ثورة 17 تشرين ومعركة الرّدّة

10 آذار 2020 | 17:10

غضب الشارع (نبيل إسماعيل).

للمرة الأولى منذ السابع عشر من تشرين الأول الماضي، تُفتح مائدة الطروحات العملية لتناول ما يستحثّ الأفكار نحو تحويل الحراك الثوري في لبنان إلى بيئة قابلة لولادة جديدة تُحقق أهدافه. فبعد تشبّع العقل الجماعي اللبناني بمشروعية الثورة، وبعد سقوط عمامات الزعامة السياسية عن الرؤوس وانكشاف مساعي السلطة لإفشالها بآلِيّتَي الترهيب والترغيب، برزت نواة برنامج رؤيوي تأسيسي يقارع قوى الثورة المضادة ويرسم معالم مواجهة لا يمكن إلا أن تترك بصماتها التغييرية على الواقع اللبناني.

لم تأتِ الخطوة فجأةً أو من باب مصادفة، بل نتيجة تلاقح بين اجتماعات عدّة في مختلف المناطق لمواطنين وناشطين مستقلين منخرطين في الثورة، أدركوا أنّ الوقت حان للتأطر في جبهة وطنية موحّدة تجمع المتشابهين، أفرادًا وجماعات سياسية وشبابية، لتباشر عملية التغيير الشامل على قاعدة أنّ من لا يملك ضربة فأسه، لا يملك قرار رأسه. فالثورة وإن حققت سلسلة إنجازات، أهمها سطوع نجم طبقات شعبية مواطنية عابرة للطوائف فرَضَت نَفَسَها الإصلاحي وحرّكت آلة القضاء في ملفات فساد عدّة، يجدر بها الآن أن تراكم على إنجازاتها السابقة مما يغلق الباب نهائيًّا أمام إمكانية عودة النظام المترنّح إلى الحياة، وإلا ستكون العودة أشرس وأسوأ، وممارسات العهد الحالي الشاهد الأكبر، فبعدما بات مقتنعًا بُعيد الثورة أن لا سبيل لفرض نفسه إلا بالقوة، جاء ردّه العدائي عليها بتشكيل حكومة كيدية تعمل على خنق المنتفضين ميدانيًّا وذلّهم سياسيًّا وإهمالهم خدماتيًّا.

ولعلّ أول مفاتيح حماية الثورة لإنتاج سلطة سياسية جديدة، بعد تشكيل جبهة وطنية جامعة للقوى الشبابية، تحصين الأخيرة من محاولات تعويم غالبًا ما تلجأ إليها الأحزاب المشاركة في الحكم لإعادة إنتاج نفسها عبر شخصيات وتنظيمات وأحزاب رديفة لطالما رافعت لصالحها في فترات سابقة. ويكون التحصين برفض كل انحياز عن المسار الأساسي للثورة، وهو: إسقاط النظام القائم من دون استثناءات أو اعتبارات مقدّسة، والتأكيد أن الأزمة النقدية والمالية والمعيشية سببها المنهبة العلنية لأموال الدولة وتكريس نظام الحصانات واللامسؤولية السياسية والجزائية للمنظومة بأكملها، لا للقطاع المصرفي وحده، وأن أساس كل أزمة سياسية ارتباط الداخل اللبناني بالخارج وخطف القرار السيادي وتحويل لبنان إلى قاعدة خلفية لدول إقليمية وزجّه في صراعات دولية.

فالثورات لا تحتمل المداهنة أو المصالحة، واعتادت عبر التاريخ الترسيمات العتيقة من التدجين والتشويه التي تؤبّدها أحزاب السلطة في حق معارضيها وتحديدًا في العالم العربي؛ ففي البداية تسارع إلى شيطنة الثورة، ثم تختبر التحايل وتمثّل الحياد تجاهها، فإذا اشتد عودها دسّت مكوناتها وقواها الناعمة - من إعلام وقضاء وفئات منتفعة - في صفوفها تمهيدًا لاختراقها والمشاركة فيها. ومن سخرية التاريخ أن تشارك أحزاب السلطة في احتجاجات الناس المطلبيّة.


(نبيل إسماعيل).

ولا تقتصر أساليب التعويم على الداخل اللبناني، فالنظامان الإقليمي والدولي لهما باع طويل في إفشال ثورات المنطقة- كل بلد وفقًا لظروفه وطبيعته - نتيجة التفاعلات السياسية الخارجية وأنماط التحالفات والمصالح المشتركة. والقاعدة الذهبية لصون أهداف أي ثورة أنّ لا أصدقاء لها في الخارج على الإطلاق، وأن عبارة "حرية الشعوب" لحنٌ مغرٍ لكنّه حمّال أوجه، وأنّ أي تصفيق خارجي لثورة 17 تشرين لا يلزم ما لم تتبعه خطوات إجرائية وقانونية في حق المسؤولين عن الفساد السياسي والمالي، وإلا فإنّ أي تأييد أو محاولة إذكاء لا يمكن تبرئتها في بلد مفتوح على مصراعيه كلبنان.

إنّ نجاح ثورة 17 تشرين في تأسيس جبهة قادرة على خلق نظام سياسي جديد يحقق الأهداف التي انتفض الناس من أجلها، يرتبط بمدى بقاء هذه الجبهة نقية من لوثة النظام القائم والمنفلش على الخارج، وبدمج القوى الشبابيّة والمدنيّة المفعمة بالروح الثورية، وبإقصاء الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة أو الموالية لها أو لبعضها، وبعدم إخضاع عمليّة الانتقال السياسي إلى تنافس عقليّات حزبية طائفية غير ديموقراطيّة.

ثم تأتي الخطوة التالية محمّلة بالبدائل الإصلاحية، فعملية التغيير الجذري والشامل لا تقتصر بالإجابة على سؤال "ماذا نريد؟"، بل "كيف وبأي سبل؟"، ومما أُخذ على الثورة سابقًا أنها لم تُنتج قيادة ناطقة باسمها بحجة الخوف من الاستهداف، ولم تقدّم رؤية إصلاحية بديلة بل اكتفت برفع الشعارات. وبمرور الوقت، وفي ظل غياب أي وعي لدى من شكّلوا الحكومة برئاسة شخصية باهتة لا تمتلك مقومات الصمود والقدرة على إنقاذ البلد، قَمَشَت المجموعات المستقلّة من الحراك الثوري نفسها لتّتحد في جبهة وطنية، وهو ما حصل الشهر الماضي في لقاء تشرين، على أن يكتمل المشهد مع بلورة برنامج إصلاحي نهائي بنقاط محددة ومشتركة يؤسس لمرحلة لبنانية جديدة.

ولأنّ "سلـبـيتـين لا تـصنعـان وطـنـاً" كما قال الصحافـي المـعـروف جـورج نـقـاش، تبقى الثورة أمام تحدّي المواجهة لمحاولات جرّها إلى ما قبل 17 تشرين، وأهمها التحصين الداخلي ضد عوامل الرّدّة والانحراف عن وجهة الثورة بتجزئة الاتهام وإلقاء المسؤولية على طرف دون آخر، ثم ملء الفراغ السياسي الذي يشعر به اللبنانيون رغم عدم شغور المناصب، عبر الإسراع في تقديم البرنامج الإصلاحي البديل، على أن تُقلب صفحة سوداء في كتاب أزمات هذا الوطن الصغير.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard