يوم لندن الأوّل خارج الاتّحاد الأوروبيّ... فرحة البعض قد لا تطول

1 شباط 2020 | 20:34

المصدر: "النهار"

رئيس "حزب بريكست" نايجل فاراج من بين المحتفلين بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي - "أ ف ب"

"ما يحصل عند الحادية عشرة ليلاً هذا الجمعة في الحادي والثلاثين من كانون الثاني 2020 يمثّل نقطة اللاعودة. بمجرّد أن نكون قد غادرنا، لن نعود أبداً والباقي بصراحة تفاصيل (...) ماذا نريد من أوروبا؟ إذا كنّا نريد التجارة، الصداقة، التعاون، التعامل بالمثل، فلا نحتاج لمفوّضيّة أوروبّيّة، لا نحتاج لمحكمة أوروبّيّة، لا نحتاج لهذه المؤسّسات وكلّ هذه السلطة. وأستطيع أن أعدكم (...)، نحبّ أوروبا، نحن فقط نكره الاتّحاد الأوروبّيّ، الأمر بهذه البساطة. 

لذا آمل أن يطلق هذا نهاية المشروع، إنّه مشروع سيّئ، إنّه ليس فقط مشروعاً غير ديموقراطيّ، إنّه مناهض للديموقراطيّة، ويضع ذلك في الواجهة: السلطة من دون المحاسبة. أشخاص لا يمكن محاسبتهم من قبل الناخبين. وهذه هيكليّة غير مقبولة. بالفعل، هنالك معركة تاريخيّة تجري على امتداد الغرب، في أوروبا وأميركا وأماكن أخرى: إنّها العولمة في مقابل الشعبويّة. وقد تشمئزّون من الشعبويّة. لكنّني أخبركم أمراً مسلّياً: إنّها (الشعبويّة) تصبح شعبيّة...".

اختصر رئيس "حزب بريكست" نايجل فاراج في آخر كلمة له تحت قبّة البرلمان الأوروبّيّ الكثير ممّا يشعر به البريطانيّون المؤيّدون لخروج بلادهم من الاتّحاد الأوروبّيّ. لكنّه أيضاً كثّف العديد من "المظالم" وحتى المفارقات حين أعلن حبّه لأوروبّا وكرهه لاتّحادها. في 1 شباط 2020، تعيش المملكة المتّحدة يومها الأوّل خارج الاتّحاد، بعد مسيرة دامت 47 عاماً في النادي الأوروبّيّ.

انقلاب المسار؟

حين خرجت أوروبا مدمّرة بعد الحرب العالميّة الثانية، أرادت فرنسا وألمانيا استقاء الدروس وتطبيقها تفادياً لحروب أخرى. اقترح وزير الخارجيّة الفرنسيّ آنذاك روبرت شومان اتّفاقيّة تعاون بشأن إنشاء إنتاج مشترك بين دول أوروبّيّة للفحم والصلب. سارع المستشار الألمانيّ كونراد أديناور إلى تقبّل الفكرة. أراد شومان جعل الحرب بين ألمانيا وفرنسا "لا عصيّة على التفكير وحسب، بل أيضاً مستحيلة مادّيّاً". ودخل الفحم والصلب بشكل أساسيّ في الصناعات العسكريّة، لذلك، ما كان سبباً للحروب الأوروبّيّة أصبح سبباً للتلاقي وفقاً لرؤية أديناور. واتّفقت ستّ دول من أوروبا الغربيّة على تأسيس "المجموعة الأوروبيّة للفحم والحديد" التي دخلت حيّز التنفيذ سنة 2002 وانتهت بعد حلول الأجل المتّفق عليه (50 سنة).

شكّلت تلك المجموعة نواة ما سيُعرف لاحقاً بالاتّحاد الأوروبّيّ. لم تكمن الفكرة فقط في تأسيس هيئة عابرة للأوطان هدفها التقارب الاقتصاديّ وتلافي أسباب الحرب. الأساس الآخر الذي أمكن استنتاجه من تفكير شومان وأديناور أنّ المصالحة واللقاء بين الشعوب يتمّ عبر مبادرات من النخب والقيادات السياسيّة تُطلق من أعلى الهرم فيتّبعها من هم في قاعدته. ما حصل مع "بريكست" يبدو أنّه رسم نهاية لهذا المسار على الأقلّ بالنسبة إلى البريطانيّين.

غالباً ما يتّهم المشكّكون بالاتّحاد الأوروبّيّ قادة الدول بتحديد السياسات القارّيّة وفرضها على المواطنين. انتقاد فاراج للمفوّضيّة الأوروبّيّة مثل على ذلك. للمفوّضيّة السلطة الأقوى نسبيّاً داخل الاتّحاد فهي تقدّم مشاريع القوانين وتنفّذ قرارات البرلمان القارّي ومجلس الاتّحاد الأوروبّي وتشرف على تطبيق الموازنة. وتعيّن كلّ دولة عضو مفوّضاً عنها بالاتّفاق مع رئيس المفوّضيّة قبل أن يوافق البرلمان على التعيين بعد جلسة استماع. بالتالي، هي غير منتخبة مباشرة من الأوروبيين.


مشكلة مزدوجة

توازي المفوّضيّة الأوروبّيّة الحكومات على المستوى الوطنيّ، حيث السلطات التنفيذيّة غير منتخبة بطبيعتها. لكنّ الحكومات البريطانيّة مؤلّفة من وزراء هم أساساً نوّاب فائزون عن دوائرهم الانتخابيّة، إلى جانب بعض اللوردات. ليس واضحاً مدى الحساسيّة التي تخلقها هيئات أوروبّيّة غير منتخبة كالمفوّضيّة أو المحكمة، لدى البريطانيّين. لكنّ الواضح أنّ العثرات أكثر تشعّباً.

كتب مدير "مركز الإصلاح الأوروبي" شارل غرانت منذ سنوات، تواجه المفوّضيّة مشكلة بأنّها لا تتمتّع بالشعبيّة أكان بين الدول أو بين المواطنين. في هذا الإطار، أدخل الاتحاد تعديلات لجعل الأوروبّيّين ينخرطون أكثر في العمليّة السياسيّة وصناعة القرار بعدما ولم تكن نسبة الإقبال على الانتخابات تتخطّى 51% منذ سنة 1999 وحتى 2019. من بين هذه التعديلات، "مبادرة المواطنين الأوروبّيّين" سنة 2012.

ثمّة أكثر من جامع مشترك بين التمثيل السياسيّ على مستوى الدول كما على مستوى الاتّحاد، مثل وجود سلطات غير منتخبة أو نسب اقتراع متدنّية أو تشكيك بالنخب الحاكمة. وحصر المشكلة بالآليّة الديموقراطيّة وحدها لا يقدّم تفسيراً شاملاً. المملكة المتّحدة خير مثل عن ذلك. فمؤيّدو البقاء يرون الديموقراطيّة البريطانيّة في أزمة، أمر لا يوافقهم عليهم مؤيّدو "بريكست". استند الطرف الثاني إلى نتيجة الاستفتاء للقول إنّ إرادة الشعب تحقّقت أمس ليلاً.

"مقامرة ذات مخاطر مرتفعة"

تتساءل أستاذة الفلسفة في جامعة وارويك البريطانيّة كمبرلي براوني والأستاذة المشاركة في علم النظريّة السياسيّة في جامعة أكسفورد زوفيا ستمبلوفسكا عن صحّة هذا الطرح. بإمكان الاستفتاء أن يبدو كأفضل آليّات الديموقراطيّة، لكنّه يقدّم "لمحة مجمّدة عن رأي عام مستقطب." وأضافتا أنّ استفتاء 2016 كان "مقامرة ذات مخاطر مرتفعة لإسكات اليمين الانعزاليّ في حزب المحافظين. لم يكن مصمّماً لتقديم لحظة وضوح ديموقراطيّ، وبذلك، هو لم يقدّمها."

لم ينسَ العالم كيف ازدادت نسبة بحث البريطانيّين على محرّك "غوغل" عن ماهيّة الاتّحاد الأوروبي بعد ساعات على انتهاء الاستفتاء. كما لم ينسَ الخبر الزائف الذي ساهم بنشره فاراج نفسه عن أنّ بريطانيا تدفع أسبوعيّاً 350 مليون جنيه استرلينيّ للاتّحاد مضيفاً أنّه يجب تحويله إلى القطاع الصحّيّ البريطانيّ. وقد اعترف بعد صدور النتائج أنّه كان مخطئاً حول الرقم. وبعد سنتين على الاستفتاء، وجد استطلاع رأي لجامعة "كينغز كولدج" أنّ 42% من الذين سمعوا هذا الرقم كانوا لا يزالون يصدّقونه.

ومع أنّ مدير معهد المعهد السياسيّ في الجامعة البروفسور بوبي دافي قال لصحيفة "إندبندنت" إنّ معرفة الرقم الصحيح لم تكن لتغيّر النتيجة، لأنّ التصويت كان "أكثر عاطفيّة" من هذا الأمر. التفسير الذي قدّمته براوني وستمبلوفسكا عن الاستقطاب الذي ساد الاستفتاء شاركهما فيه آخرون. مع ذلك، ليست تلك السمة خاصّة باستفتاء 2016 وحده بل بات ملازماً لانتخابات كثيرة في العالم الغربيّ حاليّاً. بالتالي، لن يكون منطقيّاً التشكيك بكلّ قرار تصدره غالبيّة شعبيّة بناء على هذا العنصر فقط. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأخبار الزائفة التي تضاعفها وسائل التواصل الاجتماعيّ.


عن تعميم التجربة

هنالك الكثير ممّا لا يزال بإمكان المراقبين استخلاصه حول التصويت لصالح "بريكست". هل هو تشكيك بالمؤسّسات العابرة للأوطان والعولمة واستعادة القرار الوطنيّ في مواجهة "نخب" دوليّة متّصلة ببعضها ومنفصلة عن قاعدتها الشعبيّة؟ ثمّة جانب من الحقيقة في هذا الدافع. لكنّ تعميم التجربة البريطانيّة على دول أخرى في الاتّحاد شبه مستحيل. حتى مطالبات الأحزاب الشعبويّة الأوروبّيّة باستفتاءات للخروج من الاتّحاد خبت في السنوات الأخيرة. وهذا ما قد لا يعجب فاراج الذي أعرب عن رغبته بانتشار مشروعه في الدول الأوروبّيّة الأخرى. لكنّ بروكسل لا تستطيع تنفّس الصعداء كثيراً بعد تحقيق الأحزاب الشعبويّة نتائج إيجابيّة في انتخابات البرلمان الأوروبيّ وخصوصاً أحزاب "بريكست" (فاراج) و "التجمّع الوطنبيّ" (لوبان) و "الرابطة" (سالفيني) التي حلّت في المرتبة الأولى في بلادها.

على أيّ حال، إنّ الأصعب بالنسبة إلى مؤيّدي "بريكست" والفرحين بالمغادرة، من بينهم فاراج، لمّا يأتِ بعد على الأرجح. فعلى رئيس الحكومة بوريس جونسون خوض مفاوضات تجاريّة شاقّة مع الاتّحاد وربّما مع عدد من الدول الأخرى. كذلك، من غير الواضح بعد كيف سيتفاعل الاسكتلنديّون والآيرلنديّون الشماليّون الغاضبون مع الواقع الجديد.

رأت هيئة تحرير صحيفة "لندن إيفنينغ ستاندرد" البريطانيّة أنّ "الدراما" التي رافقت النقاش بين معسكري البقاء والخروج يجب أن تنتهي بدءاً من اليوم. يصعب تصوّر نهاية كهذه بسبب المسائل الحسّاسة التي ترافقه بدءاً من علاقات لندن مع بروكسل مروراً بتقييم الآليّات الديموقراطيّة وأسس الرجوع إلى رأي الشعب في محطّات مفصليّة، وصولاً إلى موقع المملكة في النظام العالميّ. اليوم – بحسب ما كتبته في "فورين أفيرز" أستاذة العلوم السياسيّة المقارنة في جامعة هارفرد بيبا نوريس – "قد يكون وحسب، بداية مشاكل المملكة المتّحدة".

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard