الصحافة الرقميّة ومجلة "كوزموبوليتان" المخفيّة في منزلنا في الكورة

25 شباط 2020 | 15:35

المصدر: "النهار"

في منزلنا في الكورة...

قوّة الذكريات المُفاجئة. سربٌ كامل من الذكريات. وأحلامٌ مُنمّقة طرّزنا شراشيبها الواحدة تليها الأخرى برمش العين. الأوقات المُتغيّرة بسرعة مُرعبة. هيمنة الأنترنت ووسائل الإعلام الرقميّة. هذا الخوف المُلحّ من الأخبار المُتتالية التي تتساقط علينا من كل الاتجاهات، بحيث يُكتب الخبر الواحد فوق الآخر تقريباً على الفور. المطلوب سرعة قصوى في الكتابة لـ"نستحق" الأوقات المُتغيّرة. لنتمكّن من الرقص معها، لنرتقي إلى مستوى معاييرها. قوّة الذكريات المُفاجئة. سرب كامل من الذكريات. كنا نأخذ كل وقتنا لنكتب الخبر الواحد. نُراقصه. نُمزمزه. ندرسه من كل زواياه. نُخطّط لكتابته. ومن ثم نستهل الكتابة وكأننا نعيش، في الواقع، قصّة حُب كُتب لها الإيقاع البطيء سلفاً. هل أصبحت المهنة التي حلمنا ذات يوم بالالتحاق بصفوفها، سريعة الزوال ومُراوغة تُطوّقها الوتيرة السريعة، ويُمزّق مجدها العالم الرقمي؟ فجأة، حضرت أمامي عشرات الصناديق التي كنت قد أخفيتها في إحدى غرف منزلنا القروي في الكورة. الماضي، هذا الطفل الشقيّ وغير المُطيع، له أساليبه في العودة، وإن كنا قد هجرناه في لحظة انبهار عابرة. مئات الأعداد من مجلة "كوزموبوليتان" التي ترعرعتُ عليها. يا إلهي، لماذا يعود الماضي؟

كانون الأول 1995، آذار 1996، شباط 1998، أيار 1998، شباط 1997، وهكذا دواليك. كنا نأخذ كل وقتنا لنقرأ المجلات من صفحتها الأولى وصولاً إلى آخر سطر من صفحتها الأخيرة. 25 عاماً في جريدة "النهار"، وأنا أحاول أن أجاري الأوقات المُتغيّرة. والمطلوب سرعة قُصوى في الكتابة. يا إلهي، لماذا يعود الماضي؟ كانت القراءة خبزنا اليوميّ الذي نحتاج إليه لننتقل إلى الكتابة الصحافيّة. والمطلوب أن نُجاري الوتيرة المرعبة بسرعتها. وكان الخبر الواحد يأخذ معنا عشرات الدقائق لنغوص في خفاياه. واليوم، يُنشر الخبر الثاني قبل أن ننتهي من كتابة الخبر الأول. وعشرات الصناديق المليئة بالأعداد من مجلة "كوزموبوليتان" التي تجرأت، آنذاك، على الغوص في كل الموضوعات المحظورة "ع وقتنا".

والمطلوب الارتقاء إلى مستوى الأوقات المتغيرة.

يا إلهي، لماذا يعود الماضي؟

Hanadi.dairi@annahar.com.lb

مقابلة غير عادية مع ماريتا الحلاني: هذه حكايتي مع مسلسل 2020



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard