بين الولايات المتحدة والصين... من يتفوّق بناء على الديموغرافيا؟

21 كانون الثاني 2020 | 13:06

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترامب - "أ ب"

عرضت "النهار" يوم الأحد جزءاً من الأسباب التي دفعت الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لاعتبار الأزمة الديموغرافيّة التي تمرّ بها بلاده "تحدّياً تاريخيّاً". إن لم تتمكّن روسيا من معالجة هذا الخلل فاحتمالات محافظتها على الموقع الدوليّ الذي وصلت إليه خلال السنوات الأخيرة معرّضة للتآكل. تنافس روسيا دوليّاً القوّتين الأبرز: الولايات المتّحدة والصين. يعدّ السلاح الديموغرافيّ أحد أبرز عناصر القوّة لهاتين الدولتين من أجل تحقيق تفوّق نوعيّ داخليّاً وخارجيّاً. فأيٌّ دولة تتمتّع بالتوازن الديموغرافيّ الذي سيسمح لها بالغلبة الاستراتيجيّة في السنوات القليلة المقبلة؟

رأس المال البشريّ

نشرت مجلّة "فورين أفّيرز" (عدد تمّوز/آب 2019) مقالاً للخبير في شؤون الديموغرافيا والاقتصاد السياسي نيكولاس إبرستادت يتطرّق فيه إلى الصراع الديموغرافيّ بين هذه القوى مشيراً إلى أنّ "الديموغرافيات قد لا تكون قدراً، لكنّها قريبة من ذلك بالنسبة إلى طلّاب الجيوبوليتيكس". إبرستادت الذي يشغل منصب كرسي هنري وندت في الاقتصاد السياسيّ ضمن مؤسّسة "معهد المشروع الأميركيّ" ذكّر بأنّ النموّ الاقتصاديّ الحاليّ منذ ما بعد الحرب العالميّة الثانية يمكن إرجاعه إلى التحسّنات التي طرأت على رأس المال البشريّ (تعليم، صحّة، تغذية، تدريب...) ومناخات أعمال مؤاتية.

لرأس المال البشريّ آثار هائلة على الاقتصادات بحسب الباحث نفسه: مع كلّ سنة تضاف إلى العمر المتوقّع عند الولادة، تشهد الدولة ارتفاعاً مستداماً في الدخل الفرديّ بمقدار 4%. ومع كلّ سنة تعليميّة تضاف إلى سنوات التعليم لدى المواطن، تشهد الدولة زيادة بمعدّل 10% على معدّل الناتج المحلّيّ الإجماليّ للفرد الواحد.

يعدّ المؤشّر الأوّل دليلاً إضافيّاً على المشاكل التي تواجهها روسيا تحديداً. ذكر تقرير "النهار" الأحد كيف أنّ العمر المتوقّع للذكور الروس يصل إلى 67 عاماً فقط، والنساء 77 عاماً. هذه الأرقام بالنسبة إلى إبرستادت هي أقلّ من معدّل أعمار سكّان هايتي بالنسبة إلى الذكور وأكثر بقليل من نطاق قائمة الأمم المتّحدة للدول الأقل نموّاً بالنسبة إلى النساء. من هنا، يمكن احتساب الكلفة الهائلة التي تتكبّدها روسيا بسبب هذا الواقع.


الصين ومستوى الاستبدال

في ما يخصّ وضع جارتها الجنوبيّة، تبدو الصين في موقع ديموغرافيّ أفضل. لكن ليس بشكل مطلق. اللافت أنّ المشكلة الديموغرافيّة التي تعاني منها الصين، هي في جزء كبير من صنع سياستها الخاصّة: سياسة الطفل الواحد. لا ينفع الصين أن تكون صاحبة العدد الأكبر من السكّان العالم (حوالي 1.4 مليار) بما أنّ التركيبة السكّانيّة لا تسمح بتشكّل طاقة إنتاجيّة تتناسب مع هذا العدد الضخم. قدّم إبرستادت أرقاماً بارزة. انتهت سياسة الطفل الواحد سنة 2015، "لكنّ الضرر سبق له أن وقع". منذ أوائل التسعينات، كانت نسبة الخصوبة الإجماليّة في الصين أقلّ من مستوى الاستبدال المحدّد ب 2.1 للمرأة الواحدة. وفقاً للأمم المتّحدة، تقف الصين اليوم عند خصوبة إجماليّة تصل إلى 1.6 ويقول خبراء صينيّون إنّها عند 1.4 أي أقلّ ب 30% من مستوى الاستبدال.

يترتّب على هذه الأرقام وغيرها تحدّيات صعبة على الدولة نفسها. إنّ نسبة الإعالة العمريّة (نسبة السكّان في عمر العمل 15-64) تقلّصت خلال السنوات الخمس الماضية وستتقلّص بما لا يقلّ عن 100 مليون بين 2015 و 2040. وقد تنخفض نسبة العاملين الذين تترواح أعمارهم بين 15 و 30 عاماً بحدود 30% في الفترة نفسها.

ستشكّل الأجيال القديمة الأقلّ تعلّماً النسبة الأكبر من سكّان الصين مع مرور الوقت. بين 2015 و 2040 من المتوقّع أن يبلغ عدد الذين تتخطّى أعمارهم 65 سنة 325 مليوناً وأكثر، بعدما كانت 135 مليوناً. بحلول 2040 سيكون عدد الذين تفوق أعمارهم الستين ضعف من تقلّ أعمارهم عن 15. ويشرح الباحث نفسه أنّ أيّ دولة لم تواجه الشيخوخة بالسرعة نفسها التي تواجهها الصين.


الإعلام الصينيّ يعترف

في تمّوز 2018، نقلت وكالة "شينخوا" الصينيّة عن مسؤول في لجنة الصحّة الوطنيّة قوله إنّ عدد الناس الذين سيتخطّون عمر الستين سنة 2025 سيصبح 300 مليون و 400 مليون بحلول 2033 و 487 مليون بحلول 2050 أي ما نسبته 34.9% من مجموع سكّان الصين. وسيرتفع الإنفاق على شؤون الصحّة والرعاية من 7.33% سنة 2015 إلى 26.24% سنة 2050.

وأنفقت الصين سنة 2018 حوالي 850 مليار دولار على الرعاية الصحية، بينما أنفقت الولايات المتّحدة 3.6 تريليون على هذا القطاع. لكنّ الفارق أنّ حجم الناتج الإجماليّ المحلّيّ للولايات المتّحدة قارب 20.5 تريليون دولار، فيما بلغ حجم الناتج المحلّيّ الإجماليّ في الصين حوالي 13.4 تريليون دولار. وشهدت الصين أقلّ من 15 مليون ولادة سنة 2018، بينما كانت السلطات قد توقّعت رقماً يوازي 20 مليوناً.

بالعودة إلى مقال "فورين أفيرز"، ثمّة مشاكل بنيويّة وحتى ثقافيّة أنتجتها سياسة الطفل الواحد بحسب الباحث. فضّل عدد من الآباء الإجهاض عوضاً عن إنجاب فتيات ممّا أجبر الصين على التعامل مع فائض من الذكور بلغ عشرات الملايين ويأتي معظمهم من البلدات الأكثر فقراً من دون آفاق زواج وإنجاب. وتعرّضت الصين أيضاً لانهيار أسس العائلة، حيث نما الشبان والشابات من دون أقرباء، حيث أنّ الصين اعتمدت على علاقات القربى للتعامل مع الأزمات الاقتصاديّة منذ بداية التاريخ المكتوب. وهذا يعدّ بمثابة النهاية ل 2500 سنة من التقليد العائلي وفقاً لإبرستادت.


الولايات المتّحدة متفوّقة... بشرط عدم التراخي

الآفاق بالنسبة إلى روسيا، "قد تبدو أسوأ حتى" من الصين بوجود "مفارقة روسيّة" وفقاً للباحث نفسه: ثمّة نسب عالية من التعليم مع نسب منخفضة من رأس المال البشريّ. يحصل سكّان روسيا على براءات اختراع أقلّ ممّا يحصل عليه سكّان ولاية ألاباما الأميركيّة، وهي مقارنة غير متساوية أساساً بين دولة يبلغ عدد سكّانها حوالي 146 مليون نسمة وولاية ذات 5 ملايين نسمة. وستواجه روسيا أيضاً، كما الصين، تقلّصاً في نسبة الإعالة العمريّة بين 2015 و 2040 وستتقلّص معها قوّتها الاقتصاديّة النسبيّة.

بالمقارنة مع منافستيها الأساسيّتين، تبدو الولايات المتّحدة في موقف "تُحسد عليه". لديها نسب عالية من السكان المتعلّمين والخصوبة وسياسات هجرة مرحّبة ومن المتوقّع أن تظلّ في المرتبة الثالثة من حيث عدد السكّان حتى 2040. وتخطّت نسبة الولادات في الولايات المتّحدة بشكل بسيط لكن مستمرّ معدّل ولادات الدول المتطوّرة. وبحلول 2040 ستكون نسبة الإعالة العمريّة في طور التوسّع وستظلّ الولايات المتّحدة تشهد ولادات أكثر من الوفيات حتى ذلك الحين على الأقلّ. لا تتعلّق المزايا الديموغرافيّة الأميركيّة بالأعداد فقط. بين سنتي 1870 و 2010 كان للولايات المتّحدة أكثر السكّان تعلمّاً لجهة معدّل سنوات التحصيل العلميّ. وفي 2015، كان هنالك 56 مليون أميركيّ بين سنّ 25 و 64 ممّن هم حائزون على شهادة بكالوريوس أو شهادة جامعيّة، وشكّل هذا ضعفي ما شهدته الصين. كما تقود الولايات المتحدة العالم في البحث والتنمية وقد راكم الأميركيون ثروة خاصّة منذ سنة 2000 أكثر ممّا راكم الصينيّون في التاريخ المدوّن.

لا تعني هذه الأرقام أنّ الولايات المتّحدة لا تعاني من مشاكلها الخاصّة، كبداية انخفاض بطيء في العمر المتوقّع منذ 2014 وتقدّم بطيء ومؤلم ومكلف في مؤشّرات الصحّة وانخفاض نسبة الخصوبة ب 10% منذ 2008 بغياب ظهور مؤشّرات تعافٍ (1.77 سنة 2017). لكنّ الباحث يشير إلى إمكانيّة الولايات المتّحدة إدخال إصلاحات اجتماعيّة وديموغرافيّة لإصلاح الخلل لو أرادت. ويعتقد أيضاً أنّه من غير المرجّح أن يتفوّق أيّ منافس عليها على مستوى الإمكانات البشريّة الخام في أيّ وقت قريب.

لم يكن إبرستادت وحده من أطلق توقّعات كهذه. في كانون الثاني الماضي، نقلت صحيفة "ساوث شاينا مورنينغ بوست" دراسة للباحث في جامعة وسكونسن-ماديسون يي فوكسيان والاقتصاديّ في جامعة بيجينغ سو جيان وجدا فيها أنّ النموّ السكّاني الصينيّ بدأ بالانخفاض ومشاكل الشيخوخة بدأت بالتسارع فيما ضعفت حيويّتها الاقتصاديّة بفعل السياسة الديموغرافيّة الخاطئة. وقال الباحثان إنّ سنة 2018 "سيتمّ تذكّرها على أنّها نقطة تحوّل تاريخيّة (سلبيّة) لسكّان الصين".

اليسا في "النهار": تكشف اسراراً وتبوح



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard