إنّي عاجزٌ تمامًا عن الكتابة المفيدة لكنّي لن أستسلم

11 آذار 2020 | 11:42

المصدر: "النهار"

صراع العجز وعدم الاستسلام (اللوحة لزينة عاصي).

عندي أسبابٌ كثيرة للكتابة، وموضوعاتٌ حارقةٌ شتّى، أتطرّق إليها. لكنّي حاولتُ البارحة أنْ أكتب، فلم أعثر على سببٍ مقنعٍ لي شخصيًّا، من أجل مخاطبة الرأي العامّ، والثوّار، بما يمثّل فائدةً تُرتجى من الكتابة، وبما يشكّل إضافةً نوعيّةً فيها، وإنْ متواضعة جدًّا.

إنّي، بكلّ صدق، أجد نفسي عاجزًا في هذه اللحظة الحاسمة عن تقديم هذه "الإضافة النوعيّة" في الكتابة. وأنا لا أريد أنْ أكتب لأقول لنفسي إنّي أكتب، أو لأقدّم إلى القرّاء شيئًا لا قوام له، يستدعي الشفقة أو الازدراء أو الاستخفاف أو عدم الاهتمام.

هذه الكتابة هي - الآن خصوصًا - أقلّ ممّا يجب أنْ تكون عليه. هذا، ما أعتقده، وما أشعر به، في أعماقي، وفي عقلي.

إنّه وقتٌ عصيبٌ للغاية. لكنّه ليس مدعاةً لليأس. بل هو مدعاةٌ للاختلاء بالذات. لمساءلتها. لمحاسبتها. ولمطالبتها بأنْ تكون على قدْرٍ أعظم من المسؤوليّة ومن الفاعليّة.

كلّ شيءٍ ينهار، على المستوى الجماعيّ، وعلى المستوى الفرديّ. كلّ الحصانات باتت هباءً بهباء.

لم يعد عندنا ثقةٌ بمرجعٍ، ولا بسلطةٍ، ولا بمؤسّسةٍ، ولا بإدارة. ولا بمقوّمات الحياة نفسها.

يا لهذه السلطة التي لا تستحي من كونها سلطةً!

يا لهؤلاء المراجع، يا لهؤلاء الحكّام، يا لهؤلاء المسؤولين، الذين لا يزالون يملكون من الوجوه النحاسيّة، ومن مخزون الوقاحة المستشرية، ما يجعلهم يخرجون على مواطنيهم بإجراءاتٍ وقوانين ومراسيم وقراراتٍ وتوجيهاتٍ، أقلّ ما يقال فيها إنّها توازي، من حيث القيمة والفاعليّة، القاذورات والنفايات. لا أكثر.

كلّ شيءٍ ينهار فينا، ومن حولنا. أمّا السلطة، بمؤسّساتها، برجالها ونسائها، فممعنةٌ في العجز العقليّ والإداريّ من جهة، وفي استغباء الناس، والاستخفاف بمصائرهم من جهةٍ ثانية.

إنّي عاجزٌ تمامًا عن الكتابة. عن تقديم إضافةٍ نوعيّةٍ في هذا المجال.

أمورٌ كثيرةٌ، وكثيرةٌ جدًّا تُشعِرني بالهول. لكنّ أكثر ما يضعني في فم الوحش، وبين أنيابه وبراثنه، في هذه اللحظة الحاسمة من حياتنا، أربعة أمورٍ، أعتقد أنّها تعبّر واقعيًّا ورمزيًّا ودلاليًّا عمّا نحن فيه من عجزٍ عامّ:

1- هذا الوباء الفيروسيّ الذي يستشري بنجاحٍ باهرٍ ومنقطع النظير في كلّ مكان، وعلى كلّ المستويات.

2- هذا الوباء الماليّ الاقتصاديّ الذي يضعنا في حالٍ من الهلع الوجوديّ.

3- هذه التبعيّة المرعبة، تبعيّة السلطة القضائيّة للسياسة، وللسياسيّين، ولطبقة الحكّام، وللأحزاب، وللطوائف والمذاهب، وتبعيّة هذا القضاء للسلطتَين التنفيذيّة والتشريعيّة، على رغم المحاولات الصادقة والجادّة والعميقة والحثيثة للخروج من عباءة هذه التبعيّات المقيتة، ولإحراز سبق الاستقلال الجوهريّ، استقلال هذا القضاء عن كلّ ما يعوق سيادته المطلقة على ذاته.

4- ثمّ – رابعًا بل أوّلًا – أأكتب للمسؤولين – اللامسؤولين عن سيادتنا الوطنيّة المرتهنة لسلاح الداخل وهيمنة الخارج؟!

كيف يمكن الكاتب أنْ يواصل الكتابة، كما لو أنّ الحياة، هذه الحياة المسروقة والمريضة والمدعوسة والجائعة والمسلولة والمهانة والذليلة، كما لو أنّ هذه الحياة هي بألف خير؟!

إنّي أموت موتًا روحيًّا وجسديًّا من جرّاء ما نحن فيه. فكيف أكتب، ولمن أكتب؟!

أأكتب للمسؤولين - اللامسؤولين عن صحّتنا الجسمانيّة؟!

أأكتب للمسؤولين – اللامسؤولين عن أحوال ليرتنا وإفلاس اقتصادنا وفرار رواتبنا؟

أأكتب للمسؤولين – اللامسؤولين عن القضاء؟!

أأكتب للمتواطئين على سيادتنا واستقلالنا وقرارنا الوطنيّ الحرّ؟!

لمن أكتب؟

أأكتب للناس الذين لا يزالون يبحثون عن جنس الملائكة؟!

أأكتب للثوّار الذين تُسرَق ثورتهم منهم، وهم لا يزالون غير قادرين على كتابة مانيفستٍ واحد، ولا على الانتظام والتوحّد لإعلان الثورة الجامحة النهائيّة؟!

إنّي عاجزٌ تمامًا عن الكتابة المفيدة. لكنّي لن أستسلم. لن أستسلم. لن أستسلم!

Akl.awit@ annahar.com.lb

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard