الاقتصاد العالمي ضحية للكورونا

14 آذار 2020 | 17:00

المصدر: "النهار"

خلو الشوارع في بيروت (نبيل إسماعيل).

وكأنه لم یكن ینقص هذا العالم إلا "وباء" عابر للدول والقارات لتزداد معه حالة الهلع والمرض والموت، ویزداد منسوب التوتر والقلق المتفاقم أساسًا بفعل الصراعات السیاسیة والعسكریة في مناطق مختلفة من العالم. لقد تجاوز فيروس كورونا بأثره السلبي القطاع الصحي وصحة الفرد، لیصیب بسمومه قطاعات مختلفة من حیاتنا الاجتماعیة سیما الاقتصادیة منها. وهذا ما سنحاول الإضاءة علیه من خلال الإشارة إلى بعض الجوانب المتعثرة بفعل انتشار الفيروس وأثر ذلك على الاقتصاد العالمي والنشاطات الاجتماعیة، والصناعة والتبادل التجاري (الاستیراد والتصدیر). لا یخفى على أحد دور الصین المتعاظم في الاقتصاد العالمي (ثاني أكبر اقتصاد في العالم) بحیث تحولت في السنوات الأخیرة إلى مركزصناعی وتجاري جذب العدید من الشركات العالمیة من مختلف المجالات الصحیة والسیارات والتكنولوجیا الفائقة وغیرها من الصناعات التي تنطلق من الصین إلى مختلف دول العالم، في حركة تجاریة ناشطة. وحضور الصین على الخریطة الاقتصادیة للعالم، شكل عاملاً منافساً من خلال عملیات التبادل التجاري ستفتقدها معظم دول الشرق الأوسط، ما سینعكس على فقدان بعض السلع أو ندرتها أو ارتفاع أسعار البدیل عنها.

مع انتشار الفيروس في العدید من الدول، وبالأخص في الصین، تأثرت سلباً معظم الصناعات وعملیات التبادل التجاري بدایة بفعل الاضطرابات وعملیات الحجر في المدن المصابة، أو بفعل التدابیر الوقائیة التي قیّدت من خلالها العدید من الدول تصدیر بعض المنتجات ذات الصلة بالرعایة الصحیة من أجل إعطاء الأولویة لأسواقها الخاصة. بالنسبة لصناعة المستلزمات والأدوات المتعلقة بالرعایة الصحیة، هناك مخاوف جدیة بشأن نقص المواد المستخدمة في تشخیص فیروس كورونا، بالإضافة إلى الإمدادات الطبیة الأخرى الضروریة في رحلة الرعایة للمصابین بهذا الفیروس "الوبائي". وفي المجال الصحي أیضاً تتزاید المخاوف مع استمرار حالة الحجر للمدن (إذا صح التعبیر) من تناقص كمیات العدید من المنتجات الصیدلانیة التي تصنّع في الصین وتوزعها شركات الأدویة الكبرى في جمیع أنحاء العالم.

قطاع الخدمات:

من القطاعات الأساسیة التي تأثرت سلباً وبشكل كبیر من انتشار فيروس كورونا، كان قطاع الخدمات والسیاحة، وبفعل هذا "الوباء" توقفت العدید من الرحلات الجویة وتكبدت شركات الطیران خسائر فادحة. فمثلاً تدنت حركة الطیران في الصین إلى أكثر من 80% عما كانت علیه، وهذا ما ینعكس أیضاً بمفاعیله السلبیة على القطاع السیاحي حیت تتأثر بشكل مباشر المطاعم والفنادق نتیجة عملیات الحجر ووضع قیود على حركة النقل والسفر، فالصین وحدها مثلاً كانت تصدّر أكثر من 170 ملیون سائح إلى مختلف دول العالم ینفقون حوالي 277 ملیار دولار، وعلى هذا القیاس یمكننا توقع حجم الخسارة التي ستصیب قطاع الخدمات في العالم. وفي هذا السیاق تحدثت تقاریر عن أن 70% من فنادق قم الإیرانیة مقفلة. وأعلنت شركة إعمار العقاریة عن توقّف حجوزاتها بدءاً من منتصف آذارفي ثلاثة فنادق كبیرة في دبي، وفي لبنان استمرت معاناة القطاع التي كانت قد بدأت بفعل الأحداث السیاسیة منذ أشهر لتشتد أكثر مع انتشار فیروس كورونا. وقد سجلت حركة المطار مؤخراً تراجعاً تراوح بین الـ 30%

والـ40 % عن الأسابیع السابقة، وهذه النسبة مرجحة للارتفاع مع استمرار تفشي هذا "الوباء" وإمكانیة وقف الرحلات مع الدول الموبوءة بعد إجلاء اللبنانیین الراغبین بالعودة، ولم یسلم القطاع السیاحي في أوروبا من الآثار السلبیة بحیث تراجع عدد السیاح بحسب الأرقام المتداولة هناك إلى نحو 40%

من عدد السیاح المتوقع. أضف إلى ذلك أن السیاحة الدینیة شبه متوقفة بسبب التدابیر الاحترازیة في معظم الدول المتواجد فیها المقامات والمزارات الدینیة لمختلف الدیانات للتقلیل من التجمعات والحد من إمكانیة نقل العدوى .

الأسواق المالیة:

لقد كان للفیروس أثره السلبي على الأسواق المالیة في جمیع أنحاء العالم، حیث إن معظم الشركات الكبرى وبالأخص في الدول المصابة، اضطرت إلى الإغلاق أو تسریح العمال ولو مؤقتاً، وتأثرت الأسهم بالحركة البطیئة للأعمال. وعلى سبیل المثال فقد سجل سعر النفط الأسبوع الماضي هبوطاً بنسبة 4%، وتراجعت مؤشرات الأسهم عالمیًا، حیث بلغ مؤشر "یوروستوكس 600" هبوطًا بنسبة 3.81% مع نهایة الأسبوع المنصرم، وكذلك تأثرت سلبًا المؤشرات الرئیسیة في وول ستریت لتهبط بنسب متفاوتة لا تقل عن 1.60%، ولم تسلم الأسواق المالیة الآسیویة من الأزمة، فمثًلا سجل مؤشر"نیكي" الیاباني هبوطًا بنسبة 2.13%.

القطاع التربوي والتعلیمي :

بعد اتساع رقعة انتشار الفيروس اضطرت العدید من الحكومات وكتدبیر احترازي إلى إغلاق المؤسسات التعلیمیة (مدارس وجامعات) في المناطق المتأثرة، مع التمني على الطلاب البقاء في المنازل كإجراء وقائي ومتابعة الدراسة عبر الإنترنت، على الرغم من قصورها في إیصال المطلوب للطالب وتعقیداتها أحیاناً. إلا أنها شكلت وسیلة بدیلة إذا أمكن القول في بعض الدول، لكنها لم تفِ بالغرض عالمیاً، فهناك مناطق غیر متوفرة فیها كما یجب، فكانت بذلك عبئاً إضافیاًعلى المدارس والبلدان غیر المستعدة للدراسة عبر الإنترنت كخیار، وسیكون لها أثر غیر واضح المعالم إلى الآن على الحیاة الدراسیة للطلاب .

الأنشطة الریاضیة والترفیهیة:

في كل منطقة ینتشر فیها هذا الفیروس یبدأ الحدیث عن ضرورة التقلیل من التجمعات والازدحام، وبشكل مباشر لجأت معظم الدول للتقلیل من التجمعات وسعیاً للحد من انتقال العدوى إلى إیقاف بشكل مؤقت أو إلغاء البطولات والمسابقات الریاضیة، أو الإبقاء على بعضها بشكل محدود ولكن بغیاب الجماهیر وحرمان اللاعب من المشجع الذي یمنحه القوة التحفیزیة، وحرمان الجماهیر من متابعة الریاضات، وأیضاً حرمان الأندیة والاتحادات من الریع المالي، وعلى سبیل المثال ومع أواخر شباط الماضي، أوقفت دولة الكویت جمیع الأنشطة الریاضیة، وكذلك في لبنان ورغم توقف الدوري اللبناني لكرة القدم لأسباب مختلفة، فقد تم تعلیق الألعاب رسمیًا بسبب انتشار الفیروس، وفي الجزائر ومصر وإسبانیا مؤخراً والعدید من الدول في العالم تجري المباریات رسمیًا من دون جماهیر. الأمر عینه ینطبق على الأنشطة والبرامج والمهرجانات الترفیهیة، بحیث تم إلغاء العدید من الحفلات الفنیة والموسیقیة وأغلقت العدید من أماكن الترفیه .

من الواضح أن فیروس كورونا لم یقتصربتأثیره السلبي على قطاع الرعایة الصحیة والخدمات الطبیة في العدید من البلدان فحسب، بل كان له أیًضاً تداعیات على الاقتصاد العالمي، وإلى أن یتم التحكم في انتشاره والتوصل إلى اللقاح المناسب الذي نتمناه قریباً، من الضروري أن نتقیّد بتعلیمات وزارات الصحة المحلیة ومنظمة الصحة العالمیة وغیرها من مراكز مكافحة الأمراض والوقایة منها في العالم من خلال النشرات والتعامیم المتلاحقة .

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard