تصعيد أميركيّ في سوريا بعد اغتيال سليماني؟

27 كانون الثاني 2020 | 13:04

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

تقاطعت تصريحات رسميّة وتقارير صحافيّة حول احتمال تصعيد الولايات المتّحدة ضغطها في سوريا بعد اغتيال قائد "قوّة القدس" قاسم سليماني. عجزت واشنطن عن امتلاك رؤية خارجيّة متكاملة للملفّ السوريّ طوال ولايتي باراك أوباما والولاية الأولى لدونالد ترامب. على الرغم من أنّها شكّلت جزءاً من "محور المقاومة" وحلقة أساسيّة في ربط "الجسر البرّيّ الذي يصل طهران بشاطئ البحر المتوسّط، بقيت سوريا بعيدة عن أولويّات الرئاسة الأميركيّة الحاليّة في الشرق الأوسط. هذا باستثناء الجزء المتعلّق بمحاربة تنظيم داعش، والتي شكّلت نقطة مشتركة بين الإدارتين الحاليّة والماضية. 

وفيما فرضت الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبّيّ عقوبات على نظام الرئيس السوريّ بشار الأسد، لم يقدم الطرفان على طرح تصوّر واضح بالنسبة إلى مصير الرئاسة السوريّة والإصلاحات الدستوريّة والفترة الانتقاليّة. لكن اليوم، ثمّة معطيات يمكن أن تحرّك العجلة الجامدة عند الأميركيّين، وتالياً عند الأوروبّيّين.

"عقوبات إضافيّة"

يوم الخميس الماضي، قال الممثّل الأميركيّ الخاص للتواصل بشأن سوريا جايمس جيفري إنّ واشنطن ستكون حاضرة في بروكسل الأسبوع المقبل "للتحدّث عن العقوبات ومسائل اقتصاديّة أخرى مرتبطة بإبقاء الضغط على نظام الأسد." وأضاف أنّ الولايات المتّحدة "بحاجة لوضع الكثير من الجهود" لإبقاء العقوبات على حكومة الأسد ردّاً على هجومها المستمرّ ضدّ محافظة إدلب وسلوك روسيا في الأمم المتّحدة لتقييد المساعدات الإنسانيّة عبر الحدود والتي تتّجه إلى مناطق غير خاضعة لسيطرة الحكومة.

وكانت روسيا قد حاولت فتح قنوات ديبلوماسيّة مع الأوروبّيّين من أجل إعادة إعمار سوريا لكن من دون جدوى، خصوصاً في ظلّ رفض قاطع من الأميركيّين. وقال جيفري إنّ بلاده ستتحدّث إلى الأوروبّيّين الذين يفرضون أيضاً عقوبات على الأسد مع دراسة "عقوبات إضافيّة".

قد يكون اغتيال سليماني عزّز اندفاع الإدارة الأميركيّة لفرض المزيد من الضغط على سوريا، كما هي الحال مع إيران. فترامب رفض مؤخّراً إعلان وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمّد جواد ظريف، أنّ بلاده منفتحة لإجراء حوار مع الأميركيّين بشرط رفع العقوبات عن إيران. ردّ ترامب على هذه الدعوة في تغريدة كاتباً "لا شكراً"، قبل أن يوضح ظريف أنّه لم يطلب حواراً مع الولايات المتّحدة بل قال لمجلّة "دير شبيغل" إنّ إيران لا تزال جالسة إلى طاولة المفاوضات بانتظار "تصحيح الإدارة ماضيها، رفع العقوبات والعودة إلى طاولة المفاوضات".

ومهما يكن تفسير كلام ظريف، فإنّ الإدارة تبدو أكثر تشدّداً بعد اغتيال سليماني، أكان لجهة الاستمرار في فرض العقوبات أو لجهة عدم حضّ طهران على الحوار. وسبق لترامب أن ردّ على مستشاره لشؤون الأمن القوميّ روبرت أوبراين الذي قال في حديث إعلاميّ إنّ العقوبات ستجبر إيران على التفاوض، فغرّد أنّ هذا الأمر هو آخر اهتماماته.


"فرصة نادرة"

إذا كان اغتيال سليماني جعل ترامب فعلاً أكثر تشدّداً تجاه طهران فقد يمتدّ هذا الأمر إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانيّة. بالنسبة إلى الكاتب السياسيّ في صحيفة "واشنطن بوست" جوش روجين، وفّر اغتيال سليماني "فراغاً سلطويّاً ضخماً في سوريا يمثّل فرصة نادرة للولايات المتّحدة كي تصلح سياستها السوريّة المتصدّعة – إذا كانت إدارة ترامب ذكيّة بما يكفي كي تنتهزها."

يرى روجين أنّ باستطاعة ترامب التصعيد في سوريا لزيادة عزلة الأسد عبر "قانون قيصر". ودعا الكاتب ترامب إلى إعلان التزامه بإبقاء الجنود الأميركيّين في شرق سوريا وهي منطقة سعى سليماني من خلالها إلى تسهيل عبور الأسلحة والمقاتلين الإيرانيين إلى الداخل السوريّ. وشدّد روجين على أنّ سوريا هي المكان التي تعاني فيه إيران من تمدّد أكبر من طاقتها ومن الضعف الأقصى حيث بإمكان ترامب تنفيذ سياسة "الضغط الأقصى" عليها. وأشار إلى أنّ مسؤولين ومشرّعين يدرسون حاليّاً آفاق تأثير اغتيال سليماني على سوريا وكيفيّة الردّ السياسيّ الأميركيّ.

مسار جديد؟

ربّما تأتي تصريحات جيفري والاجتماع المرتقب مع السياسيّين الأوروبّيّين في إطار الملامح الأولى لسياسة أميركيّة جديدة أكثر فاعليّة تجاه سوريا. وكما روجين، شدّد جيفري أيضاً على أهمّيّة "قانون قيصر" لممارسة مزيد من الضغط لتسهيل التوصّل إلى تسوية. وهذا الاتّجاه هو أيضاً ما لاحظه مراسل "ناشونال إنترست" لشؤون الأمن القوميّ ماتيو بيتي والذي كتب أنّ وزارة الخارجيّة تسعى إلى فرض سياسة "الضغط الأقصى" على إيران في سوريا.

وربط بيتي بين عدد من التطوّرات للتوصّل إلى هذا الاستنتاج. فمايك بومبيو الذي يعدّ من أبرز المتشدّدين في الإدارة تجاه إيران، كان قوّة أساسيّة وراء قتل سليماني. وحتى قبل اغتياله، جاءت الضربة الأميركيّة التي استهدفت مراكز ل "كتائب حزب الله" العراقيّة لتفتح على الأرجح مساراً جديداً في الصراع، بما أنّ الاستهداف طال مناطق داخل الحدود السوريّة. كذلك، قال مسؤول في وزارة الخارجيّة في 30 كانون الأوّل إنّ السياسة الحاليّة "كانت سياسة أميركيّة طويلة المدى، كرّرها الرئيس إلى الكونغرس، مايك بومبيو والعديد منّا أحياناً عدّة، وهي أنّ على جميع القوّات التي يقودها الإيرانيّون – والتي ستشمل، بحسب وجهة نظرنا، ]كتائب حزب الله[ - مغادرة سوريا."


"ستبقى جزءاً من أنقاض في مقبرة"

إذا كان هنالك تطوّر نوعيّ في موقف الإدارة الأميركيّة تجاه سوريا فسيكون تطوّراً سياسيّاً يلجأ إلى تصعيد العقوبات على نظام الأسد، مع استخدام بعض العمليّات العسكريّة المحدودة ضدّ المقاتلين الإيرانيّين. مدى قدرة ذلك على تغيير الستاتيكو يبقى قيد المراقبة. وعلى أيّ حال، لا يبدو أنّ واشنطن مستعجلة. ففي تشرين الثاني، قال مسؤول بارز في وزارة الخارجيّة إنّ الأماكن المدمّرة في سوريا "ستبقى جزءاً من أنقاض في مقبرة حتى يرى المجتمع الدوليّ بعض أنواع التحرّك صوب لائحة المسائل والأجوبة والسياسات الخاصّة بنا".

ميشال عرموني... لا حياة أفضل من لبنان

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard