أَيُ دورٍ للإعلام في زمن الأزمات، وكيف يُسهم بإنجاح حالة الطوارئ الصحية وتطبيقها؟

15 آذار 2020 | 18:26

الواجهة البحرية لبيروت (تصوير نبيل اسماعيل).

إِنَّها اللَحظة الأَنسب والأَكثَرُ إتاحَةً أَمامَ وسائلِ الإعلامِ اللبنانية، لِتُؤَكِّدَ فِعلاً وقَوْلاً وصورةً وفاعليَّةً أَنَّها "سُلطَةٌ مُشارِكِة" بقيادةِ عمليَّةِ الحريَّةِ التعبيريَّة، وحمايةِ الديموقراطية الشَعْبِيَّةِ والسياسية، ولِتَستعيدَ بِقُوَّةٍ وَهجَها الرياديَّ وموْقِعَها الاستقلالي بأَنْ تكونَ سَنَداً داعِماً وصَلباً للسياسة الوطنية التي تتخذها الحكوماتُ في "زَمَنِ النزاعات" الخلافية، وبالأخَصِّ في "وَضْعِيَّةِ الأزمات" الحادَّة، و"حالاتِ الطوارئ" الأمنيَّةِ والصحِّيَّة، كَمِثلِ الحالةِ الجُرثوميَّةِ المُتَفَشِّيَةِ التي يُعانيها العالَمُ اليوم.

لقَدْ أَثْبَتَ الإعلامُ اللبنانيُ التلفزيوني والإذاعي والوَرَقِي، في خلال أزَمَةِ كورونا، أَنَّهُ إعلامٌ احترافِيٌ ومهَنِيٌ وذو خُلُقِيَّاتٍ رَفيعة، مُلتَزِماً بِروحِيَّةِ الشُرَعِ ومَواثيقِ الشَرَفِ الناظِمَةِ للعلاقةِ الثُلاثِيَّةِ بَيْنَهُ وبينَ السُلطَاتِ الدستورية والرسميَّة، والسلطةِ الخامِسَة، التي هي "سُلطَةُ الرأيِ العام"، والتي نَثِقُ أنّها قادِرَةٌ أَنْ تكون "الحَكَم" عِندَ الخلاف، وأَنْ تَقومَ بِمهمات "الحاكِمِ المُنْفَرِد" عندَ الضرورَة، وصاحِبَةَ الكَلامِ الفَيصَلِ في تَقويمِ الأداء الإعلامي والحُكمِ للإعلامِ أَوْ الحُكمِ عَليْه.

إِنَّ وَضعِيَّةَ الأَزَمَةِ التي يعيشُها لبنانُ اليوم، كما العالم كُلُّه، هي حالةٌ استثنائِيَّةٌ غَيرُ مُتماثِلةِ مع ظروفٍ قاهِرَةٍ مَسبوقَة، لِجِهَةِ الإجراءاتِ العلاجيةِ والاحتياطِيَّةِ والوقائيَّةِ، التي سارعَتْ المُجتمعاتُ التي ضَربها الڤيروس الجرثومي، الى إعلانِ حالاتِ طوارئَ صحيّةٍ وأمنية، للحَدِّ من انتشار الڤيروس ومحاصرته ومحاربته والقضاء عليه. وقد لاقتِ المُنظَّماتُ الدولية والإنسانية، الدولَ المُصابَةَ الى مُنتصفِ الطريق، وقدَّمتْ لها العونَ المادي والاستشاري والصحي والمواد المُساعدة للعلاجِ والوقاية، وترافقَتْ كُلُّ مراحلِ التضامنِ الإنساني مع تركيزِ دَوْرٍ لافِتٍ للإعلامِ بكُلِّ أنواعه وفنونه والذي يقومُ بمهمات رَئيسَةٍ وذاتِ فاعليَّة مُؤَكَّدَةٍ في مُحارَبَةِ الوباءِ الجُرثومِيِّ الطارِئ المُستَجِد، الذي هَزَّ الكياناتِ السياسية، وكَشَفَ هَشاشَةَ الترساناتِ السلاحِيَّة، وفَضَحَ صورَةَ الحضاراتِ المُجَمَّلَةِ بمساحيقَ كَشَفها فِعْلُ الزَمَن فيها.

لبنانُ اليومَ يقعُ على فالِقِ ڤيروس كورونا، والدولةُ بِكُلِّ سُلطاتِها الكِيانيَّةِ والدستورية، وأجهزتها العسكريةِ والإدارية وقطاعاتها الطبيّةِ والصحيةِ المُتَخَصِّصَة، تَعيشُ حالَةً من الاستنفار الَجَدّي المُلازم لمُتَطَلِّباتِ المَرحَلَةِ على دِقَّتِها وحَراجَتِها، فَضلاً عن مَخاوِفِ الناسِ وانشغالاتِهم وإجراءاتِهِم الإحترازيَّةِ والوقائيّة، التي سارعوا الى اتخاذها، حِمايةً لأنفسِهمِ وتَحصيناً "للأمن الصحّي" للمجتمعِ وتجاوباً مع الإطلاقاتِ التحذيريَّةِ والبياناتِ التوجيهيَّةِ والتوْعَوِيَّةِ التي أَعلَنتها الحكومَةُ والمَرْجَعِيَّاتُ الطبيَّةُ والمنظمات والنقابات الصحية، والتي كانت مِحوَرَ خطَبِ وتصريحاتِ المسؤولين السياسين، وبياناتِ المَرجَعِيَّاتِ الروحية، والتي أَكَّدَتْ على ضرورةِ التكاتفِ الجامع بين كلِّ القُدراتِ الوطنيَّةِ للتَصرُّفِ بِوَعيٍّ وقيادَةِ الأزمة وإدارتها بعناية، وصولًا الى تجاوز هذه المِحْنَةِ بأَقَلِّ قَدرٍ من الخسائرِ والضحايا.

مَنْ هذه الركيزَةِ الاعتمادِيَّةِ للإعلامِ ودورِه كَشريكٍ في مواكبةِ الأزمةِ الجرثوميّةِ وما قدْ يَتفَرَّعُ عَنها من تداعيات، يَنْطَرِحُ سُؤالٌ عُمْقِيٌ من صلبِ الوضعيّةِ الاستثنائِيَّةِ التي يعيشها البلد، عنوانُه: "أَيُّ دَوْرٍ للإعلامِ في زمنِ الأزمات وحالة "الطوارئ الصحية؟".

من المفروض ان يكون للإعلام المَرجعيِّ والمُقَوْنَنِ نقابياً والمُمَارَسِ نِظامِيَّاً، دورٌ أساسي في تطبيقِ أَيِّ خِطَّةٍ استراتيجيةٍ على النطاقِ الوطني والاجتماعي العام، إِنْ لناحيةِ تقديمِ الاستشاراتِ الإعلامية المُتَخَصِّصَةِ واللَّازمةِ، وإِنْ لناحيةِ الإسهامِ بتوعيةِ المجتمع وتحذيره وتقويةِ المعنويَّات، وإبعادِ الإحباطِ عن الناس. فأَيُّ إجراءاتٍ واتخاذِ لقراراتٍ ميدانية تُقرِّرها الحكومَة، إنما تحتاجُ الى سياسةٍ إعلامية تعتمدُ استراتيجيةً تنفيذيَّةً تواكِبها، وتُظَهِّرُ دَورَها، وإلّاَ بَقِيَت "المُقرّرات" حَبيسَة البياناتِ الورَقِيّةِ والتصريحاتِ اللَّفظيِّة، واستحالَت "أَقوالاً بلا أفعال".ومعَ طَرحِنا لِسؤالِ المَرجَعِيَّةِ الإعلامية، ودورها في ضبطِ آلِيَّةِ عملِ الإعلاميين، في حالة الطوارئ، في ظِلِّ غيابِ "ناطقٍ رَسمي" للبنان، يُمْكِنُنا تَحديد أبرزِ مُواصفاتِ "الإعلامِ الصحّي"، وأَهَمِّ خصائِصِ الإعلام التَخَصُّصيِّ في "زَمَنِ الأزمات"، والتي تتركَّزُ على النقاط والأمور الآتية :

١-الحرصُ على التخصصية الاحترافية في أصول التعاملِ مع الأمورِ الدقيقة في الظروف الخَطِرَةِ، مثلَ حالة كورونا الوبائِيّةِ، وما يتطلبه العمل الإعلامي من ثقافةٍ صحيةٍ ومعلوماتٍ لازمة، تُمكِّنه من تأْديةِ عَملهِ بموضوعيةٍ ومسؤوليةٍ مُطلَقَة، بعيداً من الانحيازِ وتجاهُلِ الواقِعِ.

٢- أَنْ يَعرفَ (ماذا يقولُ؟) و(ماذا لا يقول) و( متى يتكلّم) و(متى يُحْجِمُ عنِ الكلام؟) و(مَتى يَختبِئُ داخلَ النَصِّ؟). وكلُّ ذلك، كيْ لا يقعَ في خَطأِ التَسَرُّعِ، ثُمَّ يَضطَرُّ الى التصحيحِ والاعتذار.

٣- أن يَحرصَ على أخذِ معلوماتِهِ منَ المصدرِ الصحيحِ. وهنا تُطرَحُ مَسأَلَةُ غِيابِ "الناطقِ الرسمي الإعلامي"، إضافةً الى وجوب الاعتماد على "المرجعِيَّةِ الطبيَّةِ والصحية" المناط بها إصدار البياناتِ ذاتِ العلاقةِ بتطوّراتِ الحالةِ الوبائِيَّة، وخطورة انتشارِ المَرَضِ وأوضاع المُصابينَ والضحايا، من دون أَنْ يكون للإعلامي الحَقُّ بالتصرَّفِ بالأعدادِ والنِسَبِ والأرقام، وإعطاءِ اجتهاداتٍ وآراء واتخاذ مواقفَ تخرجُ عنْ محدوديَّةِ مَهماته، وتَفوقُ قُدراتِهِ المَعرفِيَّةِ في هذا النطاقِ الطبّي الضَيِّق والعلميِّ الخالص.

٣- أَنْ يُجيدَ استعمالَ "المُصطلحاتِ الطبِّيَة" المُتَخَصِّصَةَ، يُوَظِّفَها في المكانِ الأنسبِ ويَستخدِمها في الوقتِ الأَفضل. فأَيُّ استخدامٍ لِمُصطَلَحٍ خَطأٍ أو بالخَطأ، ستكونُ له انعكاسات ثلاثِيَّةٌ على الإعلامي نفسه، وعلى الوسيلة التي يعملُ فيها، وعلى الجمهور الذي يُتابِعُهُ ويَثِقُ به. وبالتالي فإنّ الإعلامي يُراكِمُ رصيدَهُ من النجاحاتِ التي يُحقِّقها في خلال عمله، وليسَ مَسموحاً له أَنْ يفقدَ ثِقةَ الناس التي بنى مداميكها بجهودٍ طويلة.

٤-الحرص على التنسيق مع "إدارةِ الكوارث" والمصادر الطبية الرسمية والمرجعيات النقابية والقطاعات الصحية، للحصول منها على معلوماتٍ مؤكَّدة، يُمكِنه استخدامها في تغطياته وتحقيقاته ومقالاته، ويُغني بها معارِفَه، من حيثُ أَنَّهُ مَعنِيٌ بإنجاحِ العملية الإعلامية وإدارتها في حالة الطوارئ والأوقات الاستثنائية التي يعيشها العالم، بِكُلِّ طبقاتِهِ الاقتصاديةِ وأحواله الاجتماعية النافرة.

٥- أن يكون للإعلامِ الحقُّ بالوصولِ الى المعلومات والحصول عليها، والموازَنَةِ بِنَشرِها أو الإحتفاظ بها، وأَنْ يدرسَ مِقدارَ النَفعِيَّةِ من تَعميمها ونشرها .

٦- أَنْ يحرص الإعلامي على التمييز بين ثلاثة مستوياتٍ من التعامل مع "الخبر الخام" و"المعلومةِ غيرِ المؤَكَّدَة": فهوَ إِنْ كانَ مَسموحاً له "أَنْ يَتَوَقَّع" ضِمْنَ الإمكاناتِ المتوافرة حتى الآن، وأنْ يكونَ مُتاحاً له "أَنْ يَرتَقِب" على ضَوءِ مُعطياتٍ ومعارفَ وإمكاناتٍ خاصة، إِلّاَّ أنّه مَمنوعٌ عليه "أَنْ يَتَنَبَّأ"، لأنَ ذلكَ من أعمالِ الغَيْبِ. والإعلامي الاحترافي المَسؤول لا يَتعامَلُ إلاَّ معَ الحَقائق الخالصة والحالاتِ المؤكَّدة. وإلّا فَقَدَ خَسِرَ من رَصيدِه، وفَقَدَ ثِقَةَ المُسْتَعْلمينَ بِهِ ووَقَعَ بالخَطأ المهني القاتِلِ، تَماماً مثلَ خبيرِ المُتَفَجِّراتِ الذي يُخْطِئُ مَرَّةً واحدةً فقط لا غَير .

إضافةً الى كُلِّ ما سبقَ من معاييرَ وضوابط للقيامِ بالمهامِ الإعلاميةِ اللازمة في زمن الأزماتِ الوطنية و"حالات الطوارئ"، فإنّهُ من المَفروضِ أَنْ يكونَ للمرجعياتِ الإعلامية دَوْرٌ رَئيسيٌ ومُشارِكٌ في تنفيذِ مراحِلِ خطِّةِ الطوارئِ وإنجاحِها. يكونُ ذلكَ بالتنسيق المباشرِ مع القوى الأمنية والرقابية، بما يُمَكِّنُ وسائِلَ الإعلام من أن تقومَ بكاملِ دورها في التوعيةِ والإخبارِ والتحذيرِ والتنبيهِ من المخاطر. وإذَّاك، تتأَكَّدُ عَمَلِيَّةُ التكاملِ بتحمُّلِ المسؤولياتِ الوطنية والمجتمعية، بينَ المرجعياتِ السياسية، والمرجعيات الطبية، والمرجعيات الإعلامية.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard