أبناء الكوكب

10 شباط 2020 | 17:22

تصوير حسن عسل.

سألني من نكون. فأجبته بأننا حجّاج على الكوكب.

وتوارى، وعاد يسأل عن الأجل والديار.

فقلت:

"نحن من أهل السماء. هناك الديار. وجميعنا في زيارة إلى الكوكب يا بنيّ. فلتكن إقامتنا فيه إقامة غريب وافى أرضاً غريبة، وعرف حدّه فلزمه. يجب أن تبقى الأرض مكاناً جيداً للأجيال والتطهر والزيارة. يجب أن تبقى الأرض صورة عن فردوس إليه ننتمي.

نستوطن ما يستوطننا. فحذار الجشع والطمع والحقد والرذيلة لأنها توطّنك في العذاب. حالتنا ديارنا يا صغيري. فتعالَ نتذوق بعضاً من حلاوة الحياة كي نعيش في الجمال".

وتابع سائلاً:

"لكن كيف أتيتَ إلى ها هنا؟"

فأجبته:

"أتيتُ وأتيتَ بواسطة حشا أمّ دمغتها أرض أجدادك وأجدادي. أتيتُ من حيث أتيتَ أنت وأخوتك. ولدنا في أرض البركات واللعنات، أرض الموارد والديانات حيث تلتقي وتتخاصم حضارات البشر. ونتخاصم على بعض الكيلومترات المربعة من المدينة القديمة في أورشليم-القدس التي هي معبرنا إلى السماء. ومن يسودون علينا يتخاصمون على آبار النفط وكل ما يجري على الأرض وتحت الأرض. فالأرض التي تستضيفنا وتستضيفهم لا تتسع لهم.

نحن أولاد جبل اللبان الذي يجاور أرض قبائل الفلستو التي غزاها يشوع بن نون وصارت مسرح الكتاب المقدس وشخصياته. طردهم واستعادوها. وها إنّ حلقة العنف لا تنكسر. ننتمي إلى بلدة تغفو ما بين غابتيّ أرز. يحمرّ جبينها خفراً إذا ما التقت الشمس والقمر والكواكب. أنا ابن هذه الأرض، وابن هذه المنطقة، وابن هذا الكوكب. انتمائي إلى الكوكب لا يمحو هويّتي.

نحن أولاد هذه الأرض وهذه المنطقة وهذا الكوكب. نحن أبناء الناصري الذي غرّبه أبناء قومه حسداً. نعم، نحن قوم ذلك الغريب الذي غرّبه أصحاب الكراسي والمصالح. ذاك الذي ما كان له مكان يسند إليه رأسه. نحن أبناء ابن الانسان الذي أتى لكل البشرية وهو لم يزر بلداً واحداً إلا بلده، ولم يتكلم إلا لغة المحبة، وما امتلك شيئاً.

عاش فيلسوف إغريقي قديماً اسمه ديونيس يا ولدي. ديونيس اعتبر بأنّه ينتمي إلى الكوسموس-الكون. وكان كذلك. لأنه عرف كيف يضيء. فـ"الكرامة الإنسانية تتألق في عريّها ما لم تحجبها ادعاءات المراتب والقوميات"، كما قال أورويل يوماً.

ومازلنا في وطننا نفتش عن أصنام نستظل بها. فتحجب عنّا النور وتخفينا. وما زلنا نضع قبليتنا فوق الحق. نناصر أخينا ظالماً كان أو مظلوماً. ونقف مع ابن عمنا بوجه الغريب مهما كانت الأسباب. سقط بلدنا والهيكل من كثرة القبلية والفساد. سقط الهيكل لأننا وضعنا الأصنام فوق الحقيقة، واستقوينا بها على الآخر الذي هو في يقيننا خطر وعلى ضلال دوماً. لا تستقيم الأمور إلا بفسحة الشمس. لا تستقيم الأمور إلا بالوجه الذي لا يلغي الوجه. لا تستقيم الأمور إلا بفسحة الحرية وبالحق الذي هو سلام وجمال.

ديونيس طرد الاسكندر الكبير الذي وافاه ووقف فوقه حاجباً عنه نور الشمس. أتى كي يسأله ماذا يريد كي يحضره له. فكان أن أجاب: "ابتعد عن شمسي ونوري". ففُسح الشمس هي فسح الوجود. المقتدرون يحجبون عن الناس الشمس. أما أنت فلا تستظلّ بزعيم وتدعه يحجبك.

لا، ليس الانتماء إلى الكون شراباً أو لباساً أو نمط عيشة وأسفاراً ومنتديات وفلسفات ونخباً، كما يقولون ويسوّقون.

تصير ابناً للعالم عندما تضع الكرامة الإنسانية فوق كل الاعتبارات. تصير جزءاً من الكون عندما تستقيم علاقتك بنفسك والعالم والعناصر، فيصير الكوكب ساحتك. فتنتفض على كل ظلم وظالم وتناصر كل قضية محقة. تصير ابن الانسان عندما تصير إنساناً حقيقياً يشعر، يتألم لكل متألم، ويفرح لكل خير في غيره.

الإنسان مشروع سماع. هو "مشروع قلب" كما يقول شيخ جليل.

تصير ابن الكوكب يا صغيري حين تضع الحق في أعلى مقام. تتحرر من القوميات والموروثات الاجتماعية والرتب والمراتب والأصنام عندما تصير للحق والجمال. البعض يعتقد بأنّ الكوزموسيين هم تلك الحفنة من المقتدرين الذين يفطرون في باريس ويتسوقون في نيويورك ويتجولون في روما ويرتادون دافوس. إلا أنّ غالبية أولئك ليست كذلك. فالعولمة ليست تسلطاً وتلاعباً بالحكومات بل هي كرامة إنسانية.

القلب هو العالم. ومملكته الكوسموس يا صغيري. أنت ابن الحق بالتبني الذي يعلو ولا يعلا عليه. والحق يتجلى فيك إن حافظت على فسحة الضوء. بهذا تكون كوزموسيّاً، درب حجِّك الأرض ووجهة مشوارك تحرر الإنسان".

اليسا في "النهار": تكشف اسراراً وتبوح



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard