عيد الام في زمن الافلاس والكورونا

19 آذار 2020 | 10:28

المصدر: النهار

للإنسانة التي حملتنا تسعة شهور، ثم أتعبناها عمرًا طويلاً

للإنسانة التي حملتنا تسعة شهور، ثم أتعبناها عمرًا طويلاً، لمن سقانا الحب والحنان والطيبة والدفء، وكان مصدر قوّتنا ونجاحنا، فمهما كتبنا نثراً ونظمنا شعراً لن نفيها جزءًا يسيراً من حقّها.

مرحلة مؤلمة وتعيسة نمر بها مطلع هذه السنة، تزيد من آلامنا وأوجاعنا آلاماً وعذابات جمّة. فمع الكارثة الاقتصادية التي أصابت هذا البلد وشعبه، والتي اأَّت إلى إفلاسات وصرف تعسفي للعمال، وتوقف الحركة الاقتصادية، وضياع جنى العمر في المصارف، يضاف إلى كل تلك الهموم هم جديد، أرخى بظله فوق كاهل الإنسان اللبناني، وهو وباء مستجد قد يتسبب بقطع أنفاسه، ونهاية حياته بعد ان قُطعت أرزاقه بالفساد والهدر المستشريين في البلد.

غالبيّة الناس اليوم، تمرّ بمرحلة ترقب لوباء تجهله وتجهل تداعياته. وحتى الأطباء يجهلون ما مدى مقاومة الإنسان له، ومن هم الناس القادرون على مقاومة هذا المرض، ومن هم الذين قد يفشلون في التصدي له من المرضى، الذين قد يسقطون صرعى أمام أبصار أحبائهم فيما العلاج الناجع غير متوفر حتى الآن ... أثّرت كل تلك الأمور على الجميع، وأدخلتهم في حيرة وهلع على أنفسهم وعلى أحبائهم، ورتبت عليهم هموماً ثقيلة، وهذه الهموم تتكاثر وتتثاقل على قلب من لها الطيبة والحنان الوفيرين، ألا وهي ست الحبايب الأم الحبيبة.

لمجرّد أن تصحو الأمّ من نومها وتفتح عينيها، وهواجس الأوضاع السيئة تقلقها لثقل همها، وتفكيرها الدائم بأحبائها، وأحباء أحبائها الذين هم اولادها وأولاد أولادها، فهي الأم وقلبها يخفق حباً ودعاء لهم بالصحة والتوفيق في أعمالهم ودروسهم، فقلب الأم يخفق دائماً بالحب والخير في عالم جاف، تحطمه المادة، وجشع التجارة، وحب المال.

مع انتشار وباء الكورونا في مجتمعنا، يتصدى لهذا المرض أمهات يعملن على هزمه، ودحره دفاعاً عن أحبائهن فلذات أكبادهن. فالعديدات من أمهاتنا اليوم، هن طبيبات وممرّضات يخدمن في المستشفيات، يعرّضن أنفسهن للخطر، يتحدوّن مشاعرهن ويضحون بوقتهن ليصبحن فرداً من أفراد الجنود المجهولين، ويواجهن بكل جرأة وباءً تفشى في الأرض زارعًا الرعب في قلوب البشر كلهم.

بالامس كان مشهد الأم الممرضة لارا، من مستشفى بيروت الجامعي، والتي عايدت أولادها الثلاثة، وأمها المريضة بالسرطان بدموع الفخر والاشتياق، موجّهة لهم التحيّة، قائلة: "هل مرّة رح يعيدوني عبر "skype" أو "video call"، ولكن هيدا الشي قسرًا، لانّو أنا مضطرّة إحميهن وإحمي حالي، ومضطرّة دافع عن شعب وعن وطن!". فعلاً، إنّ كلام لارا قد علّمنا درسًا وطنيًا وإنسانيًا لأم مجاهدة ومحبة.

سائر الأمّهات لسن بأفضل حال من لارا، فهن يعشن الخوف والقلق على مصير أبنائهن، إن كنّ ربّات منازل أو موظفات أو عاملات، فأعينهن شاخصة دائماً إلى صحّة أطفالهن وعلى مستقبلهم الدراسي المعلّق إلى الآن، وعلى حالة الانهيار الخطير في الأوضاع الاقتصادية.

العيد هذه السنة، يختلف لشدة مرارته وعمق الحب الذي ولَّدَتْه تلك المرارة، فالكل قابع في منزله محجوراً، يخشى الخروج من بيته، ممتنع عن المقابلات، يخشى أن يقبِّل يد أمه أو معانقتها حتى لا ينقل لها وللعائلة عدوى المرض.

لكن هذه السنة مع كل مرارتها وحزنها، الأم تبقى أمًّا، فهي نبع الحب وهي المحبوبة الحنونة التي سقتنا ذاك الحب الذي صنعنا أخوة بين الناس وأعطانا الخير كي نعطيه لنبني السلام.

عيد الأم لهذه السنة هو نبض في قلوبنا يخفق من حب أمهاتنا، فمن علمنا الحب والعطاء يجب أن يقابل بالحب والعطاء نفسهما.

لإن احتجازنا في منازلنا كان له أثر إيجابي، لأنه خلق لنا وقتاً مريحاً للقاء أمهاتنا، ولِأن ندرك قيمة هذا الحب المعطاء الذي علمنا أن الحقد على الناس لا ينفع، وأن التباغض والصراعات مع الآخرين يجب أن ننبذها وعلينا أن نعود ونسامح ونتسامح.

قلب الأم، علمنا بأن لكل إنسان أماً تحرص عليه، تفرح لفرحه وتحزن لحزنه، وأن هذه المعادلة هي معادلة الحب وهي التي تصنع السلام والتآخي بين البشر.

مع حملات التزام البيوت لمحاربة الفيروس، سنجد وقتاً أكثر لأمهاتنا، وهذا الوقت لم يكن يتوفر بتلك الراحة من قَبل، وعلينا اتخاذ كل تدابير الحيطة والحذر، والمكوث عندهن وقتا أطول، وأن نزرع الاطمئنان في قلوبهن في هذه الأيام المقلقة والحزينة.

كل عيد أم، وكلّ أمّهاتنا بخيرٍ فرِحات.


خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard