وجع الناس وقود الانفجار الآتي... لا أحد ينتصر على الرغيف

19 شباط 2020 | 21:19

المصدر: "النهار"

من احتجاجات وسط بيروت. (تصوير نبيل اسماعيل).

يعيش المواطن اللبناني منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، في صراع أمني اقتصادي، حتى أصبحت حياته عبارة عن هروب وقتل ودمار، بحثاً عن لقمة عيشه اليومية. وعند كل أزمة، تثار إشكالية تأقلم اللبناني مع الأزمات واستكانته دائماً الى تأمين بدائل، فماذا يقول علم الاجتماع في هذه الظاهرة وفي مآل الاحتقان الطبقي الذي يعيشه لبنان اليوم بشكل غير مسبوق؟ 

منذ انتهاء الحرب كان همّ اللبناني الدائم كيفية تأمين لقمة العيش لعائلته، محاولاً قدر الإمكان البحث عن الحلول البديلة بعد خروج البلاد من الحرب، وغياب العديد من القطاعات الأساسية لأبسط مقومات حياته. فلجأ إلى الاشتراك لتغطية ساعات تقنين الكهرباء. وبدلاً من  المطالبة بحق الطبابة استعان بشركات التأمين، ولأن التعليم الرسمي مهمل من قبل الدولة استعانَ بالمدارس الخاصة لتعليم أولاده، فبات راتبه مرهوناً للقطاعات الخاصة في بلدٍ يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة بأوجه مختلفة.

غضب الشارع

الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تلاحقه انفجرتْ في تظاهرات ليل 17 تشرين الأول الفائت، رفضاً لما آلت إليه الأمور، من إهمال سياسي واقتصادي ومعيشي للوجع الحقيقي الذي يتحكم برقبته، لينفجر غضباً في تحركات أخذ بعضها المنحى العنفي في العديد من المناطق، رغم محاولة المنظمين إضفاء السلمية على التحركات.

قصص كثيرة خرجت إلى العلن، وصرخات احتلت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، البطالة 40 في المئة، وقد تصل إلى 50 في المئة، بينما المعنيون في الدولة ما زالوا يعيشون في قصرهم العاجي، متجاهلين غرق المركب اللبناني بمن فيه، محاولين تخدير مناصريهم بأن الأزمة نتيجة للسياسات الخاطئة المتبعة من قبل الطرف الآخر، فتحوّل من خرج الى الشارع ليل 17 تشرين إلى إما عميل وتابع للسفارات، وإما إلى مرتزق، وغيرهما من التهم الجاهزة من قبل جميع من في السلطة الحاكمة منذ عقود.

وبعد تفاقم الأزمة في الأشهر الأخيرة واقفال العشرات من المؤسسات وارتفاع نسب البطالة، لا يزال قسم كبير من الشعب اللبناني يعيش كما أهل السلطة حالة الإنكار لحجم الأزمة، وعلى سبيل المثال عندما قررت شركة طيران الشرق الأوسط عدم القبول بالعملة الوطنية، هرول العشرات، إن لم يكن المئات، إلى حجز التذاكر قبل سريان مفعول القرار بيوم واحد، وحينما قرر أصحاب محطات الوقود الإضراب، اصطفّ اللبنانيون لساعات طويلة، في مشهد أقل ما يُقال عنه أنه مذلّ، لتتلاحق الأزمات في قطاعات عديدة من الاستشفاء الى الأدوية، وصولاً إلى الوقود وحليب الأطفال والعديد من المنتجات التي فقدت من السوق، نظراً لشحّ العملة الأجنبية.

اختلاف نمط الحياة

ومن القصص اليومية للمواطنين والتي تحوّلت معاناة لدى شريحة كبيرة من المجتمع، قصة السيدة غادة السيد التي كان يتقاضى زوجها مليوني ليرة لبنانية راتباً كشيف في أحد الفنادق، ومع تراجع الأوضاع، اضطر صاحب الفندق للاستغناء عن قسم من الموظفين واقتطاع جزء من راتبه، ليصبح مليون ليرة شهرياً، ما اضطرها للاستغناء عن العديد من الأساسيات في حياتها، فالفاكهة لم تزر المنزل منذ أشهر، فيما أقساط المدرسة أصبحت متراكمة.

وعن كيفية تأقلمها مع الأوضاع الراهنة، شرحت غادة كيف تحوّل سعر منظّف الغسيل الى 50 ألف ليرة لبنانية، وهو مبلغ كبير لمادة يفترض انها عادية في الحياة اليومية، فكيف الأمر بالنسبة للحوم والخضار.

وروت أن ابنها البكر اضطر للعمل بعد دوام الجامعة كسائق تاكسي لتسديد قسط الجامعة، وحتى تلك المهنة لا يمكن أن يُعوّل عليها، وبحاجة للعمل أكثر من 12 ساعة يومياً لتسديد أقساط السيارة وتأمين مصروفه اليومي.

اما أحمد، المهندس المعماري والمتوقف عن العمل منذ أن اغلقت شركته قبل نحو شهر، فهو جليس المنزل ينتظر فتح أبواب الهجرة في أي بلد كي يخرج من الجحيم الذي يعيش فيه حسب تعبيره. وعن كيفية تمضيته الوقت يمازح قائلاً "أنا أعمل حالياً سائق فراش، أنقل سريري من غرفة الجلوس إلى غرفة النوم وكأنني في سجن، لا يمكنني الخروج منه فأنا لا أملك الأموال".

تلك الأوضاع أثّرت بشكل مباشر على جيل الشباب، كمروى التي كانت تنوي الزواج في نهاية العام، وقضاء شهر العسل في جزر المالديف، ليتحوّل مخططها إلى حلم، وستكتفي بالعرس عبر سهرة مع الأهل وقضاء شهر العسل في حال تأمن الدولار في تركيا أو في إحدى القرى اللبنانية، هذا إن بقي هناك عرس حسب قولها.

تلك القصص تبقى مقبولة أمام قصص مئات العائلات التي فقد معيلها عمله، وأصبح عاطلاً من العمل، وهو يتجاوز الخمسين من عمره. تلك القصص المخفية داخل البيوت تبقى هي الأقوى والأشد ألماً في بلد ما زال الحاكمون فيه يتعالون على الحقيقة.

غلاء المعيشة

الأزمة الاقتصادية المستجدة كانت الأكثر ضرراً على الطبقة الوسطى، خصوصاً أنها طبقة استهلاكية في السنوات الماضية، حتى وصلت نسبة سفرها في السنوات الماضية توازي نسبة سياحة الخليجيين، بحسب الأستاذ في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت ساري حنفي.

ورأى حنفي انه على الرغم من أن الأزمة ستطال ما تبقى من طبقة وسطى في لبنان، فإن الطبقة الفقيرة ستعاني كثيراً من الانهيار الاقتصادي، فالجزء الكبير منها فقد وظيفته. وفي حال استمر في العمل فهو فقد جزءاً كبير من راتبه، وإن استمر بقبض راتبه، فإن غلاء المعيشة أفقدته قيمته بنسبة 30 بالمئة.

وطالب حنفي بلحظة وعي للطبقات الاجتماعية وتحويل استهلاكها للمواد الأساسية فقط، خصوصاً أن معظم العائلات فقدت عملها، مؤكداً أن العديد من العائلات ألغت اشتراكات الكهرباء لعدم تمكنها من سداد تلك الفواتير، لتعود إلى السهر على ضوء الشموع.

واستشهد حنفي بالضفة الغربية التي كانت تستورد ما يزيد عن 90 بالمئة من منتجاتها من الأجبان والألبان في السابق ليقتصر استيرادها حالياً على 20 بالمئة فقط.

ورأى حنفي أن الحلول تعتمد على الدولة أولاً وعلى الشعب ثانياً، من خلال سلسلة إجراءات على الدولة اتباعها لخلق صدمة إيجابية في الأسواق أقلها إعادة الأموال المنهوبة ووضع حد للفساد المستشري في لبنان.

فكرة التقشف

أما الباحث في علم الاجتماع الدكتور ملحم شاؤول، فقال إن "الشعب اللبناني لم يتعوّد بعد على فكرة التقشف، وهنا تكمن المشكلة الأساسية، ورغم أن الأزمة الاقتصادية تطال شرائح كبيرة من المجتمع، فإنه على سبيل المثال نجد أن العديد من المطاعم مملتئة نهار الأحد، وكأن الأزمة في بلد مجاور، بينما قسم كبير من اللبنانيين ما زالوا يجدون بالسياحة الخارجية مهرباً من الضغوطات اليومية".

ورأى شاوول أنه عند بداية الأزمة اليونانية، قال أحد المسؤولين الألمان إن الشعب اليوناني غير معتاد على التقشف، ومع استمرار الأزمة هناك اعتاد الشعب على فكرة التقشف واقتطع جزءاً كبيراً من الكماليات من حياته، بينما نحن ما زلنا ننكر الأزمة ونتعامل معها وكأن الوضع سيتحسن، نظراً لعدم تلقي الصدمة بعد مع غموض من قبل السياسيين في لبنان وعدم قدرتهم على التعامل مع الأوضاع.

واعتبر شاؤول أن بعض الصدمات الإيجابية قد تريح المواطن كاقتطاع 10 بالمئة من الأقساط المدرسية الخاصة، أو إعادة جدولة الدين أو تأجيل الديون للأسر، وإلا فالانفجار قادم لا محالة، وما حصل ليل 17 تشرين سنعتاد عليه في الفترة المقبلة في حال استمر تراجع الوضع.

الفوضى الهدامة

بدوره، رأى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية أحمد عياش أن "الفوضى الهدّامة ستنطلق من أزقة وأحياء فقراء أهل السنة والجماعة من باب االتبانة إلى جبل محسن في مدينة طرابلس حيث الحرمان الحقيقي، وحيث الناس تشعر بتراكم إهانات وحيث الجرح الجَماعي ينزف والناس لا تخشى الموت طالما هي متوفاة اجتماعياً ".

الفوضى الهدّامة "ستمتدّ لاحقاً من أزقة وشوارع حيّ السلم والأوزاعي والمعمورة والليلكي، أي من ضاحية الضاحية، فالضاحية ضواحٍ بمنبوذي الشيعة من غير المستفيدين من خيرات ومن بطولات الثنائي الشيعي في الحرب وفي السلم، لتمتدّ الفوضى إلى شوارع بريتال قبل بعلبك، مروراً بريف بنت جبيل وريف النبطية وريف صور، لتنتقل الفوضى بعدها الى فقراء المسيحيين الذين شبعوا من بطولات وهمية للتيار الوطني الحرّ ومن فلسفة القوات التي لا تثمر، من برج حمود والنبعة والدكوانة وصولاً الى عكار، لتصل الفوضى في آخر المطاف إلى فقراء الدروز في الحدود الخمس للفقر وللاشتراكية الجبلية وللتقدم الممنوع وللصبر وللحيرة".

وفي رأي عياش، "لا أحد ينتصر على الرغيف في معركة حبّ البقاء رغم الدعاء للسماء... وسيهرب اللصوص في حال جاع الشعب، ووحده الأعمى لا يرى هذا المشهد، ووحده المفرط في التفاؤل مرضياً لا يصدّق ما سيحصل، ووحدهما المدمنان على الحشيشة وعلى الكوكايين سيضحكان كثيراً. وما بين صفقة القرن وصفقة بيع لبنان بالجملة، يتقاتل أنذالنا على آخر الفُتات في بلد متهالك وينحدر بقوة نحو الهاوية".

صديقي السرطان، هزمتك ٤ مرات وأنجبت ٥ أطفال



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard