أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة" بالحكومة

12 شباط 2020 | 16:04

الشارع أمس، غصب واصرار (حسن عسل).

لا يطرح هذا النص استراتيجيا، ولا يزعم ان من حقّه ان يفعل. لا يمكن الاستراتيجيا ان تكون الا نتاج حوار ديموقراطي بين مكونات الإنتفاضة. ليس فقط لأن "الديموقراطيّة" تتطلّب ذلك، بل "الفعّاليّة" أيضًا. فالاستراتيجيا تحدد الخطوات العمليّة التي ستخطوها الإنتفاضة، وهذا لا يكون إلاّ على قياس "خطوات" المنتفضين وطاقتهم.

لكن هذا النص يطرح في المقابل اسئلة لمنتفض، يعتقد انها تساعد على مناقشة بعض الخيارات التي يمكن ان تكون مطروحة على المنتفضين.

يوم الثلثاء في 11 شباط 2020، أعطى النواب المتسللين خلسة الى مجلس النواب، الثقة للحكومة الجديدة، بحماية الجيش وجدران الإسمنت، فيما كان المنتفضون في الخارج يعلنونها "لا ثقة" صارخة ومدويّة.

يُدخل هذا الحدث عنصرًا مفصليًّا في مسار الإنتفاضة ويطرح عليها اسئلة صعبة ومصيريّة.

إعطاء الثقة لحكومة بالمفهوم الدستوري، يعني انها أصبحت شرعية. فهل عدم إعطاء الانتفاضة الثقة للحكومة يعني عدم إعتبارها شرعيّة والتعامل معها على هذا الأساس؟

إذا لم تعترف الإنتفاضة بالحكومة فسيكون عليها عدم الإعتراف بمقرّراتها وصولاً الى إسقاطها. عدم الإعتراف بمقرراتها يعني نوعًا من العصيان المدني، وإسقاطها في الظرف الحالي قد يستلزم إسقاط العهد ومواجهة من يسمح له بالوقوف على رجليه، رغم كل هذه الإنهيارات، أي "حزب الله".

أما إذا اعترفت الإنتفاضة بالحكومة، حتى ولو لم تصرّح بذلك، فعليها ان تجد صيغة للتعامل معها. لن تقول لها بالطبع انها تعطيها "فرصةً"، فالفرصة لا تُعطى لمن لا تثق به. لكنها في المقابل يمكنها ان تتصرّف معها، ليس على أساس الإعتراف بشرعيتها السياسيّة، بل على أساس العلاقة القائمة بين الدائن والمديون. الدائن هو الشعب والمديون هي السلطة التي نهبت أمواله وتحتجز ما تبقّى منها في المصارف.

قد تقوم بين الدائن والمديون علاقة هدنة وخاصة في البداية. وهذا ما يسمّونه بـــ"فترة السماح" أي الفترة التي يمكن المديون الاّ يسدّد خلالها ديونه، في إنتظار ان يسوّي أوضاعه. لكن على المديون بعد ذلك ان يسدّد دينه قسطًا بعد قسط.

على الإنتفاضة عندها ان تحدّد فترة السماح هذه وماذا يمكنها ان تفعل خلالها، حتى يحين الوقت للضغط من أجل تسديد الديون. وأعتقد أن الانتفاضة بحاجة الى فترة هدوء تراجع خلالها ما قامت به حتى اليوم.

لكن هل يتم الضغط تحت شعار "كلن يعني كلن" أم انه يجب على الإنتفاضة تعديل شعارها حتى يتلاءم مع مواصفات الحكومة الحالية التي تضم الأكثرية النيابية حصريًّا، فيما القوى الأخرى التي يشملها شعار "كلن يعني كلن" بقيت خارجها؟

شعار "كلن يعني كلن" أكثر جذريّة بحيث انه يطال تركيبة الحكم بأكملها لكنّه أقل فعّاليّة وراهنيّة في الضغط على حكومة من لون واحد.

في الحالتين، هل سيبقى الضغط متقطّعًا، وبحسب الظرف، ام انه سيُدرج من ضمن خطة طويلة الأمد؟

هل ستقتصر الخطة على الضغط على الحكومة، ام عليها ان تشمل أيضاً عمليّة تحرير مؤسسات المجتمع من هيمنة "كلن يعني كلن"، كما جرى في نقابة المحامين، وكذلك ان تشمل مسألة التحضير للمشاركة في الإنتخابات النيابيّة المقبلة؟

أليس من الضروري أيضًا ان تشمل الخطة، كيفية تحويل الإنتفاضة من قوّة داخليّة صرف، الى مفاوض على المستوى الدولي، لا سيما في ما يتعلّق بمشاريع "سيدر" والحوار مع صندوق النقد الدولي، والاثنان يفترضان في نصوصهما، مشاركة لقوى المجتمع المدني. مع العلم ان السلطة تنظّم اتصالات مستمرة بهذه الجهات وتسعى جاهدة لتأمين مصالحها ومصالح شركاتها من خلال هذه الاتصالات، التي ستحدّد على الأرجح كيفية لجم الإنهيار المالي والإقتصادي.

الضغط على الحكومة في قضايا محدّدة، وكذلك فتح قنوات إتصال مع الخارج المعني بالازمة الماليّة والإقتصاديّة، يفترضان إعداد ملفات متوافق عليها ولجوء الإنتفاضة الى التفاوض. وهذا يتطلّب تطويرًا للصيغة التنسيقية للانتفاضة ولأشكال القيادة. فهل تذهب الإنتفاضة في هذا الاتجاه أم انها ستستمر في الاحجام عن ذلك تفاديًا لتعرضها للاستقطاب او للقمع كما تعتقد؟ مع العلم ان القمع والاستقطاب جاريان على قدم وساق والقيادات الاساسية معروفة ومراقبة.

الثورات الكبيرة التي حصلت في التاريخ (الفرنسيّة والأميركيّة والروسيّة) لم تجرِ في ظروف إنهيار مالي وإقتصادي بل على العكس. حتى ان الانتفاضات العربية أبان الربيع العربي، جاءت نتيجة انسداد في عملية النمو أكثر منها نتيجة لأزمة إقتصاديّة إجتماعيّة حادة من مثل التي يشهدها لبنان.

هذا الفارق الكبير بين الواقع اللبناني وظروف الثورات الأخرى، يحتّم الحذر في مسائل إقتباس المقاربات الملائمة للإنتفاضة اللبنانيّة. حتى لو كان بالإمكان الإفادة من بعض التجارب.

التجربة الأقرب الى حالتنا، في ما خصّ الإنهيار المالي، هي التجربة اليونانيّة التي تمخّض عنها تكوين حالة سياسيّة معارضة لسياسات التقشّف والفساد، تحت اسم حزب "سيريزا"، الذي تمكّن من الوصول الى السلطة. لا تشبه التركيبة الإجتماعيّة السياسيّة اللبنانيّة تلك القائمة في اليونان، لكن طغيان عامل الإنهيار المالي والإقتصادي على كل ما عداه في وضعنا الحالي، يدفعنا الى الإلتفات بإهتمام الى التجربة اليونانيّة، في ما خصّ التنظيم السياسي للانتفاضة، وخصوصًا ان الخزّان الشعبي لـ"سيريزا" تشكّل من الفئات المهمّشة صاحبة الأجور الهشّة والدوام الجزئي والعاطلة عن العمل، وهي الفئات التي من المتوقّع ان تصبح أكثرية في الواقع اللبناني في ظل إقفال المؤسسات وتسريح العمّال والتضييق على الودائع في المصارف.

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard