رسائل في كلّ الاتجاهات: الثورة اللبنانية باقية ومستمرة

19 آذار 2020 | 11:02

تعبيرية

في صبيحة اليوم الخامس والخمسين بعد المئة على بدء ثورة الكرامة، كأن عصراً جديداً قد بدأ وباء الكورونا بفرضه. إنه الانكفاء العالمي كل دولة داخل حدودها. إنه زمن الانكفاء وزمن كشف الكثير من زيف التضامن والدعم المتبادل. أقفلت المطارات وهي شرايين العالم، وأطفئت المحركات والمدارج، وتراجع تبادل الأبحاث لمواجة الوباء المميت إلى ما دون الحدود الدنيا.

في الدول حيث السلطات منتخبة منبثقة من إرادة الناخبين، رُصدت الموازنات الكبيرة لانقاذ الناس بتأمين الرواتب وكل أشكال الدعم، وكذلك دعم مؤسسات الانتاج حتى تستمر لاحقا فرص العمل ولا ينهار البلد المعني. وانهالت التبرعات نظرأ لوجود ثقة عالية بين المواطن والدولة.

أما عندنا فمصالح الناس وحقوقها هي حقل تجارب لهواة – واجهات لمنظومة فساد ولصوصية مكشوفة. الواقع، بات في إمكان المواطنين منذ أن تم فرض سلطة الشؤم القائمة على الناس والبلد، تأريخ الأيام بحسب الأحداث وما أكثرها.

حدث اليوم هو يوم قوننة سرقة الودائع، أي النهب على المكشوف لجني أعمار الناس!

وراء ستار الكورونا، الذي أخرج الناس من الشارع، واوقف ضغط الساحات، وفي ظل "التعبئة العامة"، ميني طوارئ، ستذهب الحكومة - الواجهة إلى فرض مشروع "الكابيتال كونترول" الذي يمكن كارتل المصارف وبالقانون ولمدة ثلاث سنوات من ممارسة الاستبداد بالمودعين لأن القانون يتيح لهذه الزمرة حجز أموال الناس رغماً عن أنوفهم.

اليوم، يلبث المواطن في منزله، وكثرٌ من الشباب تطوعوا في غير منطقة لمد يد العون لمن يحتاجها. المبادرات تتلاحق لتزويد غير القادرين على الانتقال احتياجات غذائية أو دواء أو أو سوى ذلك من خدمات.

وحدها السلطة السياسية، وكي لا نضيع بالعنوان، وحدها الحكومة – الواجهة، التي فرضها "حزب الله" وحليفاه في بعبدا وعين التينة، والرعاية الخارجية، ستمرر مشروع قانون أقل ما يمكن أن يوصف به، أنه يتيح لمنظمي المنهبة المصرفية وحماتهم من السياسيين وضع رقاب الناس تحت المقصلة.

لا يتوهمنّ أحد، لئلا تزداد خيبته.

ليس من أولويات الحكومة التي جيءَ بالبروفسور لترؤسها، السعي ولو شكلاً لاستعادة الأموال المنهوبة سواء ما كان بالسطو على المال العام أو سرقة الودائع المصرفية. ولا يفكرنّ أحد في وجود أي نية بالمحاسبة. فالبلاد أمام مشروع قانون تم تفصيله على قياس المتهمين بالسرقة، الذين أخرجتهم الثورة من الساحات. إنه يحجز الأموال ويمنع المتضررين، وهم أصحاب أكثر من مليونين ونصف مليون حساب، من اللجؤ إلى القضاء لاستعادة أموالهم.

إن ما يُرتكب هو أمر متصادم مع الدستور الذي جعلوه وجهة نظر، وفرضوا على المودعين تحمل وزر التفليسة التي تضرب البلاد، ومضوا قدما في نهج يتقدم بشكل حثيث لتدفيع عموم اللبنانيين كلفة الانهيار والفرار بأموالهم التي دأبوا على نهبها. نذكّر الناس بأنها تتجاوز رقم 81 مليار دولار، أي تقل قليلا عن إجمالي المديونية التي تسبب بها نظام المحاصصة الطائفي الفاسد.

بالتوازي مع هذا المنحى الجرمي، تبرز وصفقة الخزي بإطلاق جزّار الخيام عامر فاخوري، التي لم يجف حبر قرارها بعد، والتي أماطت اللثام عن أولويات الفريق المتسلط الذي امتهن هذه المرة الكرامة الوطنية ولم يتنكر فقط لدماء المقاومين الأبطال الذين حرروا الأرض من رجس العدو الاسرائيلي، حيث يتواصل منحى الانتقام من الناشطين السياسيين. آخر الانتقامات، استدعاء الناشط الحقوقي جورج قزي للتحقيق.

فلنتخيل فظاعة المشهد: العميل فاخوري تتم تبرئته، ويستدعى أحد الناشطين بتهمة ممارسة حقه في التعبير؟

يتم الاستدعاء مع مفارقة كامنة في المخاوف الحقيقية من انتشار الوباء نتيجة الاختلاط!

اليوم أيضاً، وبعد أيام على مرور ذكرى 14 أذار، وهو اليوم التاريخي الذي اختطفته القوى الطائفية التي اغتالت "انتفاضة الاستقلال"، يكثر الحديث هنا وهناك وتكثر النوستالجيا، وتتلاحق محاولات تلميع الصورة من الباحثين عن موقع، حيث يتم إخراج مبادرات عقيمة وأفكار أكلها الغبار وبال عليها التاريخ وأحداثه الجسام، فيطل كثر في أحاديث صحافية أو تستضيفهم شاشات، أو يكتبون ويصرّحون، وفي ظنهم أن من السهل عليهم ركوب الموجة الشعبية التي صنعت ثورة تشرين، وبعض هؤلاء يصدق نفسه أن موقع التوجيه والتأثير ينتظره وأن القيادة من الخلف هي بين يديه.

لكل هؤلاء، ولكل من كان جزءاً من النصاب الطائفي لـ 14 أذار، كلمة واحدة : تقاعدوا. ما من جدوى بعد الآن لأي محاولة للربط بين ما ارتضيتم أن تكون "ثورة الأرز" (وليس انتفاضة الاستقلال) وبين ثورة تشرين التي لن تمنحكم صك براءة!

مرة أخرى، نعود إلى ما ذهبت إليه باكراً ثورة تشرين عندما أكدت أن الممر الوحيد أمام البلاد لوضعها على سكة الانقاذ يكون من خلال الصدمة الايجابية المتأتية من قيام حكومة من الاستقلاليين المستقلين عن الاحزاب الطائفية وممن لم ينغمسوا في أي يوم مع منظومة الفساد، ما يفتح الطريق لاستعادة العمل بالدستور والتزام القوانين لتقوم الدولة الحديثة العلمانية وليس دولة إئتلاف ميليشيات المال والسلاح التي يقودها "حزب الله" ولم تورّث اللبنانيين إلاّ الانهيار.

كلن يعني كلن. الثورة باقية ومستمرة وعام 2020 سيكون عام انتصار الشعب اللبناني.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard