"مياه صالحة للقتل": لجوءَان وذكريات تالفة

10 آذار 2020 | 17:17

غلاف الكتاب.

"أنا حسين الضاهر

الأكثر حزناً في حيّنا

الوجع الوحيد لأهلي

عمري الآن لجوءَان وبضع ذكريات تالفة…".

بهذه المقطوعة الشعريّة يستهلّ الشاعر حسين الضاهر مجموعته الشعريّة "مياه صالحة للقتل"، وبهذه اللغة الّتي تركضُ بينَ السطحيّةِ الصادمةِ والعمق البعيد حتّى التأمّل، وبنوستالجيا عميقة وجليّة ارتدتها الجزئيّات الدقيقة، جاءت مجموعته الشعريّة الّتي كانت قصائدها نثريّةً بامتياز، تماماً كما قالت سوزان برنار: "قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعةٍ من البلور... خلقٌ حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كل تحديد، هي شيءٌ مضطرب إيحاءاته لانهائية".

ومن خلال شكل النص الخارجي يتبيّن أن النص يحمل الألم والتأسّف على المجتمع الذي يعايشُ الموت ويضاجعُه، وعلى ذاته الّتي كانت عيّنةً أُخذت من جمع، فيصرّح بذلك دون أيّ انزياحٍ أو تجميل، فينقُل صورة الإنسان وهو يقف في طابورٍ طويلٍ ينتظر كي يأخذ المعونة، وقد دسّ فيها الذلّ بين الحاجات اليوميّة كالشاي والطعام…

"أنا لاجئ

أقايضُ اسمي الثلاثيّ بكرتونةِ إغاثة

دون أن يسحقني الخجل

رزّ… سكّر… ذلّ… شاي… معكرونة

وكلّ شيءٍ يبقيني على قيد المهزلة...".

دوّن الشاعر حيثيّات همومه وأحزانه اليوميّة وآلامه والكثير من مشاعره الصاخبة والصامتة المرتبطة بالحسّ الجمعي، ليخلق حالة من الابتكار والخصوصيّة في ملامح قصيدته على مدار المجموعة كاملةً.

وقد اعتمد على التماثل الدلالي لاستحضاره في زمانيّة ومكانيّة محدّدة من خلال (الأسماء. التوقيت. الأرقام...) والتماهي مع الواقع والسخرية من السائد عبر اللامبالاة.

وكانت السيميائيّة حاضرة وتجلّت في "الفراغ" الّذي تنتهي إليه الكلمات المتناثرة في النص، فإن كانت الكلمات تقول شيئاً، فإنّ هذا الفراغ يقول الكثير ويسعى ليحرّكَ الروح في تلك الفسحة البيضاء، فلم يكن توزيع السطور في القصيدة أداةً للتوفيق الإيقاعيّ أو تحسين الصورة الكلّية بقدر ما كان له دورٌ في فتح طريق آمنٍ للكلمة لتعبرَ منه إلى المطلق.

ومن خلال تأمّل سيميائية عنونة النص يستطيع القارئ أن يستشفّ ما تحتوي عليه النصوص من حسّ مأسوي وفاجعة كبرى خلّفت أثراً وندوباً وتكسّراً في نفسيّة الشاعر، كما في:

"كذلكَ ثلاثة كنّا" وقد جاء الفعلُ كنّا في نهايةِ الجملةِ صادماً يعكس انتهاء هذا الثلاثيّ وتمزّقه وبقاءه قيد الماضي.

"لا قطط تشاركُني موائي"، لم يؤنسن كما المعتاد لدى الشعراء، بل أضفى على نفسه صفةً انتزعها من قططٍ منفيّةَ الوجود، ثمّ كان هذا المواءُ وحيداً وقد تعبَ في المنفى.

وإن عدنا إلى العنوان الكبير لهذه المجموعة "مياه… صالحة للقتل"، ثلاث كلمات وثلاث نقاط، فللمياهِ سيميائيةٌ خاصّةٌ بكونها احتياج للحياة وقادرٌ على إنهائها، قدرتها على التشكّل بصورٍ عدّة، فأيّ الأشكال تأخذ ولو كانت جميلةً غير أنّها قاتلة، أو ربّما يرمزُ عبرها للوطن فهو حاجةٌ للحياةِ ولكنّه أصبح حاجةً تصلح لتكونَ أداةً للموت أو موتاً بذاته، وأتت الكلمةُ الأخيرةُ لتثبت الجريمةَ بصراحة... وقد نقّط ثلاث نقاطٍ متتابعة بعد "مياه" ليوحي للقارئ أنّ هذه المياه تسيرُ نحو جهةٍ ولا تقف.

إنّ العنوان نصٌّ مستقلّ مختزل يستطيع بكلماته ونقاطه أن يؤدّي مهمّته وأن يترك الدهشة والصدمة في ذهن القارئ.

رسم الشاعر أجواء قصيدته ضمن منظومة فكرية خاصة وحسب متطلبات منطقه الخاص الّذي يبدو أنّه خارج إطار المنطق أو ضد المنطق الّذي هو أساس تكوين المجموعة، وجعلَ الكلمات تتحرّك في النص نحو جهات أكثر من أربع، جعلت القارئ يقرأ النصوص، يقف أمامها، متمتّعاً بما فيها من سحر يبعث الدهشة وأن يتألّم بها صامتاً مندهشاً، لا يسأل نفسه كيف ولماذا…

فكانت الصورة الشعريّة مركّبة من جزئيات فنّية متشابكة تتكاثف لتشكّل الصورة الكمالية للنص وترسم الموقف الّذي يريده مع كمّية الألم المنبعث بدقّة عبر الفراغ المبعثر ضمن القصيدة، وقد استخدم ذلك بلا وعي (ربّما مع جرعة سكر كبيرة).

وقد اختزل المسافة بين النصّ والقارئ بصناعته ممرّات آمنة وفكريّة وإنسانيّة لدسّ الحالة الشعرية في مخيّلة القارئ كما في:

"بقدمي العمياء، أركل زجاجة شراب ثملة

فيصرخ الزجاج "ألا راحةَ لمدمنٍ هنا!"

بسرعةٍ ألملمُ رهبتي وأكمل".

وبنيت النصوص على غرائبية الصورة التي بناها الشاعر بالإيجاز والتكثيف في الشعور والأحاسيس واللغة والصورة والرؤى والمكان والزمان...

وقد وسمَ نصّه بسيمة لغويّة محدّدة، وحاول خلق صورة شعرية خاصّة مؤثّثاً إيّاها بطريقةٍ مبعثرة

راسماً لنا مفارقة كبرى عبر خلق ثنائيات لغويّة من تشاكل وتكرار وتضاد، فجميع هذه البنيات اللغوية الموظّفة توحي بشعور مأسوي عميق ومعتم.

وقد استثمر الحكاية بصورةٍ دقيقةٍ ووضع ظلّها الخفيف ضمن إطارِ النص ليبني عليها حالةً من التعريةِ للخفاء والغموض الشعري…. ونجد ذلك في كثيرٍ من النصوص على طولِ المجموعة.

إنّ مجموعة "مياه صالحة للقتل" أدّت مهمّتها الشعريّةَ بنجاح، وأعطت فسحةً للمتأمّلِ فيها كي يعيدَ النظر إليها عبرَ أكثر من أربعِ جهات...

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard