مبادرة الحزام والطريق ضحيّة لـ"كورونا"... ومحفّزة لتفشّيه؟

14 شباط 2020 | 20:04

المصدر: "النهار"

طلاب في إحدى المدارس الهندية يرتدون أقنعة تمثّل وجه الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته الهند في 10 تشرين الأول 2019 - "أ ب"

مع تلقّي الاقتصاد الصينيّ جملة أخبار سيّئة مصدرها استمرار تفشّي فيروس "كورونا"، تتّجه أنظار العالم إلى "مبادرة الحزام والطريق" لمعرفة مدى تأثّرها بانخفاض النموّ الاقتصاديّ الذي كان متوقّعاً للبلاد سنة 2020 وانعكاسه على النموّ العالميّ. وقد يكون ل "المبادرة" دور أكبر بكثير من مجرّد قياس حجم الضرر الاقتصاديّ الذي سيساهم فيه التأخّر بإيجاد علاج جذريّ للفيروس. 

تداعيات

تعدّ الصين اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي تساهم بنسبة 17% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ العالميّ، بما يدفع النموّ العالميّ للانكماش بالتوازي مع انكماش النموّ الصينيّ. بالمقارنة مع "سارس" سنة 2003، كانت نسبة مساهمة الصين في الناتج العالميّ 4% فقط. تأثّرت قطاعات عدّة بالفيروس مثل القطاع التعليميّ حيث يُتوقّع ألّا يعود التلاميذ إلى المدارس قبل أواخر شباط أو أوائل آذار. كذلك، طُلب من عمّال كثر العمل من منازلهم. تمّ تأجيل "منتدى التنمية الصيني" الذي يجمع كبار رجال الأعمال والاقتصاديّين والذي ينعقد سنويّاً أواخر آذار حتى إشعار آخر. وأغلقت شركة "أبّل" متاجرها في الصين.

إذا انخفض النموّ الصينيّ 1% بسبب الفيروس، فستخسر الدول ذات المداخيل المتوسطة والمنخفضة 4 مليارات دولار من السلع غير المصدّرة وحوالي نصف مليار دولار من السياحة. كذلك، إذا انخفضت أسعار النفط 5% بالتوازي مع انخفاض الطلب العالميّ فستخسر دول جنوبي الصحراء الأفريقيّة وحدها 3 مليارات دولار من صادراتها النفطيّة، وفقاً لما ذكرته الباحثة البارزة في "معهد التنمية ما وراء البحار" ومقرّه لندن شيريلين راغا.

موقع ووهان نفسها كعامل سلبيّ

أضحت "المبادرة" صلة وصل أساسيّة بين الصين والاقتصاد العالميّ. يضاف إلى ذلك أنّ ووهان نفسها، المدينة التي انطلق "كورونا" منها، تشكّل حلقة أساسيّة في مشروع الطريق الذي يشكّل جزءاً من "المبادرة". وفقاً ل "مجلّة نيكاي آسيا"، لن يؤثّر تفشّي الفيروس على قطارات الشحن الدوليّة التي تسير بين ووهان ودويسبورغ في ألمانيا وحسب بل هو سيطال سلباً تطوير البنى التحتيّة.

وأضافت أنّ موقع ووهان كمركز نقل استراتيجيّ كان عاملاً سلبيّاً، فيما شدّدت على أهمّيّة مراقبة أثر الفيروس على مدينة شونغ كينغ البارزة التي تشكّل محطّة نهائيّة لقطارات الشحن الدوليّة وتؤدّي دوراً مهمّاً في "المبادرة". وبما أنّه من المتوقّع أن تساهم "المبادرة" في 40% من اقتصاد العالم، يصبح الترابط أكثر عضويّة بين بيجينغ والعواصم الأخرى، خصوصاً تلك الآسيويّة. فهي تستهلك نصف الناتج العالميّ من النحاس والألومينيوم والحديد ومعادن أخرى.

لكنّ توجّه غالبيّة الدول إلى فرض حظر على دخول الصينيّين إلى أراضيها بسبب الفيروس سيعيق مشاريع بمليارات الدولارات. أهمّ العوامل التي ستعرقل حسن سير "المبادرة"، عمليّات التأخير في إتمام وتسليم المشاريع، وانخفاض حجمي اليد العاملة والتموين.

خلال الأسبوع الماضي، قال وزير التخطيط والتنمية الباكستاني أسد عمر إنّ مخطط الرواق الاقتصادي بين الصين وباكستان البالغة قيمته 62 مليار دولار يمكن أن يواجه تأخيراً. وفي بنغلادش برز تأخير في مشروع للطاقة تبلغ قيمته 2.5 مليار دولار. وبالحديث عن الأروقة أيضاً، كان الرئيس الصينيّ شي جينبينغ قد زار ميانمار أواسط كانون الثاني حيث تعهّد بناء وتمويل مشاريع جديدة في البنية التحتيّة ضمن ما يُعرف ب الرواق الاقتصاديّ بين الصين وميانمار.

تفاؤل؟

لكن بحسب الباحث في "مركز التنمية الدوليّة" في واشنطن جيودي مور، يتعلّق هذا الواقع بالجغرافيا، حيث أنّ بنغلادش وباكستان قريبتان من الصين لذلك عاد معظم العمّال الصينيّين إلى بلادهم لقضاء عطلة رأس السنة. ولم ينطبق هذا الواقع على العمّال في أفريقيا الذين بقي عدد منهم هناك بفعل المسافة وغلاء تذاكر السفر. وتوقّع في حديث لصحيفة "ساوث شاينا مورنينغ بوست" عدم وجود مشاكل طويلة الأجل ل "المبادرة" لأنّ دولاً كثيرة خصوصاً في أفريقيا يائسة للحصول على استثمارات صينيّة.

إذا كانت بنغلادش وباكستان تتأثّران اقتصاديّاً بالفيروس بسبب قربهما من الصين، فستكون دول آسيويّة أخرى معرّضة للتداعيات نفسها. تذكر راغا ومونغوليا وكمبوديا ولاوس بالدرجة الأولى ثمّ الفيليبين وفيتنام وسريلانكا. وتستورد غالبيّة هذه الدول أكثر من سُدس صارداتها الإجماليّة من الصين، وفي بعض الحالات تصل النسبة إلى 90%. وجميع هذه الدول جزء من "المبادرة".

وفيما وصل بعض المستثمرين إلى حدّ توقّع بدء استفادة "مركز أستانا الماليّ الدوليّ" من الاضطراب الذي تشهده الأسواق الصينيّة، أكّدت منصّة "أوبور أوروبا"، وهي منصّة إعلاميّة تعنى بالترويج ل "المبادرة" في القارّة العجوز، أنّ المطبّات التي تواجهها شبكة البنى التحتيّة الضخمة لا تقوّض مبادئ وأسس "المبادرة". فبفضلها، يتمّ تأسيس بنى تحتيّة في مجال الطاقة الأمر الذي يمكّن الناس الأفقر في أفريقيا وآسيا من الوصول أكثر إلى الخدمات الصحيّة. وتمكّن "المبادرة" من تعزيز التعاون بين المختبرات والشركات الصينيّة والدوليّة ممّا يسرّع تطوير الحلول الصحّيّة، وفقاً للمنصّة نفسها.

"إلى كلّ زاوية من العالم"

لا يشاطر جميع الخبراء السياسيّون والصحّيّون تفاؤل "أوبور أوروبا". أشارت الباحثة البارزة السابقة في شؤون الصحّة العالميّة في "المجلس الأميركيّ للعلاقات الخارجيّة" لوري غاريت إلى أنّ قوّة "المبادرة" قد تنعكس سلباً على محاربة "كورونا". رأت غاريت، وهي أيضاً كاتبة في الشؤون العلميّة حائزة على جائزة "بوليتزر"، أنّه "إذا كانت مبادرة الحزام والطريق وروابط صينيّة أخرى مع باقي العالم صلبة بما يكفي سنة 2020 لدرجة أنّ وباء التهاب رئوي مطوّل (منشؤه) ووهان قد يؤدّي إلى تخفيض الناتج المحلّيّ الإجماليّ للدولة، تخفيض أسعار النفط العالميّة، وتدمير سوق شنغهاي الماليّة، فإنّ هذه البنية التحتيّة الواسعة هي بالتأكيد مناسبة لتأمين تفشٍّ خطير للفيروس".

استشهدت غاريت في مجلّة "فورين بوليسي" بما قاله الخبير في مجال الفيروسات يي غوان عن أنّه عايش الكثير من الحالات من إنفلونزا الطيور وإنفلونزا أي و"سارس" وحمّى الخنازير وغيرها. قبل أن يتابع: "لكنّ التهاب ووهان الرئوي يجعلني أشعر بالعجز الشديد. كان بالإمكان السيطرة على جميع الأوبئة، لكن هذه المرّة، أنا مرعوب".

تعليقاً على هذا الكلام، كتبت غاريت: "أنا أشعر بالقلق أيضاً. يصعب النظر إلى الطرق الجديدة المبنيّة بمساعدات صينيّة في سيبيريا والهيملايا وبعيداً حتى أفريقيا من دون رؤية طرق محتملة للمرض يمكن أن تنقل العدوى إلى كلّ زاوية من العالم."

ثلاثة أسابيع والأرقام تتضاعف

كتبت غاريت هذه التوقّعات في 24 كانون الثاني، حين كانت الأرقام عند 830 إصابة في الصين و 26 حالة وفاة. اليوم، وبعدما وصلت الأرقام إلى أكثر من 65200 حالة ووفاة 1486 شخصاً في 13 شباط، يغدو منطقيّاً التساؤل عمّا إذا كانت مبادرة الحزام والطريق ستطيل الزمن المتوجّب لمحاصرة الفيروس. حملت "النهار" السؤال إلى غاريت لكن من دون جواب لغاية نشر التقرير.

نقلت الصين يوم الأربعاء أقلّ ارتفاع لعدد الإصابات منذ أواخر كانون الثاني ممّا يعطي ثقلاً معنويّاً لتوقّع مستشاريها البارزين بإمكانيّة انتهاء التفشيّ في نيسان. لكنّ آخرين يحذّرون من الركون المفرط لهذا التوقّع، وفقاً لما نقلته "رويترز" عن خبراء. لهذا يبقى السباق قائماً بين دور "المبادرة" كمحفّز للتعاون الصحّيّ بين الصين والدول الأخرى وبين محفّز لانتشار "كورونا". وقد لا يتناقض الدوران في نهاية المطاف، حيث يمكن أن يبرز الأوّل على المدى الطويل والثاني على المدى القريب.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard