في اليوم العالميّ للمرأة- نور وصبا وفاطمة... وجه طرابلس التي نحبّ

8 آذار 2020 | 20:12

المصدر: "النهار"

ورد وحبّ ونضال.

طالبات وعاملات وربات بيوت أطلقن المسيرات؛ فمنهن من دوّت الشعارات بصوتهن ومن حاضرن في الخيم ومن لملمن النفايات ومن أسعفن الجرحى ومن رسمن الجداريات، التوثيق لانتفاضة لبنان ليس ممكنًا بدون الوقوف على مشاركة المرأة التي أطلقت الشرارة بركلة، كانت بمثابة نبوءة بأنّ التالي مرحلة #الثورة_أنثى.

في يوم المرأة العالمي، توجه "النهار" تحية للمناضلات في ساحات الانتفاضة، من خلال قصص لثلاث نساء ملهمات رصدناها من ميدان "عروس الثورة" طرابلس، ننقل كيف يخرقن بالعزيمة والتفاني تحديات جمّة ليراكمن بصمات فارقة في العمل الاجتماعي والتعليم والاعلام.

"نور طرابلس" التي أسست "انتخب مطلبك"

تحمل نور الهدى غريب بيدها أجندة تكتظّ صفحاتها بالمواعيد والخطط. تدخل المقهى المفتوح على ساحة الانتفاضة، حيث ستجلس لتجنّب حديثها ضوضاء الخارج. على الأجندة كتبت "رحلة الى الأرز"، نظّمتها ليعود ريعها ثمنًا لربطات خبز تشتريها للفقراء "هؤلاء قائمتهم تطول باطّراد"، تخبرنا آسفة.

منذ خمس سنوات، بقيت نور على تماس يوميّ مع النّاس في الأحياء الأشد حرمانًا بداخل المدينة الأكثر فقرًا على المتوسط. فبدأت بتجميع عفوي لتبرعات الصغيرة، تخصصها لاستشفاء المرضى وتسجيل طلاب، الى تأسيس صندوق "فاعل خير" الّذي يستقطب مساهمات موسميّة أو مستمرّة لمهتمّين "وأكثرهم أصدقاء ومعارف يعيشون في المهجر وبخاصة دول الخليج". ونجح الصندوق بتقديم مساعدات تعدّ معجزة في معيار وزارات متقاعسة وعهود أنكرت وجود طرابلس على الخريطة، فاستطاعت تأمين استشفاء حالة مرضية في الجامعة الأميركية ببيروت بقيمة 28 ألف دولار، وتوصّلت عبر هذا الصّندوق الى إيواء رجلين مسنين مشردين مدى الحياة، في دور الرعاية "دار العجزة" و"دار الزهراء". وتسعى نور أن يحظى هؤلاء برعاية أفضل، فسعت الى احتضانهم في الجناحات الخاص بكلفة 300 دولار شهريًا. الصدقية التي اكتسبتها دفعت بمدير أحد المطاعم المعروفة بالتواصل عبرها ليوصل وجبات لخمس عيل يطعمها أسبوعيًا. ويقدم هذا الصندوق الكسوة والمعونات الغذائية بسرية تامة تحرص عليها نور لأكثر من 150 أسرة.

تقول نور: "هزتني عميقاً مأساة جورج زريق الذي حرق نفسه لأنه لم يؤمن أقساط أولاده "، فبادرت بإنشاء خيمة حقوقية على مساحة أطلقت عليها اسم "رصيف الثورة". هذه المبادرة ألهمت نشطاء إذ بدأت خيم التوعية تفرخ على الرصيف في ساحة عبد الحميد كرامي، قبل انطلاق انتفاضة 17 تشرين "كنت أعرف أنّ الفقر يقتادنا للهاويةـ لذلك عند اندلاع الثورة كنا على أتم الاستعداد لخوضها ونشر الوعي ضمن الساحة". وفي ساحة الانتفاضة أطلقت نور مبادرة "انتخب مطلبك"، وتشرح "أردت أن أقرّب أفكاري للجيل الصّاعد بنشاط تفاعلي استنتجوا عبره بأنّ خيارهم يجب أن يحتكم الى البرنامج الانتخابي الّذي يلائم قناعاتي وحاجاتي كمواطن".

تمتلك نور إيماناً عظيماً بجيل صاعد استطاعت الانتفاضة أن تجدد ايمانها به. ملازمتها اليوميّة للساحة مكنتها من استقطاب 35 شابة وشاباً مبادرين في مجموعة "نور طرابلس"، تحقق بالتوازي مع العمل الخيري، عملًا ينشر المسؤولية والثقافة حول قضايا تشغل المواطنين كتحليق الدولار والكورونا وغيرهما. تضيف نور "أفكر اليوم كيف نعطي الصنارة ليعتمد الفقير على نفسه بدلا من إعطائه السمكة"، اقتناع ترجمته نور مؤخرًا بتأمينها بسطة لبيع القهوة تعيل أسرتين فقيرتين.

تعمل نور مدرسة لغة فرنسية في مهنية القبة، وتنتمي الى الطبقة المتوسطة التي حركت 17 تشرين. تصمّ أذنيها عن صوت واحد يتردّد من عدّة أفواه "ليش ما تجوزتي؟ أليس من الأفضل أن "تسعي" لنفسك بعريس"؟ بالمقابل، تكرّس انتباهها لمعاناة المحتاجين بقلب واسع وعزيمة وكف نظيف. كف لم يستطع سداد أقساطها الجامعية في جامعة روح القدس الكسليك حيث كانت تتابع دراساتها العليا في الترجمة، فاضطرت الى التخلي لقاء مبلغ مالي عن فرسها "دلع" الّتي كانت تمتطيها وتعتني بها لنحو أربع سنوات في مزرعة قريبة. تتكلم بغصّة اغرورقت في عينيها على شكل دمعتين. ومع نور انتهى الحديث حيث لم ينته النضال.

صبا مسعود... مناضلة وجميلة تمحو الأمية

تطلق صبا مسعود تنهيدة مريرة متشحة بنبرة من التهكم "طبعًا، من الصعب أن تكوني جميلة وملتزمة في المجتمع. أصرّ على مضاعفة جهودي لأثبت للكثيرين بأنّني لا أعتمد على شكلي". لكنها تتقبل بكل رحابة صدر تعليقات طلابها حول مظهرها، تقول إنهم "مهذبون ومهضومون"، يعرفون بأنها لا تكحل عينيها الزرقاوين سوى بالماسكرا، بينما تعتمد دائماً تسريحة مموجة بسيطة على شعرها الطويل.

25 شاباً مياوماً أو عاطلاً عن العمل، جميعهم أميّون، تتولّى صبا تعليمهم القراءة والكتابة في خيمة "ألف وأخواتها" التي أنشأتها في ساحة عبد الحميد، ضمن مبادرة لمجموعة "مدرسة المشاغبين" انطلقت منذ أكثر من شهرين "تبقى لديهم أربعة حروف ليكونوا تعلموا كامل الأبجدية. لكنهم منذ اليوم قادرون على قراءة كلمات وجمل قصيرة ويقومون بالاملاء الذاتي" تقول بابتسامة رضا. وعن البداية، تضيف "خلال مشاركتي في خيم النقاشات المسائية، لفتني أنّ بعض الشباب لا يتجرأون على الدخول والتحدث في المجموعة، ولا يستطيعون قراءة المنشورات الموزعة "لا نعرف" قالوا لي. فتحدثت إليهم لإقناعهم بالانضمام، ثمّ قررت بأن آخذ على عاتقي تعليمهم"، وانطلقت المبادرة في خيمة من هيكل خشبي كساها النيلون، انهارت ثلاث مرات خلال العواصف وأعيد نصبها.

الى جانب المهارات اللغوية، لاحظت صبا بأنّ تلميذيها يحيى وعلي يشاركان بفاعلية في حلقات الحوار. حول الأثر، تضيف "صارا يمسكان بالميكروفون ويعبران عن آرائهما، ويكتبان كلمات على اللوح أمام الجميع".

قبل طلاقها، تزوجت صبا باكرًا وأصبحت أمّاً لثلاثة أولاد أكبرهم يبلغ 17 عامًا. تجهد صبا للموازنة بين مسؤولياتها كأم مطلّقة، وقلبها المعلق في الساحة حيث تتطوع في عمل لم تمارسه يومًا من قبل "كنت ناشطة في العلاقات العامة وتنظيم المحافل إنما على مستوى طبقة مخملية، اضطررت لمجاراتها في الشكل والمضمون لكنني اكتشفت بأنني لم أكن "أنا"، بعدما آمنت بأنه مجتمع لا يشبهني فابتعدت عنه"، وتضيف "أنا امرأة بسيطة من الداخل وثورة البسطاء تشبهني. الناس هنا أجمل".

ولا تعفى صبا من الأسئلة حول العريس المنتظر "البعض يفضل بأن أستثمر طاقتي في "اصطياد" رجل". لكن إصرارها على نمط الحياة الذي اختارته اليوم أحبط السائلين. وتستعيد صبا عبارة "هيدي آخرتك؟" التي تداعت كردود فعل على مشاركتها في إنشاء خيمة "مطبخ الثورة" منذ اليوم الرابع بالقرب من مبنى الغندور في الساحة "بدأت الثّورة يوم الخميس، يوم الأحد كنت مع صديقاتي في مطبخ الثورة نعدّ منسف الدجاج لـ600 شخص من السّاحة. استطعت تأمين الأواني من تبرعات المحال ولملمنا مساهمات نقدية من المتظاهرين لشراء مكونات الطبخة".

وبالرغم من انحسار المشاركة الشعبية، يستمرّ "مطبخ الثورة" في إطعام الفقراء والمحتاجين، بعدما أوكلته صبا لمجموعة متطوعين، فيما تستهلك وقتها واهتمامها لخيمة "ألف وأخواتها" تقصدها ثلاثة أيام اسبوعيًا لتساعد شباباً في تثبيت أولى خطواتهم نحو العلم والتنوير.

فاطمة مقصود... "أنا هون"

من أزقة طرابلس ومتاهاتها وحارات القبة وأبو سمرا ووسطيات المدينة، انتقلت فاطمة مقصود الى ساحة عبد الحميد كرامي، مع كاميرتها والميكروفون منذ أول صباح شارف على الثورة.

ابنة الـ23 ربيعًا لا يغادر الزهر لون خدّيها. تنثره كانطباع رهيف ينسلّ من مَشاهد تقاريرها المصوّرة الّتي تخطّى عددها الـ60 تقريرًا، تطل عبرها بتلقائيتها ومظهرها الطبيعي على أهالي طرابلس من خلال منصة "أنا هون" مع رفيقتها نغم شلق على مقاعد كلية الاعلام في جامعة الجنان. منذ ثلاث سنوات، تجول الشابتان بين الناس، تنقلان بجهود تطوعية تلامس الحرفية، عادات ولهجات وخصائص طرابلس في المأكل واليوميات والمناسبات الاجتماعية.

خلال الثورة، وحين يجهجه الضوء، تقصد فاطمة الساحة حيث تلتقي رفاقها في "أنا هون" ميسا الرز وصلاح الأيوبي وسعد مطر وأحمد عيشان. تطلق فاطمة بثًا مباشرًا من الساحة عبر صفحة "أنا هون" لتشجيع النّاس للنزول الى السّاحة. أكثر ما تتلقاه في التفاعلات جواب "يللا جايين"، ثم تقابل هؤلاء المتفاعلين على الأرض.

تقول فاطمة: "حذّرني البعض من انحيازي لمشاركة الناس. اعتبروا بأنّ الموضوعية تفترض نقل ردود فعل الشّعب والسّلطة. برأيي، أهم ما نتعلمه حول الاعلام هو الرسالة. قربي من وجع النّاس على مدى شهور طويلة قبل الانتفاضة جعلني أؤمن بأنّ انحيازي لأوجاعهم التي انفجرت في السّاحات هو عين الموضوعية".

بمثابرة وعصامية، صنعت فاطمة حضورًا مؤثرًا على الشاشة الافتراضية، فصار رصيد من المتابعين لا يكفّ عن التوسع، يفتقدها حين تتأخر عن الظهور "والسبب ربما يعود الى الثقة التي استطعت أن أكسبها من الناس في الأحياء المحرومة. كانوا في البداية مرتابين من نوايانا لأنهم تلوّعوا من وسائل إعلامية تصوّر الطرابلسيين كأنهم يعيشون في المجاهل. بعد مدّة وجيزة، أحبّونا لأنّهم رأوا انعكاسًا جميلًا لصورتهم من خلالنا".

تجربة فاطمة في "أنا هون" جديرة بالتأمل لناحية الاعلام البديل في المناطق المهمشة إعلاميًا، وما أفرزها من إيجابيات عديدة أبرزها كسر الحواجز المناطقية. إذ أسست هذه المنصة ثلاث مجموعات شبابية في البقاع وصيدا وطرابلس تطرح مواضيع محلية يسهو عنها الاعلام التقليدي أو لا تصب في أولوياته.

وتروي فاطمة كيف استطاعت خرق التصورات المسبقة عن باقي المناطق "خلال الثورة، قصدتُ بيروت لأنقل حلقة مباشرة من ساحة رياض الصلح. كنت خائفة قليلًا، هل ستتقبلني بيروت؟". لكن تفاعلات المتظاهرين ناقضت مخاوفها "كم فرحت حين تفاعلوا معي باندفاع واستقبلوني بحفاوة. صاروا يوجهون عبر "أنا هون" سلامات لطرابلس عروس الثورة ولأهلها الثائرين".

مقابلة غير عادية مع ماريتا الحلاني: هذه حكايتي مع مسلسل 2020



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard