كيف سيبدو عالم ما بعد كورونا؟

20 آذار 2020 | 21:07

المصدر: "النهار"

كورنيش عين المريسة في بيروت خالٍ الا من سيارة شرطة. (تصوير نبيل اسماعيل).

بات من البديهي الآن أن الأزمة الناجمة عن انتشار فيروس كورونا لن تنتهي قريباً. وتفيد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بأنه لا يمكننا توقّع حلول لهذه الأزمة قبل الصيف المقبل.

هل هذا يعني أن السفر والمدارس والعمل والتجمعات العامة في العديد من البلدان ستبقى محدودة حتى ذلك الحين؟ الأرجح نعم.

هل سيتم إيجاد لقاح وقائي في القريب العاجل؟ من جهة، سيكون ذلك صعباً، فنحن نتعامل مع فيروس جديد تماماً؛ ومن جهة أخرى، فإن العلماء ومراكز الأبحاث حول العالم لم تكن قادرة يومًا على تبادل البيانات ونتائج الإختبارات بشكل فوري كما هي الحال الآن، ما قد يسرع العملية.

ويعتبر أحد الأسئلة الرئيسية، كما ورد في أحد مؤتمرات جونسون عن الأزمة، هو ما إذا كان بإمكان الدراسات أن تجد طريقة لتحديد عدد الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس حول العالم من دون أن يبدوا أي عوارض تدل على الإصابة، ومن دون أن ينقلوا العدوى للآخرين. وللأسف لا توجد أي مؤشرات حول ذلك.

وقد تعاملت البلدان مع الأزمة بطرق مختلفة. فإذا نظرنا إلى العدد الصغير من الناس الذين أصيبوا بالعدوى في المملكة العربية السعودية، فإنه لا يمكننا إلا أن نشيد بالاستجابة الحازمة والسريعة في المملكة. تخيّلوا الضرر الذي كان يمكن أن يحصل، ليس فقط للمملكة لكن للعالم أجمع، لو أن السلطات لم تسارع إلى حصر الدخول إلى الحرمين الشريفين؟ ولو أنها لم تتبع ذلك بقرارها الذي صدر الثلاثاء بوقف الصلاة في جميع المساجد؟ من المفيد مقارنة إحصائيات العدوى في المملكة العربية السعودية مع تلك المعدة في إيران، حيث شجع رجال الدين عديمو المسؤولية، وبحماسة، الحجاج على مواصلة زيارة الأماكن المقدسة، ما يساهم في رفع معدلات الإصابة إلى أكثر من 1000 حالة جديدة في اليوم.

في المملكة، نتجت جميع حالات الـ "كوفيد-19" (الوباء المسبب للفايروس) عن الخارج، ونُقلت العدوى إلى السعوديين الذين اتصلوا بحالات العدوى هذه، لذلك كان من الحكمة أيضاً ضبط الرحلات القادمة إلى المملكة ومراقبة جميع الركاب بحثًا عن عوارض المرض. وشكّل إغلاق المطاعم وأماكن التجمعات العامة إجراءً وقائيًا فعالًا لضمان أدنى اتصال بين الناس.

أما المملكة المتحدة، فاتخذت مقاربة مختلفة، فبقيت المدارس مفتوحة، وتم ضبط معظم الرحلات عوض عن حظرها، فيما تم حضّ الأشخاص في دائرة الخطر – وخصوصًا كبار السن – على تخفيف الإتصال بالآخرين إلى الحد الأدنى. وكان هنالك الكثير من النصائح ولكن القليل من التعليمات. وكان الهدف من ذلك هو بسط تفشي المرض على مدى فترة زمنية أطول، أو "سحق القبعة" على حد وصف بوريس جونسون، في إشارته للرسم البياني الذي يُظهر التصاعد غير المتوقع في تفشي المرض، يليه انخفاض مفاجئ موازٍ له.

إذا نجحت هذه الإستراتيجية، فإن هذا لا يعني فقط أن المملكة المتحدة قد وفّرت على اقتصادها خسائر كبيرة، لكنه يعني أيضاً أنها استطاعت تفادي إرهاق برنامجها الصحي الوطني المثقل بالأعباء أصلًا. لكنها استراتيجية عالية المخاطر. فليس هنالك من معلومات كافية حول هذا الفيروس، كيف ينتشر ومن يعدي. هنالك خطر في ظل انعدام دور حكومي فعّال وقوي لمنع حركة الناس وتفاعلهم مع بعضهم البعض، أن ترتفع عدد الحالات المصابة بسرعة بجميع الحالات.

طبعًا، ستنجو الإنسانية من هذه المحنة، كما نجت في السابق من الطاعون الدبلي والأنفلونزا الإسبانية وغيرها من الأوبئة. ولكن الفرق اليوم هو في أننا نعيش في عالم مترابط للغاية، حيث لم يكن السفر يومًا متكررًا وسهلًا كما هو الآن – وخلافًا لنا نحن البشر، ليس الفيروس بحاجة لجوازٍ أو وثائق سفر للإنتقال عبر الحدود.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الأزمة ستنتهي، لكن ماذا سيحصل بعد ذلك؟ أول شيء يجب علينا تقبله هو أن العالم لن يعود أبدًا إلى ما كان عليه في السابق. وبالتأكيد لن يعود السفر كما كان من قبل. فعليك أن تتذكر في كل مرة يُطلب منك نزع حذائك عند مرورك على أمن المطار، أن تلعن ريتشارد ريد، الإرهابي البريطاني الذي حاول تفجير قنبلة أخفاها في حذائه في العام 2001 عندما كان على متن رحلة من باريس إلى ميامي. وعندما تتم مصادرة زجاجة شامبو بحجم 300 مل منك، ألقِ اللوم على مخططي محاولة تفجير رحلة العابرة للأطلسي في العام 2006 باستخدام قنبلة معدة من المواد السائلة.

على أقل تقدير، فإنني أتوقع أن تصبح الفحوص الصحية للمسافرين إجراء إلزاميًا، وأن يتم منع الركاب الذين تظهر عليهم أعراض تشبه أعراض الأنفلونزا أو الحمى من الصعود إلى الطائرة. وأتوقع أن تصبح أقنعة الوجه أيضًا مظهرًا عاديًا أثناء استخدام المواصلات العامة أو التواجد في الأماكن المزدحمة.

كذلك، يجب علينا أن نتوقع تحولًا في ثقافة العمل والسفر المتعلق بإجراء الأعمال. فكلما استغرقت الحكومات والشركات وقتًا أطول للعودة إلى العمل من المكاتب، كلما تحول العمل من المنزل من حلّ مؤقّت إلى حالة دائمة.

ونحن نشهد بالفعل انخفاضًا عالميًا في ارتياد السينما والمسرح مع انتشار تطبيقات مثل "نتفليكس" التي هي أكثر أمانًا. وبدأت تطبيقات توصيل الطعام في الحلول مكان تناول الطعام خارج المنزل؛ مرة أخرى، قد تكون الذروة في الطلب هي نتيجة مؤقتة لتفشي فيروس كورونا، ولكن قد تثبُت التغييرات في العديد من عادات المستهلك كسلوك دائم أيضًا.

وإذا كان هناك تغيير واحد يجب أن نفكر في التمسك به، فسيكون بالتأكيد موضوع زيادة الوعي لأهمية النظافة الشخصية وغسل أيدينا واستخدام المطهرات. لقد جعلنا الفيروس أكثر إدراكًا لما نلمس؛ لقد كتبت هذا المقال باستخدام هاتفي النقال، ولذلك، سأقوم الآن بغسل يديّ - بعد أن علمت للتو أن الهواتف النقالة قد تحمل جراثيم أكثر بعشرة أضعاف من تلك الموجودة على مقعد المرحاض!


بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard