حلف الأقليات كفيل بتهميشها

13 آذار 2020 | 13:38

المصدر: "النهار"

تعبيرية.

هنالك جوّ سائد عند بعض مسيحيي لبنان وهو الخوف الوجودي كأقلّية دينيّة تعيش في بحر من المسلمين.

يستند هذا الخوف إلى أمرين:

- الأوّل ناتج من واقع سياسي يمكن تأريخه، لتسهيل التعليل، منذ الثورة الإسلامية في إيران وإعلان الإمام الخميني أنّه "إمام المسلمين" أي كلّ المسلمين، قائد ثورة عالميّة وبالتالي إقليمية لإنقاذ الأمّة. فأتى الردّ من المملكة العربيّة السعودية المستهدفة الأولى بشرعيّتها المنبثقة من مذهب ديني ومدرسة فقهيّة مختلِفَين. حينها بدأت الدولتان في نشر أفكارهما، الإماميّة المهديّة والسلفيّة في أرجاء المنطقة والعالم مدعومتين بدعوتهما هذه بالثروات الطائلة التي تدرّها صادراتهما النفطية.

تزامن هذا الحراك للإسلام السياسي مع فشل الأنظمة العربيّة الديكتاتوريّة في مقاربتها العمليّة للحداثة والعلمانيّة والمواطنة، والتي قمعت الحرّيات وتلاعبت بالمشاعر الدينيّة لأغراض سلطويّة تحت ستار العلمانيّة. وبوجود إدارات فاسدة فضلاً عن اقتصاد ريعي، تفاقم الفقر واتّسعت الهُوَّة بين طبقة ثريّة من أهل الحكّام وحاشيتهم، وطبقة فقيرة هي الشعب. يضاف إلى ذلك، فشل هذه الأنظمة في إعادة حقوق الفلسطينيين، قضية الوجدان العربي.

أفضت هذه المبارزة بين إيران والسعوديّة على مدى 40 عامًا إلى انفجار مسلّح بين أفرقاء معروفين بهويّتهم الدينيّة، عنفًا وكراهية للآخر وصيحات للإبادة، لم تعرفها المنطقة من قبل.

ومن الطبيعي في خضمّ هذا الصراع أن تكون الأقلّيات، الحلقات الأضعف، والمستهدف الأوّل خصوصاً من الحركات التكفيرية منذ اجتياح العراق عام 2003.

- الأمر الثاني وله علاقة بتداعيات العولمة. فقد أدّى تسارع التبادل التجاري والبشري والثقافي وتفكيك أنظمة ضبط التبادل إلى تضعضع ركائز المرجعيّات الثقافية وتقاليد المجتمعات، فنتج منه شعور بالضياع والسير في فضاء مجهول ومخيف.

ردّة الفعل تجسّدت بالاحتماء بهويّات ثابتة غابرة، دينية أو علمانية مثل القومية، استبعادية للآخر، كانت تراجعت مع الحداثة.

لم نشعر في منطقتنا بعودة ظهور هذه الهويّات لأنّنا لم نخرج منها أصلاً، لكن ظهورها على مستوى العالم من جديد، وإنْ بقي محدوداً، جذّرها أكثر في نفوسنا.

حلف الأقليات كرد فعل حمائي أمر غير واقعي وخطير

إذًا، أمام هذا الخوف الوجودي المسيحي من أكثريّات إقصائيّة، لا بل إلغائيّة، يتمثّل الحل عند بعضهم بحلف أقليّات تتكاتف انطلاقًا من اختلافها عن الأكثريّة.

وفكرة حلف الأقليّات ليست بطارئة. إذ إنّ أوّل من طرحها بجدّية كان رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه شاريت، الذي بحث عن أقليّات أخرى في خمسينيات القرن الماضي. وهكذا طرح ليس مستغربًا من الإسرائيليين.

إنّ الديانة اليهودية هي من المكوّنات الأساسية للمشرق منذ ظهور الديانات السماوية خصوصاً في ما خصّ البعد المهدوي للديانات الثلاث. لكنّ الدين اليهودي لا يُختَصَر بالصهيونية التوسّعية، الناقضة لحقوق الفلسطينيّين والتي لا مجال لانخراطها في الوعاء الثقافي للمشرق.

يتميّز حلف الأقليّات بصعوبة حدوثه مثلما يتخيّله المبادرون إليه، أي تكاتف مجموعات مستهدفة كلّها وعليها التصدّي للخطر المشترك عبر تنسيق عملاني، يحفظ الحدّ الأدنى من المساواة والتنسيق، على الرغم من تفاوت الحضور والقوى.

فالتحالف الوحيد الممكن، كما تقاطع المصالح، سيؤدّي إلى الآتي:

- من ناحية أولى، جبهة دينية شيعية مع روافد علوية ومسيحية بشكل خاص، وبعض المجموعات السنّية المستتبعة الباحثة عن دور ما. فهَرَمُ هذا التحالف سيعتليه المكوّن الشيعي الأكثري الإيراني المستند إلى دولة وليس فقط على الأقليات الشيعيّة المنتشرة في الأقاليم العربيّة. وهذه الدولة لها عقيدتها الخاصة وثقافتها المميّزة النابعة من حضارة تاريخيّة، وستقود التحالف من موقع فوقي واستغلالي للمكوّنات الأخرى في التحالف. وحتى الشيعة فيه، سيدفعون الثمن الأكبر بشريًا في المواجهات العسكرية الحتمية، وهذا ما ظهر حتّى الآن في الصراع الإقليمي الحالي.

- من ناحية ثانية، جبهة دينيّة أخرى قوّتها مستمدّة من أقلّية صهيونية يهودية متطرّفة وأقليّات "تابعة" كقسم من الدروز والمسيحيّين وأكثريّة سنّية حليفة متضامنة ضمنيًا وليس علنًا وتبقى الأقلّية الكرديّة متأرجحة بين الجبهتين وفق الظروف.

هاتان الجبهتان ستتحرّكان في جغرافيا مضطربة (سوريا، العراق، لبنان) وجغرافيا متماسكة إلى حدٍّ ما خليجيّة وإسرائيليّة وإيرانيّة. ولكنّهما بالنتيجة جبهتان ظرفيّتان ومصلحيّتان أكثر من تحالفات ثابتة.

في ما خصّ لبنان، وعلى الرغم من التمايز الثقافي بين اللبنانيّين، فهنالك واقع تكوّن منذ الاستقلال ولا يمكن تجاهله. فنظامنا السياسي منذ 76 سنة، أي لأكثر من جيلين، تميّز عن سائر الأنظمة العربية من ناحية حرّية التعبير، والنضال السياسي وتعدد الأحزاب، والمستوى العلمي غير المثقل بالجرعات العقائدية المفسدة للعقل، وكذلك بالانفتاح على العالم، والحداثة، والمزاحمة الإيجابيّة بين المكوّنات الثقافيّة. فنتيجة هذا التمايز الذي أصاب اللبنانيّين كافة ولو بنسب مختلفة وبفارق زمني، أصبح السُّنة اللبنانيّون، الذين يعتبرون عددياً ضمن الأكثريّة السُّنية في المشرق، أقلّية مثلهم مثل المسيحيّين والشيعة والدروز وغيرهم.

لذلك، أعتبر أنّ طرح حلف أقلّيات لا يستند إلى قراءة منطقيّة للواقع السياسي في المشرق، وللتركيبة اللبنانيّة.

الحلّ في زمن العولمة الحل بـ"المواطنة المفتوحة" في "الدولة – الوطن"

لكن ما هو الحلّ أمام خطر التوسّع الإيراني وردّة الفعل السلفيّة الخليجيّة، وكلّها تغريها إسرائيل بالوسائل المتاحة كافة، وهي الرابح الوحيد من تفتّت المشرق نظرًا إلى عدم قدرتها على الانتماء السلمي إليه.

فما هو الحلّ للبنان ولتبديد خوف كلّ أقلياته؟ هويّة المواطنة. ولكن ليس أيّ مواطنة. سأطلق عليها اسم "المواطنة المفتوحة" في "الدولة – الوطن" كإطار سياسي لتنظيم التفاعل بين أصحاب هذه الهوية.

فمنذ كان هنالك تجمّعات بشريّة فُرِضَ عليها أو تبلورت لهم طبيعيًا هويّةً ما. والهويّة لم تكن أحاديّة بل مركّبة. فالهويّة العرقيّة والجغرافيّة، والمجتمعيّة والدينيّة والعقائديّة والسياسيّة، والثقافية الحضاريّة وغيرها، كلّ هذه الهويات موجودة في أنّنا واحد، لكن تتقدّم إحداها على الأخرى وفق الأزمات والظروف والمجتمعات وتطوّرها.

في زمن الامبراطوريات القديمة، طغت الهوية الثقافية والدينية، وفي فترة لاحقة، طغت الهوية الدينية، وابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط جدار برلين طغت الهوية الوطنية والعقائدية.

كلّ هذه التقلّبات ليست من باب المصادفة، لكن من تقويم المجتمعات لما يخدم مصالحها أو يضرّها تزامنًا مع ابتكارات فكرية وفلسفية مقنّعة تعطي وجهة الخيار. وكلّ هذه التقلّبات تواجه أحيانًا مقاومة إمّا من باب الاستغلال السلطوي أو تلقائيًا من باب الخوف من الحديث المجهول.

ما هي ظروف عصرنا هذا وما هي متطلبات عصر العولمة في ذروتها.

لن نتوقّف عند سيّئات هذه الظاهرة العالميّة لأنّها خارج موضوعنا، لكن من المؤكد أنّ لا شيء يمكنه إيقافها. فالحركات الكونيّة على مدى التاريخ تخبرنا أن لا مجال للعودة إلى الوراء إلاّ بالأوهام القاتلة أحيانًا. يمكن تصحيح مسارات العولمة وتقنينها خصوصًا في توجّهها الـ"نيوليبرالي" الاقتصادي للحدّ من أضرارها لكن لا يمكن إيقافها.

يمكن باختصار شديد تحديد مكوّنات العولمة، وبالتالي:

- لم تعد الحرب الوسيلة الأفضل للحصول على الثروات إنّما التجارة والتبادل.

- رأس المال الأوّل هو المعلومة والابتكار.

- الانفتاح على الغير والتواصل معهم.

من هنا، أُعيد وأطرح المواطنة المفتوحة في "الدولة – الوطن" كأفضل تركيبة للانخراط إيجابيًا في العولمة.

فـ"الدولة – الوطن" هي في مفهومها الحديث، تلك المتحرّرة من شوائب التعصّب والشعور بالتفوّق على باقي الأمم كالتي ظهرت في أوائل القرن العشرين وأدّت إلى حروب كارثية.

هذه "الدولة الوطن" لها عصبيّتها الخاصة ومواطنوها المتميّزون بثقافة جامعة لكن غير متعصّبة ومنغلقة على الغير. لا بل على العكس، تلتقي مع الغير حول مبادئ كونيّة جامعة تتوسّطها قيمة أسمى هي الإنسان وحرّيته وكرامته وتمكينه بكلّ ما يلزم ليُحقّق نفسه بالتضامن مع الآخر. وهنا يكمن الفرق بين "الفردانيّة" (Individualisme égoiste) الأنانية المدمّرة للشخص ومجتمعه و"الفرديّة" (Individualité) التي تميّز الشخص بفرادته وتحترمه وتعطيه حقوقه كاملة وإمكانيّة تطوّره على نهجه الخاص بالمشاركة والتبادل والاحترام للغير.

فمع غطاء هويّته الوطنيّة لطمأنته انتمائيًا من دون تعصّب وتمكّنه علميًا من أجل المشاركة في الابتكار على أي مستوى كان، وتلقّفه المعلومات والمشاركة في تسييرها لا بل في كتابتها، ومحترمًا الآخر، ها هو الفرد بصلب العولمة يتفاعل معها إيجابًا. ويمكن القول إنّ البلدان الأقرب إلى هذا التوجّه هي أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وبعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط حائط برلين واليابان وكوريا الجنوبية. فقد وضعت كلّها الحرب "خارج" القانون ذاهبة نحو الإنتاج والابتكار وتبادله والتجارة والانفتاح على الغير مع احترام خصوصيّاتها الوطنية الجامعة، والقبول، لإنجاح هذا التعاون، بالتنازل عن بعض صلاحيّاتها السيادية لمنظّمات عالميّة أو مناطقيّة تخدم الجميع كـ"البرلمان الأوروبي" و"الأمم المتّحدة" ومنظمات التعاون الإقليميّة.

هذا التوجّه سمح لبعض الهويّات اللغويّة أو المناطقية في هذه البلدان بأخذ حيّز من الاستقلاليّة من دون أن يؤدّي ذلك إلى انفجار "الدولة – الوطن".

أُعيد وأُذكّر أنّ هذه العولمة بوجهها الـ"نيوليبرالي" وتفشّي "الفرادية" أوصلتنا إلى أزمات جسيمة. لكن أعتقد أنّ هذين المنحنيَيْن ليسا من شروط العولمة بل من أخطاء تطوّرها ولم تدُم. فعودة الشعبويّة والكراهية والوطنيّة الإقصائيّة هي من باب ردّات الفعل على أزمات العولمة ولا تشكّل موجة متجذّرة نفسيًا مثل تلك التي أفضت إلى كوارث الحربين العالميّتين.

ففي حلف الأقلّيات تتقدم الهويّات الدينيّة على غيرها إمّا من باب العقيدة المطلقة أو من باب النفعيّة السياسيّة، في إطار "دولياتي" هشّ ومتزعزع. فهذه الهويّات إقصائيّة ومنغلقة وهي في طبيعتها غير قابلة لإعادة النظر بمسلّماتها مهما ناقضها الواقع من جهة، وكونها مطلقة وأداة سلطة تتنافى مع حرية الفرد

ومن جهة أخرى، لنقول إذاً إنّ الإطار التنظيمي لـ"الدولة الوطن" المنفتحة، مثلما وصفناه آنفًا، ومستلزمات الدخول إلى العولمة الإيجابيّة ليست متوافرة إذا ذهبنا إلى تحالف أقلّيات.

حلف الأقليات هو الخروج من التاريخ

بين الثورة الصناعيّة الأولى والثانية مضى زمن يناهز القرن. ومنذ أن دخلنا الثورة المعلوماتية مع ظهور الحواسيب الخاصة مطلع ثمانينات القرن الماضي مضى أربعة عقود. فكان أمام من كان خارج هذه الثورات ولم يشارك فيها متّسع من الوقت ليسير في ركابها ويضع نفسه، ليس فقط كمستهلك، بل كمشارك في أيامنا هذه، كون الابتكارات تزيد تعقيدًا، ووتيرة صناعتها تسبق إمكاناته المعرفية لتلقّفها.

فالخطر على الشعوب الخارجة عن هذه الثورة ليس الانقراض مهما تصاعد العنف الداخلي عندها أو الخارجي في معاركها منذ زمنٍ ولّى.

إنّما الخطر الداهم هو أن نخرج من التاريخ ونسقط فنعيش على هامشه. هذا هو حلف الأقليات المزعوم.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard