصدق/ الأمانة والخيانة/ اللّئيم والنّبيل/ ...". البعد الديني اللاهوتي بكلّ قمعه وجبروته وتحكّمه وسيطرته على العقول قبل الأجساد. يعيدنا الكاتب إلى أسطورة أوّل الخلق ثم يمضي بنا إلى الوقوف على الجانب المظلم من الذات البشريّة وما تسببّت به من ظلم ودماء وقمع للحريّات، ومن هنا كان البعد السياسي الصّارخ في هذه المجموعة، فنجد من العناوين "الشاعر البروليتاري/ قرد أصولي وقرد ليبرالي/ الشيوعيّ الصغير...".

إنّ من العناوين الأولى للكتاب "تخطيط مغناطيسيّ لحوّاء/ تحليل نفسيّ لآدم"، تبوح بمخطّط الكاتب من حيث عزمه على تفكيك وإعادة بناء الصّور والقناعات والثّوابت والأفكار المسبقة الموغلة في قاع الوعي الإنسانيّ... سفيان رجب يحفر في الذات البشريّة ويحلّق عالياً ليبنيَ لنفسه وللقارئ العربيّ بصفة عامة مشروعاً أدبيّاً يتماهى في بعض نقاطه مع المفهوم التقليدي للقصّة القصيرة ثم يتجاوزها بعيداً من حيث متانة وطرافة النّسيج السّرديّ وما يقترحه على القارئ من سفر شيّق بين ثنايا الانسانيّة، وما تتطلّبه نصوصه من ثقافة موسوعيّة ليس بالهيّنة، ما يجعل الكتاب في تقديرنا الشخصي موجّهاً إلى نخبة معيّنة من القراء ويصعب فكّ رموزه بالنسبة للقارئ العادي.



بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard