في حرب الضحيّة على الضحيّة... طريقٌ واحدٌ للخروج من النفق

19 كانون الثاني 2020 | 12:41

تمثال الشهداء (نبيل اسماعيل).

كانت الأمور متّجهة بعد ثلاثة أسابيع من تكليف الدكتور #حسان_دياب تشكيل الحكومة إلى قبول الثائرين بفكرة "زيجة العقل" أو في الحدِّ الأدنى بالـ "مساكنة" بينهم وبين الحكومة العتيدة. في تلك الأثناء خفّت حركة الشارع قليلاً، فُتِحَت الطرقات بشكلٍ عام، توقّفَت التظاهرات الكبيرة إلى ساحة النجمة، لكنّ الثائرين أبقوا الضغطَ قائماً بانتظار ولادة الحكومة لتحديد موقفٍ نهائيٍّ منها. في الأسبوع الرابع للتكليف انقلَبَت الحالة، وثار الثائرون من جديد وذهبَت الأمور بشكلٍ تصاعديٍّ من بداية الأسبوع وتحرّكات شارع الحمراء، حتّى ليلة أمس في قلب المدينة وسط ذهول كبير لفَّ الجميع. ماذا حدث؟ ولماذا التغيير؟

عندما بدأ الدكتور دياب استشاراته، طمأنَ الثائرين بمقارباته. وهُم أجبروا أنفسهم على إعطائه فرصةً، ولو على مضض. لم يزُر دياب أيّاً من السياسيّين، طبعاً ما عدا رئيس الجمهوريّة وهذا طبيعي، ورئيس مجلس النوّاب لمرّة واحدة فقط. الرئيس الحريري كانت زياراته مكّوكيّة للجميع في مراحل مثل هذه. من هنا صرنا نرى "الخليلَيْن" والوزير باسيل "رايحين جايين" إلى تلّة الخيّاط. أعطى دياب انطباعاً أنّه لن يتأثّر كثيراً بالطروحات غير الواقعيّة للكتل النيابيّة. ليس ذلك فحسب، بل هو قال ستتألّف الحكومة من ثمانية عشر وزيراً. أصرّ على موقفه المشابه لمطالب الثائرين. هؤلاء لا يريدون حكوماتٍ فضفاضة تزيد الأعباء على خزينة الدولة عبر سفرهم بوفودٍ حجمها لا يتناسب وطبيعة رحلاتهم. السلطة طالبت دياب بحكومةٍ من أربعةٍ وعشرين وزيراً حتّى أنّها تحدّثت مرّة عن حكومة الثلاثين. دياب لم يغيِّر رأيه. كذلك رفض دياب عبارة درَجَت السلطة على تسميتها في الحكومات السابقة بـ "وزير دولة". هؤلاء كانوا وزراء لا يستفيد منهم لبنان بشيء. يُنفق عليهم الأموال وهُم لا يداومون حتّى في أيِّ مكتب حكوميٍّ. ارتاح الثائرون أكثر. أصرّ دياب على حكومةٍ ليس فيها وزير سابق من الحكومة السابقة والتي يتوافق معظم اللبنانيّين ربّما على أنّها كانت الأكثر فساداً والأقل خبرةً في إدارة الشأن العام في تاريخ لبنان. في البداية أصرّت السلطة على عودة الوزراء جميل جبق إلى وزارة الصحة، وعلي حسن خليل إلى وزارة الماليّة، وجبران باسيل إلى وزارة الخارجيّة وندى البستاني إلى وزارة الطاقة. ثَبَت دياب على موقفه، مشدِّداً على حكومةٍ كلّ وجوهها جُدُد أي ليسوا من الحكومة السابقة، فكان له ما أراد. بدأ الثائرون يشعرون أنّ دياب يتبنّى مطالبهم. أبلغ دياب الجميع أنّه يريد حكومةً من التكنوقراط. الأحزاب طالبت بحكومةٍ تكنوسياسيّة. من بين المطالبين بهذا المطلب كان سماحة السيّد حسن نصرالله. كان واضحاً بطلبه في أكثر من خطاب. كذلك كان رئيس الجمهوريّة واضحاً في مقابلته مع نقولا ناصيف وسامي كليب بأنّ الحكومة ستكون تكنوسياسيّة. أصرّت الأحزاب على موقفها، فتشبّث دياب بموقفه أيضاً. هو يريد حكومةً من دون سياسيّين. ربح دياب الجولة، وشعر الثوّار أكثر فأكثر أنّ السلطة السياسيّة إلى انكفاء، الأمر الذي أراحَهُم. أكثر من ذلك، فالدكتور دياب أصرّ على أشخاصٍ من غير الحزبيّين الملتزمين. طبعاً هذا لم يُرِح الأحزاب في البداية. لكنّ الأحزاب، وهي في وضعٍ لا تُحسد عليه لأنّها لا تملك خارطة طريق للخروج من المأزق، اضطرّت أن تُساير دياب في هذا المجال أيضاً. كذلك أصرّ دياب على تسمية ثلث الوزراء من السيّدات. وكان له ما طلب.

في ذلك الوقت بدأت بعض الأسماء تتسرّب. سمع الناس بإسم أمل حدّاد وهي نقيبة سابقة للمحامين في لبنان، فكان الشعور العام "وَلِمَ لا"؟ ورد كذلك إسم منال مسلّم لوزراة البيئة. منال إسم علم في مجال البيئة لا تزعج الثائرين بشيء. أيضاً ورد إسم نيلّلي يمّين دويهي وهي سيّدة لم يقترن إسمها يوماً لا بملفِّ فساد ولا بأيِّ أمرٍ سلبيٍّ آخر في السياسة اللبنانيّة. وورد إسم ناصيف حتّي وهو سفيرٌ سابق ومستقل لوزارة الخارجيّة ومرّةً جديدة لمَ لا؟ لعلّ لكلٍّ من هذه الأسماء التي طُرِحت ميولٌ سياسيّة، لكنّها ليست أسماء فاقعة. حتّى حزب الله الذي لم يقدّم للرئيس المُكلّف لائحة أسمائه النهائيّة كان التوجّه عنده إلى تسمية أشخاصٍ من خامة جميل جبق وهذا لا يزعج أحداً. باختصار استطاع دياب أن يحصد تنازلاتٍ مهمّة ومتتالية لصالح الناس، وتمكّن من إدارة اللعبة بشكلٍ جيّد. فماذا حدث بعد ذلك؟

بدأ الثائرون يسمعون عن تأخيرٍ في ولادة الحكومة بسبب المحاصصات. الناس في الشوارع ... الكلُّ يقول "نحنُ في الانهيار"، وأهل السلطة "عم يِتْونّأوا ... الشباب آخدين وقتُن"! ليس ذلك فحسب، لكن بدل تسمية أشخاصٍ جامعيّين مثلاً لم يكن لهم ارتباطٌ في يومٍ من الأيّام بأيّ أمر مثيرٍ لعلامات الاستفهام، صار بعض السلطة متمسّكاً بأسماءٍ توحي وكأنّها قناعٌ Mask للوزراء السابقين. كذلك وضع بعض السلطة فيتوات على أسماءٍ ترتاح الناس لها من مثل الدكتور دميانوس قطّار لوزارة الخارجيّة أو زياد بارود. وبدأت سُبحة الأسماء الأخرى ترد فيتغيّر إسم العميد الركن المتقاعد طلال اللادقي لوزارة الداخليّة، وغيرها من التبدّلات. تزامن ذلك مع تراجع اندفاعة القضاء في فتح الملفّات المشبوهة، وإن حصلت فلتطال جهةً سياسيّة واحدةً. لم يفعل السياسيّون ذلك بخفر بل لعبوها "ع المكشوف". في الأسبوع الماضي قال التيار الوطني الحر وحركة أمل أنّهما لا يريدان شيئاً في الحكومة. وبعد الليلة السوداء في شارع الحمراء تراجعا ليقولا ما معناه "أننا لا نستطيع أن ننكفئ". طبعاً كلّ ذلك حصل من قبيل الضغط على الرئيس المُكلّف. الأحزاب المُمثَّلة في السلطة تحدّثت علناً عن ثلثٍ معطّل، هذا الثلث الذي لا أدري من استعمله ومتى حصل ذلك. كلّ ما حدث في الأسبوع الأخير كان يوحي وكأنّ السلطة لا دخل لها بمطالب الناس. وما حدث أيضاً أظهر أنّ السلطة تريد حكومة أشخاصٍ لا فريق عملٍ متجانس ينقذ الناس من هذا المستنقع. تراجع القضاء عن زخمه فما اعتقل أيّ فاسدٍ ولو من الدرجة الثانية حتّى الآن. ساد شعورٌ ساعتها عند الناس أنّ الحكومة المقبلة لن تستطيع وضع الفاسدين خلف القضبان. كلّ هذه الأمور رَمَت الناس في اليأس من جديد، ودفعت الثائرين إلى اعتبار الأسبوع العابر "أسبوع الغضب". في هذا الوقت المستقطع، كانت السلطة ما زالت تراهن على تعب الناس من الحراك. في البداية، السلطة خوّنت الناس واستخفّت بهم وهزأت بما قاموا به. اعتبرتهم قطّاع طرق وقاطعي أرزاق. حرّضت عليهم. قمعتهم بقوّة كما حصل أمام ثكنة الحلو قبل ثلاثة ليالٍ. وزيرة الداخليّة ذكّرتني بالأمين العام العام للأمم المتّحدة الذي يقلق ويستهجن ويستنكر. المدير العام لقوى الأمن الداخلي الذي رفض استعمال القوّة مع الثائرين لم يستطع وقف الركل في ثكنة الحلو ليلة أمس من قِبَل ضابطٍ ما على ما يبدو لكلّ معتقلٍ نزل من شاحنة المعتقلين! أستطيع أن أفهم توتّر شرطة مكافحة الشغب، فهُم كانوا تحت الضغط. لكنّي لا أستطيع أن أفهم عنف ضابطٍ في ثكنته لم يكن على الأرض!

هل أخطأ الثائرون أمس؟ ستقولون نعم. "كتير منيح" ... حاكموهم إذاً. لكن لا تركلوهم، ومن بَعد الركلات والعنف يُخلي القاضي عويدات سبيلهم هذا الصباح! السلطة مرتبكة ومُترفة ولا تعرف كيف تخرج من هذا النفق. طريق الخروج الوحيد سيمرّ حتماً عبر محاكمة الفاسدين، وهذا ما لا تقدر السلطة على احتماله أقلّه في الوقت الراهن.

السلطة ما زالت تراهن على تخوين الناس وتسخيف تحرّكهم. ليلة أمس تم توزيع رسالة صوتيّة لشخصٍ ما تقول أنّ الثائرين في بيروت هم من حركةٍ سنيّة سياسيّة تحرّكها تركيا وتتعاطف مع اللواء أشرف ريفي. إذا كان اللواء أشرف ريفي قادراً على تحريك كل هذه الناس، فليقُل لي أحدهم كيف استطاع أن يحرّك أهل الأشرفيّة والبربير وتظاهرة المتن الشمالي! ليس ذلك فحسب، بل تُوزّع السلطة أخباراً مفادها أنّ حزب الله هو الذي قاد التظاهرات في وسط العاصمة أمس ليتبيّن بعد ذلك أنّ الأمر ليس صحيحاً. بخُّ أخبارٍ من كلّ الأنواع والمصادر. تحليلات لا بداية لها ولا نهاية. الشيء الوحيد الذي لا تريد السلطة أن تقتنع به هو أن الناس موجوعة وأنّ حاجز الخوف لم يعد موجوداً، وأنّ الناس تريد فعلاً استئصال الفساد. فعندما ترى فتياتٍ جامعيّات في مقتبل العمر، يهتفن ضد الفساد في وسط العاصمة، ولا يرهبنَ ما سيحدث لهنّ لا يمكنكَ أن تستمرّ في اعتقادك أنّ الحراك انتهى وأنّ الحكومة ستبصر النور كيفما كان وأنّ السلطة يمكنها الآن أن تتصرّف مثلما تريد.

ليلة أمس كانت موجعة للجميع. يمكن لمن لا يرى صواباً في ثورة الثائرين أن يهاجم تكسير إشارات السير ويهاجم أعمال الشغب وهي لم تكن أقلّ من ذلك. وهذا مؤسفٌ ومحزنٌ ومبكٍ. لكنّ على رافضي الثورة أن يقدّموا بديلاً في أجوبتهم لسؤالَين كبيرين هما: ما هي خطّة العمل لاستئصال الفساد ومحاسبة الفاسدين؟ وما هو الأهم الآن، توزيع المحاصصات أم إنقاذ البلد عبر تضحيات تقدّمها السلطة وفي مقدّمها إخراج حكومةٍ إلى النور تطمئن قلق الناس؟

ليلة أمس كان رجال مكافحة الشغب ضحايا، وكان المتظاهرون ضحايا. أعتقد أنّ وجعهم كان مشتركاً وواحداً. هذا هو المحزن المبكي الوحيد بنظري ... حرب الضحيّة على الضحيّة هي أسوأ ما حصل منذ 17 تشرين الأول. أربعماية جريح سقطوا أمس بين طرفين يتفوّهون بالكلمات ذاتها. الثائرون يقولونها في العلن ورجال الشرطة يقولونها في سرّهم.

السلطة في كلّ دول العالم تفتّش عن الحلول لمشاكلها. في لبنان ما زالت السلطة تفتّش عن الاتّهامات. الثائرون طرحوا الحلول. السلطة لا تريد أن "تمشي" بها. أقصر الطرق إلى الحلّ وأقلّها كلفةً للوطن يمرّ عبر تشكيل حكومةٍ يقبلها الناس والمجتمع الدولي توحي بالثقة. تضع هذه الحكومة قانون انتخاب أو تعتمد الموجود، تدعو إلى انتخابات مبكرة، ينبثق عنها مجلس نوّابٍ يمثّل الناس فعلاً، تليه حكومة جديدة يكون في رأس أوليّاتها محاربة الفساد وإصلاح الوضعين الاقتصادي والنقدي. رهان السلطة على غير ذلك سيأخذها مرة أخرى إلى مفاجاءات غير محمودة لا يريدها أيّ عاقل مثل مفاجأة ليلة أمس.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard