الكلفة الاقتصادية لكورونا على مذبح النظام العالمي الجديد

20 آذار 2020 | 23:43

الوقاية من كورونا (أ ف ب).

الكورونا "ملأ الدنيا وشغل الناس"، ظهرَ في كانون الأول الماضي فأحدث رعباً وخراباً لم يُحدثه أي وباء آخر في تاريخ البشرية، متنقلاً بين الأقطار وحاصداً الضحايا في الأرواح والخسائر في الاقتصاديات. ضرب لبنان وهو المترنح تحت وطأة أزماته المالية والاقتصادية والاجتماعية، فأعلنت الحكومة اللبنانية في 15 آذار الجاري حالة التعبئة العامة بسبب تفشي فيروس كورونا بما يشبه حظر منع التجوّل. وإن إعلان هذه الحالة - بغضّ النظر عن الأزمة والانهيار الاقتصادي والاجتماعي- ستترك بظلالها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي ناهيك عن الوضع الصحي والنفسي، وسيكون لها تداعيات خطيرة على مختلف الأصعدة وخاصة في ظل غياب المناعة الذاتية للاقتصاد اللبناني وقدراته الداخلية في مواجهة هذا النوع من الأزمات. فما هي الكلفة الاقتصادية لكورونا محلياً ودولياً؟

التداعيات محليّاً

بحسب تقديرات البنك الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي في لبنان يُقدر بحوالي 56.75 مليار دولار، أي بمتوسط يومي يبلغ حوالي 155.48 مليون دولار. وإن المتضرر الأول من حالة التعبئة والحظر يأتي في المقدمة القطاع السياحي والذي يساهم بحوالي 19.1% من الناتج المحلي الإجمالي ويعمل به أكثر من 10% من القوى العاملة الفعلية التي تبلغ 1,590,400 عامل، وبالتالي فإن خسائر هذا القطاع يومياً ستبلغ حوالي 29.7 مليون دولار، وتوقف حوالي 159 ألف عامل بشكل مؤقت عن العمل، وقد يُعرِّض جزءاً منهم إلى التوقف النهائي. ويترتب تعليق الرحلات إلى الكويت والسعودية وقطر خسائر على شركة طيران الشرق ‏الاوسط (MEA) نحو 265 ألف دولار يومياً، أما الخسائر التي تتكبدها ‏الشركة جراء خفض عدد الرحلات إلى إيطاليا والدول الأوروبية (الترانزيت) فتقدر بـ 20 ألف ‏دولار يومياً. ومن القطاعات المتضررة القطاع الصناعي حيث يساهم بـ 14% (بحسب البنك الدولي) من الناتج المحلي، ويعمل فيه حوالي 195 ألف عامل، وبالتالي، فإن الخسارة اليومية حوالي 21.76 مليون دولار. ونفس الكلفة سيتحملها قطاع البيع بالتجزئة والتجارة الذي يساهم بـ 14% من الناتج المحلي. وتساهم الإدارات العامة بحوالي 9.8% من الناتج المحلي، ومن المتوقع أن تنخفض إنتاجيتها حوالي 80% بسبب القرار، ومن ثم فإنها ستكبد الاقتصاد خسارة حوالي 12.19 مليون دولار يومياً. وبقرار جمعية المصارف الإقفال، فإن خسارة القطاع المالي والتأمين ستبلغ حوالي 13.99 مليون دولار لأنه يساهم بـ 9% من الناتج المحلي. إن قطاعَي النقل والفنادق والمطاعم يساهمان بـ 7% (4% و3% على التوالي) وإن خسائرهما ستبلغ حوالي 10.88 ملايين دولار يومياً. وإن الخسائر التي يتكبدها قطاع التعليم يومياً حوالي 12.44 مليون دولار لأنه يساهم بـ 8% من الناتج المحلي. ناهيك عن الخسائر التي تلحق بالمالية العامة نتيجة تقلّص جباية الضرائب والرسوم، وازدياد نسبة الفقر التي ستتخطى 50%، فضلاً عن البُعد النفسي لحالة العزلة وتفشي المرض. وقد قررت الحكومة اللبنانية تحرير 3 ملايين دولار من قرض البنك الدولي لدعم وزارة الصحّة.

التداعيات العالمية

- دوليّاً: أفادت محاكاة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي مع مؤسسة "بيل وميليندا غيتس"، بأن الوباء المتفشي، سيكبّد العالم خسائر اقتصادية عالمية تقدر بنحو 570 مليار دولار، ما يعادل 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بمتوسط سنوي. وأعلن البنك الآسيوي للتنمية أن انتشار الفيروس قد يقلص الناتج الإجمالي العالمي بين 0.1 و0.4%، بخسائر مالية من المتوقع أن تصل لما بين 77 و347 مليار دولار. وكان خبراء اقتصاديون قد قدروا أن الاقتصاد العالمي تضرر بسبب كورورنا حيث انخفضت صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم حوالي 50 مليار دولار خلال شهر شباط وحده. ويرجح بعض الخبراء أن يتكبّد الاقتصاد العالمي خسائر تفوق 160 مليار دولار لتصبح بذلك أكبر خسارة يسببها وباء في العصر الحديث، وهي تتجاوز بواقع أربعة أضعاف ما سببه فيروس "سارس" الذي اجتاح الصين سنة 2003، وقدرت خسائر الفيروس، وقتئذ، بنحو 40 مليار دولار. من جهتها، حذّرت وكالة "ستاندرد آند بورز غلوبال" في 6 آذار، من أن فيروس "كورونا" المستجد قد يتسبب بخسارة تتجاوز أكثر من 200 مليار دولار لاقتصادات دول آسيا والمحيط الهادئ هذا العام، ما يخفض النمو إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقد. وحذرت وكالة "بلومبيرغ" الاقتصادية الأميركية من تكبد العملات في الأسواق الناشئة خسائر بنسبة 30% من قيمتها، إذا ما واصل فيروس كورونا المستجد تفشيه حول العالم وفتكه بأسواق المال العالمية والأميركية، على غرار ما حدث إبان فترة الأزمة العالمية عام 2008 .وأكدت منظمة السياحة العالمية أن خسائر قطاع السياحة على مستوى العالم بلغت حوالي 62 مليار دولار حتى الآن.

- الصين: وتشير البيانات الاقتصادية الأولية التي حلّلها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في جنيف إلى أن تدابير احتواء الفيروس في الصين قد تسبّبت بالفعل في "انخفاض كبير في الإنتاج". وقد انخفضت قيمة الأسهم الصينية بأكثر من 400 مليار دولار في أول جلسة تداول يوم الاثنين 3 شباط الماضي بعد عطلة طويلة بمناسبة العام القمري الجديد، بسبب انتشار كورونا. وإن نمو الاقتصاد الصيني قد يهبط بنسبة نقطتين مئويتين خلال الربع الجاري من العام ما يعني خسائر قد تصل قيمتها إلى 62 مليار دولار. وقد ضخّت الحكومة يوم الاثنين 16 آذار الجاري 14.3 مليار دولار في النظام المالي كقروض وتسهيلات إقراض متوسطة الأجل لمدة عام واحد.

- الولايات المتحدة الأميركية: توقع تقرير اقتصادي أميركي أن تصل الخسائر المتوقعة للاقتصاد الأميركي بسبب كورونا 1.3 تريليون دولار في العام 2020. ويتوقع "غولدمان ساكس بنك" انكماش الاقتصاد الأميركي بنحو 5% في الربع الثاني من العام الجاري، وذلك مع استمرار اتجاه المستهلكين والشركات إلى خفض الإنفاق على الرحلات والمطاعم ووسائل الترفيه، نتيجة تفشي فيروس "كورونا". وتكبدت الأسواق الأميركية أعنف الخسائر، فمنذ 20 كانون الثاني وحتى نهاية شباط فقد مؤشر داوجونز أكثر من 13%، في حين فقد ستاندرد آند بورز أكثر من 11 في المئة. وسجلت المؤشرات في آخر أسبوع من شباط أسوأ أداء أسبوعي لها منذ عام 2008، ونتيجة لذلك دخلت المؤشرات الأميركية في ما يعرف بعملية التصحيح. وتم تعليق التداول في بورصة وول ستريت بعد بدء الجلسة لفترة وجيزة يوم الاثنين 16 آذار 2020 بعدما سجّل سهم "إس أند بي 500" الذي يمثل أكبر 500 شركة في وول ستريت خسارة بنسبة 7% جراء القلق من تفشي فيروس كورونا المستجد، رغم جهود الاحتياطي الفدرالي لطمأنة الأسواق. وعند لحظة تعليق التداول، كان "إس إند بي 500" قد خسر 8,14%، و"داو جونز" 9,71%، و"ناسداك" نسبة 6,12%.. وأعلن الاحتياطي الفدرالي الأميركي، الأحد، بشكل طارئ إثر الأزمة عن خفض جديد لمعدلات الفائدة الرئيسية حتى قرابة 0%، وعن برنامج واسع لإعادة شراء أصول بهدف إغراق السوق بالسيولة.

- أوروبا والخليج: ضربت كورونا السياحة في أوروبا وتسببت بخسائر فادحة، ففي بريطانيا لامست الخسائر الـ50 مليار باوند، باريس 200 مليار دولار، ألمانيا 300 مليار أورو، إيطاليا 40 مليار دولار. فقدت إسبانيا 11% من ناتجها المحلي. وتعرّضت بورصات الخليج لخسائر جديدة في 16 آذار الحالي مع هبوط أسعار النفط لأدنى مستوياتها منذ أربع سنوات بفعل الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدول لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد.

خصص البنك الدولي 12 مليار دولار من تمويلاته العاجلة لمساعدة الدول النامية على تحسين الخدمات الصحية ومراقبة الأمراض وتوفير الإمدادات الطبية ورأسمال العامل للشركات. وأعلن صندوق النقد الدولي الإثنين 16 آذار استعداده لاستخدام كامل قدرته على الإقراض البالغة تريليون دولار لمساعدة الدول التي تصارع فيروس "كورنا" المتفشي، وستذهب إلى الدول الأعضاء، وبشكل خاص الاقتصاديات النامية والناشئة. من المؤكد أن العالم بعد كورونا ليس كما قبله وخاصة بعد اتهام الصين الرسمي للولايات المتحدة بنشر هذا الفيروس على أراضيها. وسنُقبل على مرحلة جديدة من الصراعات الدولية وتسارع نشوء نظام عالمي جديد مختلف بكليّته عن سابقه.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard