لماذا قد يعتمد الأوروبّيّون موقفاً ليّناً من "صفقة القرن"؟

2 شباط 2020 | 18:40

المصدر: "النهار"

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي دونالد ترامب - "أ ف ب"

وضعت خطّة ترامب للسلام المعروفة ب "صفقة القرن" المسؤولين الأوروبّيّين أمام تحدّ جديد. أعربت بروكسل مراراً عن رفضها أيّ تسوية مرتبطة بالصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ من خارج القرارات الأمميّة وإذا كانت غير صادرة عن تفاوض مباشر بين الطرفين. وإذا كانت الخطّة الأميركيّة قد نسفت هذه المعايير، فسيكون من مصلحة الأوروبّيّين التدخّل في هذا الملفّ لتثبيت تمتّع اتّحادهم بموقع متمايز عن الأميركيّين في هذه السياسية الخارجيّة. لكن إلى الآن، تبدو مواقف الأوروبّيّين ملتبسة بالحدّ الأدنى.

أكّد الاتّحاد الأوروبّي الثلاثاء التزامه الثابت بحلّ الدولتين عن طريق التفاوض فيما أعلن المنسّق الأعلى للشؤون السياسيّة جوزف بوريل أنّ الاتّحاد "سيدرس ويجري تقييماً للمقترحات المقدّمة". وقال إنّ الاتّحاد يؤكّد مجدّداً استعداده للعمل من أجل استئناف مفاوضات جادّة بهدف حلّ جميع المسائل المتعلّقة بالوضع الدائم وتحقيق سلام عادل ودائم."

مجموعة تحدّيات

تضمّنت خطّة ترامب اعترافاً أميركيّاً بسيادة إسرائيل على المستوطنات في الضفّة الغربيّة وعلى غور الأردن. كذلك، أعلنت عن قيام دولة فلسطينيّة منزوعة السلاح مستقبلاً بينما أشارت الخطّة إلى أنّ القدس بكاملها ستكون عاصمة لإسرائيل. ولم تترك "الصفقة" سوى بلدة أبو ديس شرق القدس كعاصمة للفلسطينيّين مع منحهم إمكانيّة تسميتها لاحقاً ب "القدس" أو بأيّ اسم آخر يختارونه.

التحدّيات المعنويّة والسياسيّة الأبرز التي يواجهها الأوروبّيّون اليوم هو خروج المملكة المتّحدة من الاتّحاد الأوروبّيّ (بريكست). سيترك هذا الملفّ أثره على السياسة الخارجيّة للاتّحاد في مجالات شتّى ومن بينها الصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ. أعلن ترامب الثلاثاء أنّه تلقّى دعماً بريطانيّاً لخطّته. بالفعل، صدر بيان عن الحكومة البريطانيّة أكّد تواصل الرئيس الأميركيّ ورئيس الحكومة البريطانيّ بوريس جونسون بشأن الموضوع، مضيفاً أنّ خطّة السلام "يمكن أن تبرهن عن كونها خطوة إيجابيّة إلى الأمام". أمّا وزير الخارجيّة البريطانيّ دومينيك راب فوصف الخطّة ب "المقترح الجدّيّ بشكل واضح، عاكساً وقتاً وجهداً مكثّفين" لبلورته.

كان متوقّعاً أن يبدأ البريطانيّون بالاقتراب تدريجيّاً من الموقف الأميركيّ في السياسة الخارجيّة مع دنوّ موعد "بريكست". يضاف إلى ذلك أنّ وصول جونسون إلى 10 داونينغ ستريت يسهّل هذه المهمّة. لكنّ احتمال تماهي لندن مع واشنطن في السياسة الخارجيّة تجاه الأراضي المحتلّة لا يعني بالضرورة ابتعاداً كبيراً عن سياسة الاتّحاد الحاليّة في هذا الملفّ. فموقفه لم يكن متشدّداً أساساً إزاء الخطّة الأميركيّة. "رحّبت" فرنسا ب "جهود الرئيس ترامب وستدرس عن كثب برنامج السلام الذي قدّمه" بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجيّة الفرنسيّة. من جهته، أشار وزير الخارجيّة الألمانيّ هايكو ماس في بيان إلى أنّ خطّة ترامب "تثير تساؤلات سنناقشها الآن مع حلفائنا في الاتّحاد الأوروبّيّ".


توصيات كثيرة

يدرك الأوروبيون عمليّاً أنّ خطّة ترامب تقضي على آمال حلّ الدولتين. خصّصت مراكز أبحاثهم الكثير من الدراسات المرتبطة بالملفّ. على سبيل المثال، ذكرت الباحثة البارزة في قسم أفريقيا والشرق الأوسط التابع ل "المعهد الألمانيّ للشؤون الأمنيّة والدوليّة" الدكتورة موريال أسيبورغ أنّ الصفقة "تخاطر بتصعيد إضافيّ في وضع متوتّر أساساً وبتسريع تآكل إدارة مشتركة للنزاع". وأوصت أوروبا بتحديد الاتّحاد الأوروبّيّ لموقفه في حقّ الشعبين بتقرير مصيرهما وضمان حقوق الإنسان وتنفيذ حق العودة الذي يحترم الحقّ الفرديّ للّاجئين الفلسطينيّين ومصالح الدول التي سيتمّ توطينهم فيها.

وشدّدت أسيبورغ على ضرورة عدم دعم أو تمويل أوروبا أي جانب من الخطّة الأميركيّة إلّا في حال تحقيقها جميع هذه المعايير مضيفة أنّ الاستثمار الشامل يعجز عن تحقيق التنمية في الأراضي المحتلّة بالنظر إلى العراقيل التي يفرضها الاحتلال.

من جهته، شدّد الباحث في "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة" هيو لوفات على أنّ أي منافع محتملة وراء خطّة ترامب، إن وُجدت، ستكون مستقبليّة. وأضاف أنّ الدول الأوروبية مثل فرنسا تعهّدت سابقاً اتّخاذ إجراءات حازمة لتحقيق السلام على الأرض بناء على قيام دولتين، "في الوقت المناسب". برأي الباحث نفسه، الآن هو الوقت المناسب، لاتّخاذ الإجراءات من بينها تعزيز التمييز الأوروبي بين إسرائيل والمستوطنات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلّة وفقاً لقرار مجلس الأمن 2334. كما طالب القوى الأوروبّيّة بتعزيز آليّات المحاسبة الدوليّة بما فيها اللجوء إلى محكمة الجنايات الدوليّة، وبتحذير إسرائيل من أنّ استمرارها في السياسات نفسها ستقوّض أسس التعاون بين بروكسل وتل أبيب.

مقاربة "واقعيّة"؟

اللافت أنّ المواقف الأوروبّيّة السابقة إزاء الخطوات الأميركيّة التي خرقت القرارات الأمميّة كانت أقوى. على سبيل المثال، وصف ماكرون نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس بأنّها "خطر على السلام"، في كانون الأوّل 2017. كذلك، رأت الحكومة البريطانيّة السابقة بقيادة تيريزا ماي قرار ترامب نقل السفارة بأنّه "غير مساعد في مسألة آفاق السلام في المنطقة". وفي أيّار الماضي، كاد الاتّحاد الأوروبّيّ يصدر بيان إدانة للخطوة الأميركيّة لولا عرقلة المجر وتشيكيا ورومانيا للمشروع.

اليوم، يبدو موقف بروكسل أكثر ليونة. ربّما التطوّرات الكثيرة التي يواجهها الأوروبّيّون في ملفّات كثيرة لا تمكّنهم من التصعيد أكثر في مواجهة الأميركيّين. حتى في الملفّ الإيرانيّ، بدأت بروكسل تقترب أكثر من الموقف الأميركيّ بعد الخطوة الرمزيّة، لكن المهمّة، في تفعيل آليّة فضّ الخلاف الشهر الماضي. وإن كان صحيحاً ما ذكرته "واشنطن بوست" أنّ ترامب هدّد الأوروبّيّين بفرض رسوم بنسبة 25% على سيّاراتهم في حال رفضوا تفعيل آليّة فضّ النزاع، فلن يكون مستبعداً تفكير الأوروبيين بتفادي مشكلة إضافيّة مع ترامب متعلّقة بخطّة السلام الخاصّة به، خصوصاً أنّ مسألة فرض الرسوم ليست جديدة، وقد تستجدّ عند كلّ خلاف سياسيّ بين الطرفين. وعاود ترامب التهديد بها في منتدى دافوس في حال لم يبرم الأوروبيون اتفاقاً جديداً مع واشنطن. وخضع مشروع خطّ أنابيب "نورد ستريم 2" الذي يوصل الغاز الروسيّ إلى ألمانيا لعقوبات أميركيّة هو الآخر. 

فهل أصبحت بروكسل أكثر استعداداً للتعاطي مع "صفقة القرن" على أنّها نافذة لإطلاق مفاوضات جديدة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين؟ أم أنّها تبني سياستها في هذه القضيّة على قاعدة انتظار ردود الفعل في العالمين العربي والإسلامي إضافة إلى الموقفين الروسيّ والصينيّ؟ في كلتا الحالتين، ينطلق الاتّحاد الأوروبّيّ في مقاربته من موازين قوى قد لا تخدمه كثيراً في الوقت الحاليّ.

قصة المرأة الخارقة: فقدت فجأة القدرة على المشي وأصبحت بطلة!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard