ومن قال إن كورونا من غضب الله؟!

16 آذار 2020 | 15:39

تعبيرية

نتأمّل في النّص الرائع من إنجيل متى 21(: 33-46)، الذي لا يستطيع إلا أن يكون مرتبطًا بالأحوال والظروف التي نعيشها، والتي يعتبرها كثيرون سيئة مادياً، مرضيًّا، واجتماعيًّا.

لكن من المؤكّد أن هذا الوقت هو مبارك ومقدّس روحيًّا كما جميع الأوقات.

يقول مار بولس: "كل شيء يؤول إلى خلاص الّذين يحبّون الله". ولمّا قال كلّ شيء، يعني كل شيء، بما فيه الظروف التي نعيشها وتفشّي مرض الكورونا والأحوال المادية الضيّقة.

أريد الإنطلاق من فكرة سمعتها مراتٍ من أشخاص وعلى مواقع التواصل الإجتماعي في "بوستات" أو من خلال عظات أو تأملات لبعض الأشخاص، معتبرين أن مرض الكورونا من غضب الله، أي إن الله أرسله إلينا من أجل أن نتوب.

أريد أن أؤكّد لكم حتى لَو انزعج البعض، أنَّ هذا الكلام لا يمتّ بصلة لإيماننا المسيحي. لَو كان الله يريد إرسال أمراض وأوبئة بسبب الخطيئة، كان يجب أن يرسل أقوى مرض وأقوى وباء عندما صلبوا ابنه يسوع المسيح.

بالعودة إلى الإنجيل، يخبرنا النّصّ 3 مرات عن ربّ الكرم أي الله، وكرمة الله أي شعبه. المكان الذي يعطي فيه الله ثمرة الحياة الأبدية على الأرض. 3 مرات يستخدم كلمة "أرسل"، لكن ما من مرّة قال أرسل مرضاً أو وباء أو عقاباً. 3 مرّات يقول أرسل، أرسل "عبيده"، أرسل "عبيدًا آخرين"، أرسل "ابنه".

الله لا يعرف أن يرسل إلا عبيده، أنبياءه، وابنه.

ومن بعد إرساله ابنه لم يبق عنده شي آخر يرسله. واليوم ماذا يرسل الآب لنا في هذه الظروف؟ ابنه!

تسألوني: من أين أتى الكورونا؟ كل فترة تظهر على الأرض أوبئة جديدة وفيروسات جديدة مثل السارس والطاعون... مثلًا في زمن يسوع المسيح كان البرص منتشرًا... إذًا، إنّ ذلك من عوامل الطبيعة.

نستطيع القول إنها مشيئة الله بطريقة غير مباشرة بحيث خَلق الكون فيه أمراض وفيروسات وبكتيريا، خلقه يتفاعل مع ذاته، ونحن نعلم أنّ كل ذلك يدخل في مشروع الخلاص بطريقة معيّنة، ومن خلالها يريد الله زيارتنا.

لكن أبدًا، ليس الله من أرسلها ليوقظنا! أبدًا! إنّما الله من خلالها يكلّم حياتنا وعلينا أن نعي ذلك. ففي الأوبئة أو بدونها نحن مدعوّون للتوبة ولحُبّ الله في كلّ الظروف.

فإذا قلنا إنّ الله أرسل كورونا، غدًا عند انتهاء الكورونا هل نعود إلى خطايانا؟ أبدًا! كل ظرف من ظروف حياتنا هي فرصة لنتعلّق بحُبّ الله.

لقد أحببت كثيرًا في نَصّ الإنجيل عندما رفضوا ابنه وقتلوه، فيسأل يسوع الناس في ذاك الوقت: "برأيكم ماذا سيفعل رب الكرم عندما يقتلون ابنه"؟

يُجيب الناس: "سوف يهلكهم شرّ هلاك ويأجّر الكرم لكرّامين آخرين يؤدّون إليه الثمر في حينه".

البعض يخال أنّ هذا جواب يسوع. إخوتي هذا ليس جواب يسوع. إذًا جوابُ من هذا؟ جواب الفرّيسيّ، جواب الّذين أرادو قتل يسوع، جواب العشّار الّذي يتحدّث عنه، إخوتي هذا جواب العقليّة المضادّة ليسوع. هذه العقليّة التي لا تفهم يسوع، عقلية الناس الّذين يرفضون ابن الله ويخالون أنّ دوره أن يعاقب ويضرب لأنّ فيهم ما يكفي من الحقد، والشر، والإدانة.

أنظروا إلى جواب الله على شرّ الإنسان الذي قتل ابنه، يقول لهم: "أما قرأتم في الكتب؟!" كأنه يقول: أما قرأتم العهد القديم؟ ماذا في العهد القديم؟ "الحجر الذي رذله البنّاؤون هو الذي صار حجر الزاوية، ذلك صُنع الرب وهو عجيبٌ في أعيننا". بِماذا أجاب الله؟ أنتم رفضتم ابني وصلبتموه وقتلتموه، أمّا أنا فسأجعله حجر الزاوية، حجر الأساس حتى لحظة تريدون بناء حياتكم، لا تستطيعون أن تبنوها إلّا عليه. أمام خطايانا، أمام رَفِضنا، أمام قتلنا ليسوع المسيح الّذي ما زلنا نقتله بخطايانا، لا يردّ الله بفيروسات وعقاب وضربات وخراب. بل يعطينا ابنه يسوع المسيح ويقول لنا هذا حجر الزاوية، إبنوا عليه حياتكم. لأنه لَو أراد الله رمي الأشرار وإعطاء الكرمة لأناسٍ آخرين، كنّا جميعًا الآن في الخارج. مَن مِنّا بلا خطيئة أو لم يسبّب يومًا الأذية لأحدٍ ما؟ عندما زار البابا فرنسيس سجن روما، قال: "عند دخولي إلى السجن أطرح سؤالًا على نفسي، لماذا هم وليس أنا".

كبار القديسين يدركون كلام يسوع... "إذا كنتَ يا رب لأثامي راصداً، من يثبت؟ ولكن من عندك الخلاص".

من عندك الرحمة، من عندك المحبة. أنت تستخدم كل شيء حتى تعيدنا إليك، تستخدم حتى الأمور الطبيعية مثل فيروس كورونا اليوم، لتذكّرنا أنّ حياتنا لا تُبنى إلا على صخرة يسوع المسيح.

إذا أردنا بناء حياتنا على المال، فها هي أموالنا في المصارف مقفلٌ علَيها. إذا أردنا البناء على التبضّع، فها هي المحلّات التجارية مقفلة حاليًّا. إذا أردنا البناء على الصحة فكلنا مهَدَّدون. إذا أردنا البناء على الصداقات فاليوم كلٌّ منّا في منزله. وإذا أردنا البناء على الملذّات فبلحظةٍ ممكن أن ينتهي كلّ شي.

كلمة الله اليوم، أمام فيروس كورونا والوضع الذي نعيشه، كلمة واضحة : "أعطيتكم حجر زاوية لتبنوا عليه حياتكم".

إخوتي إلهنا ليس إله دينونة، إلهنا ليس إله ضربات.

إلهنا إله خلاص! إلهنا إله رجاء! إلهنا إله محبة، ورحمة.

يقول لنا: "أدّبتك قليلًا لتعي خطاياك وشرّك ولكنّي غمرتك برحمتي لتَلد من جديد".

مع يسوع، إخوتي، لدينا إمكانية أن نولد من جديد.

اليوم بإمكاننا مواجهة مرض الكورونا، والأزمة السياسية أو الاجتماعية أو الماديّة، بفرح ورجاء مع يسوع المسيح، لأن ما من شيء يقوى على فرحنا وسلامنا وإيماننا الصامد. ما من شيء يقوى على أن نبقى واقفين مثل مريم تحت الصليب. ما من شيء يستطيع أن يركّعنا! لكن هذا لا يعني أنّنا لن نصاب بالمرض. قد نصاب بمرض الكورونا، فالقديسون مرضوا أيضًا. ليس صحيحًا أنّ من يصلّي أو يردّد المسبحة أو مَن يتبارك بمياه مقدّسة لا يمرض، إياكم أن تصدّقوا هذا الكلام.

عندما قال لنا يسوع المسيح: "خذوا كُلوا هذا جسدي"، لم يقل جسدي للفيروسات وللأوبئة، بل قال: "خذوا كُلوا هذا جسدي لمغفرة الخطايا وللحياة الأبديّة". أمّا الّذي يرفض حب الله، يقول يسوع: "يُؤخَذ منه ملكوت الله ويُعطى لآخرين". ما هو ملكوت الله؟ هو ليس فقط السماء بعد الموت، ملكوت الله هو أن يدع الإنسان الله يملك على حياته، أن يجعل من يسوع سيّدًا على حياته. ماذا يعني أن يكون يسوع سيّدًا على حياتي؟ هذا يعني أن أدرك أنّ فرحي لا يأتي إلا منه!

قوّتي ورجائي وخلاصي وسندي وسلامي منه هو!

إذا وضعت سلامي بالمال سوف يُنتزع مني الملكوت لأنني إذا خسرت مالي خسرت نفسي. إذا رأيت سندي بالصحة فعندما أمرض أخسر نفسي، إذا بنيتُ سندي على المظاهر الخارجية أو الملذّات أو محبة الناس لي، عندما أنعزل في منزلي أصاب بالاكتئاب. ولكن إذا كان سندي مبنيّاً على يسوع فهذا هو الملكوت ولا أحد يقوى على سلبي إياه أبدًا.

الملكوت يُعطى لِمَن يريد يسوع المسيح أن يكون ملكًا على حياته لأنه هو الملك الحقيقي هو ربّ الملكوت. لذلك إخوتي نحن مدعوّون اليوم أن نفتح قلوبنا لكلمة الرّب.

في هذا الظرف، إذا عزلنا أنفسنا في البيت، فلنعلم أنّ وجودنا في المنزل هو فرصة لنكتشف هذا الصديق الذي هو معنا: يسوع. وإذا أُصبنا بمرضٍ وارتفعت حرارة جسدنا، فهذه فرصة لنكتشف أنّ ما من أحد معنا في فراش المرض إلا يسوع.

إذا كنّا في ضيقة ماديّة، فذلك لنكتشف عناية الله وأُبُوّته ونعرف أنّ حياتنا منه هو.

اليوم نحن مدعوّون لاكتشاف حب الله بعمق ظروفنا القاسية، حتى تتّم فينا كلمة الله كما قال مار بولس: "إن حيينا، نحيا للرب وأن متنا، نموت للرب، ومن يموت للرب لا يموت بل يدخل إلى الحياة، والحياة الأبدية مع يسوع المسيح".

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard