الطبّ الدقيق قد يصبح حقيقة من خلال التعاون وتبادل المعرفة

5 شباط 2020 | 20:39

تعبيرية.

قبل أسابيع قليلة، كان لي شرف المشاركة في فعاليات منتدى "علم الجينوم في الممارسات السريرية"، الذي انعقد في قطر، بجهد تعاوني بين كلية العلوم الصحية والحيوية بجامعة حمد بن خليفة، والمجلس القطري للتخصصات الصحية. شهد المنتدى مشاركة عدد من علماء الجينوم، والباحثين، والتقنيين، والعاملين في مجال الرعاية الصحية، حيث كانت الفرصة مناسبة لتبادل وجهات النظر حول علم الجينوم، والطبّ الدّقيق.

وللتعمّق قليلاً في فهم الطبّ الدّقيق، علينا فهم أساسيات بيولوجيا الخلية، حيث نجد الحمض النووي الذي يمكن اعتباره المخطط الأساسي للخلية لأداء وظائف مختلفة، مثل إنتاج الإنزيمات أو البروتينات أو الهرمونات. فإذا حدث أي تغيير في هذا المخطط الأساسي، فإن ذلك قد يؤدي إلى عدم تمكّن الخلايا من العمل بشكل صحيح، ما قد يسفر عن الإصابة بالأمراض، بما في ذلك مرض السرطان.

ولكن، بالحديث عن مرض السرطان، يجب علينا أن نتذكر دائماً أن هذا المرض يأتي بأنواع مختلفة. ففي سرطان الثدي، على سبيل المثال، توجد عدة أنواع فرعية من المرض، يمكن لكل نوع فرعي أن يؤدّي إلى تحولات جينية تختلف عن النوع الآخر.

وباستخدام الطبّ الدقيق، يتم "ترتيب" جينوم الشخص المصاب بالمرض، بهدف اكتشاف هذه التحولات، الأمر الذي يساعد الأطباء في تحديد العلاج المناسب بناءً على التغيرات الجينية المحددة لكل مريض.

ولكن حتى اليوم لا يزال هناك العديد من العقبات التي تحول دون استخدام أساليب الطبّ الدقيق على نطاق واسع. أولى هذه العقبات تتمثل في وجود كمية هائلة من البيانات. فقد يكون من السهل رسم تسلسل جيني، وهو أمر غير مكلف نسبياً. إنما ماذا نفعل بهذه البيانات؟ كيف نتمكّن من دراستها وتصفيتها؟ كيف يمكننا معرفة التغيرات التي تسبّب المرض؟ هذه كلها تفاصيل معقدة، وتتطلب الكثير من القدرات الحاسوبية، كما تتطلب الخبرة البشرية للعمل على دراستها وتصنيفها واستكشافها بالكامل.

فعندما نكون قادرين على تحديد التغيرات الجينية، سيكون لدينا العديد من الحالات التي نجح فيها المرضى في التغلب على المرض من خلال العلاجات المخصصة. ولكن، رغم ذلك، فإننا لا نمتلك بعدُ العلاجات اللازمة للعديد من التغييرات الجينية التي يمكن أن تواجهنا، إذ قد يستغرق الأمر حوالي 20 عاماً لنقل علاج ما من "فكرة" إلى دواء قد تصل تكلفته إلى ملايين أو مليارات الدولارات.

الأكيد أن علوم الجينوم تشهد تطوراً سريعاً، ولكننا لا نزال في مرحلة مستوى فهم التغيرات الواقعة لا أكثر. أما التطبيق، وتحويل المعرفة إلى طبّ علاجي، فهو شأن آخر.

وباعتقادي، إن مفتاح التقدم في هذا المجال الطبي، يكمن في تحقيق المزيد من التعاون وتبادل المعرفة. إذ كلما زاد فهم العلماء والممارسين الصحيين لوجهات نظر بعضهم البعض، كلما انعكس ذلك في تقديم علاج أفضل. على أمل أن نصل، مستقبلاً، إلى مرحلة ندمج فيها هذه الأفكار، وتحقيق العمل الجماعي المشترك. فكلما بذلنا المزيد من الجهد في هذا الإطار، مثل انعقاد منتدى "علم الجينوم في الممارسات السريرية"، كلما زاد عدد المرضى الذين سيستفيدون من العلاجات الأكثر دقة وفاعلية.

*عن إيهاب يونس

يشغل إيهاب يونس منصب الأستاذ المساعد في العلوم البيولوجية بجامعة كارنيجي ميلون في قطر منذ أغسطس 2015. بعد حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة ولاية أوهايو في اختصاص البيولوجيا الجزيئية والخلوية والتطورية، تدرب كزميل لما بعد الدكتوراة في مختبر Gideon Dreyfuss، قسم الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية الجزيئية بكلية الطب في جامعة بنسلفانيا.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard