الصراخ في الشوارع مفيد لإسماع الصوت، لكنّ للفوز شروطاً

26 شباط 2020 | 15:38

الاحتجاج في الشارع (حسن عسل).

تلت الحكومة الحاليّة بيانها الوزاري، ناقشه بعجالةٍ من سنحت له فرصة الكلام من النوّاب، ثمّ نالت الثقة توكيداً لشرعيتها الدستورية على الأقل، إنّما دونها والشرعيّة الشعبيّة مسافة. وإنصافاً، دون شرعيتها يقف مئات آلاف اللبنانيين معترضين، يؤمّون الساحات والشوارع، معترضين عليها، تسميةً وتكليفاً، وعلى كلّ من سعى من السياسيين القابضين على ناصية الحكم والبلاد حينًا من الدّهر.

من الطبيعيّ أن يقف معها ويدافع عنها، من سمّاها ودعمها من متنفّذي السلطة وأركانها وتابعيهم، سياسةً وجمهوراً، قناعةً أو مهادنةً، وأن يتنحى جانباً، إنّما على ناصية الانتظار، صيادو الفرص السياسيّة، فيقفوا في منزلة بين منزلتين، فإذا نجحت مالوا نحوها، وإن فشلت أدبروا عنها ورذلوها، وكذا بالنسبة للمعارضة الشعبيّة، المعبّرة عن نفسها بالانتفاضة في الشوارع والساحات، المستوطنة فيها، ملامسةً الأشهر الأربعة، مطالبةً بتغيير البنية ومحتواها السياسيّ والاقتصاديّ، رافعة راية فئات اجتماعيّة، جلّها من الشباب والفئات الوسطى، ساعيةً لتسنّم سدّة السلطة ومآلاتها، في مسعى منها لقيامة جديدة للبلاد ومعها العباد، الواطئين أراضيها قهراً، وتغالباً، القابعين بلا حول ولا قوّة.

إذا كان مشكّلو السّلطة سائرين على ما رسموه للبلاد، قانعين بحكومتهم العتيدة، ساعين لتوكيد غلبتهم على معارضيهم، ناظرين إليهم بازدراء، غير مكترثين لتحرّكاتهم، لا يلقون لهم بالاً، فما هو حال المعارضين، كيف سيتعاملون مع الواقع، في ظلّ حكومة باشرت العمل، من دون التفاتة لمطالبهم، إلا ظاهريّاً، دون ملامسة لجوهر ما يطلبون، فهي (أي الحكومة) لها برنامجها وخططها، هو ليس بعيدًا عمّن زكّاها وأعطاها الثقة، كيف سيستمرون في معارضتها، هل بالاستمرار في النزول إلى الشوارع وإبقاء الخيم منصوبة في الساحات، أو بالاحتجاج أمام مصرف لبنان، أم بالمؤتمرات الصحفيّة بين الفينة والأخرى، للحديث عن فساد هنا أو هناك، في هذه الإدارة العامّة أو تلك، عن هذا السياسيّ أو ذاك؟ هل سيكفي هذا للوصول إلى التغيير المنشود، أم هناك برامج وخطط أخرى تلاقي ما استجدّ في السياسة والسّلطة التنفيذيّة.

السّلطة قالت كلمتها، نفّذت ما ارتأته، غير عابئة بمعارضيها، أكّدت قوّتها وفوقيتها وتعاليها، في سعيٍ منها لإبراز ضعف معارضيها، تحاول بين وقت وآخر، بما لها من خبايا لدى جمهور المعارضين، توجيه بعضهم بحسب أهوائها، فتسيّرهم للتظاهر، أو للاعتصام، نحو أمكنة لها في من يقيمون عليها غاية، بعضها لدفعهم للتسليم بما ترسمه، أو انتقاماً منهم، في لعبة ذكيّة، تبدو فيها (السّلطة) أنّها تنفّذ ما يطلبه المعارضون، لكنّها هي المستفيدة الفعليّة، ومن جانب آخر تحاول إعطاء صورة للجمهور المعوّل على التغيير مفاده أنّ ما تتأملون منهم أن يسيروا بكم نحو غاياتكم، لا حول لهم ولا قوّة، وأنا ههنا أحكم، وهم، ليس بمقدورهم شيء، سوى الصّراخ ليس أكثر.

إنّ التّغالب بطبيعته يفضي إلى رابح أو خاسر، ومن لديه القوّة والسّلطة والنّفوذ يتعامل مع الوقت بملكيّة خاصّة، هكذا هي السّلطة، خبيرة بعلم الوقت، لديها لغاية اليوم ما يكفي مما تقدّم (نفوذ ووقت)، لكن المعارضة ليس لديها الكثير منهما، لا بل ليس لديها من النّفوذ السّلطويّ شيء، إنّما لديها من الوقت الكثير، لكن كيف لها صرفه وأين؟ صرفت منه الكثير في الشّارع، ويمكنها الصّرف بعد، لكن إلى متى يمكنها الاستمرار إذا لم تحقّق نقلة نوعيّة في سعيها للتغيير، وغاية السّلطة منعها من ذلك، وهي تستطيع، على الأقل في الأمد المنظور، لكن في إمكان المعارضة أن تكسب على السّلطة جولات، إذا سعت لتنظيم نفسها، وأقلع بعضها عن جفاء بعض، واتّحدت في بوتقة واحدة، فراجعت ما قامت به لغاية اليوم، وحدّدت نقاط ضعفها وقوتها، فنسجت تحالفًا وطنيًّا، عابراً للأراضي اللبنانيّة كافة، لا تستثني منه أحداً، وكفّ بعضها عن التعالي على البعض الآخر، وساروا سواسية نحو أهداف حدّدوها معًا بدقة ومضوا إلى ما يريدون، فالصّراخ مفيد لإسماع الصوت، لكنّ للفوز شروطاً.

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard