هواجس ورهانات الرئيس عباس...في الاستحقاقات الفلسطينية

17 كانون الثاني 2020 | 10:38

المصدر: النهار

استمر الانقسام الفلسطيني وتجلت تداعياته المأسوية داخل المجتمع الفلسطيني

المقدمة:

استمر الانقسام الفلسطيني وتجلت تداعياته المأسوية داخل المجتمع الفلسطيني، في حاضره ومستقبله، حيث يواصل العمل على ترسيم ملامح الفصل السياسي والجغرافي وحتى الديمغرافي السكاني داخل الوطن الواحد وخارجه، بوعي وإرادة كاملة - خدمة لأجندات طرفي السلطة الفلسطينية والقوى الخارجية المحركة لهما -، في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة المواجهة والاتهامات بينهما لدرجة الاعتقاد، بأن ليس لهما مصلحة مباشرة في الوصول إلى وضع نهاية للمشهد التراجيدي الفلسطيني "المأزوم" سياسياً وسلطوياً، هذا، في الوقت الذي استمر فيه التنسيق الأمني مع الاحتلال من جانب السلطة السياسية في الضفة، وتواصلت فيه التهدئة الأمنية معه من جانب السلطة في القطاع، وترافق ذلك كله مع تصاعد وتيرة حملات الاعتقال للشباب والمناضلين الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

يواصل المسؤولون عن الانقسام التأكيد على ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية وإنجازها في الوقت الذي يتشبثون بإدامته، وتحويله إلى أمر واقع يصعب تغييره، بحكم ارتباط "السلطتين" بأجندات خارجية تعزز الانقسام والفصل السياسي والجغرافي واعتمادهما على مرجعيات تغذي هذا التوجه وتموله

لقد أصبح واضحاً لكل الفلسطينيين أن التصريحات والبيانات الشعبوية لطرفي الكارثة الفلسطينية عن التوافق والمصالحة والوحدة الوطنية، ليست إلا مجرد "تبريرات إعلامية" للتنصل من مسؤوليتهم الوطنية والسياسية وحتى الأخلاقية عن نزيف الحالة الفلسطينية وتدمير بنيتها.

المعطيات:

في سياق المناورة السياسية والتكتيك السياسي "المكشوف"، جاءت الدعوة لإجراء الانتخابات الفلسطينية – الأولوية الوطنية والسياسية على المستويين التشريعي والرئاسي والوطني العام ــ كدعوة لم يتم إثبات جديتها بخطوات إجرائية وعملية، ولا حتى بمرسوم رئاسي يضع النقاط على الحروف لعقدها والتحضير لها، وما موافقة حماس الأولية عليها إلا لقناعتها التامة بعدم جدية فتح لإجرائها!! ولأنها هي أيضاً لا تريدها بالأساس وتخشى نتائجها ومحاولة منها لرمي الكرة في ملعب الآخرين.

في الإطار ذاته، غابت الفاعلية الوطنية والتنظيمية المؤثرة لقوى فلسطينية مركزية، يشهد تاريخها على بصماتها وقوة حضورها في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، - التي رأت وباجتهاد منها، أن تمسك العصا من الوسط وان تحافظ على مسافة امان كافية "لمغازلة" طرفي الانقسام دون "تثوير هذه المسافة" وطنياً وجماهيرياً، بإنتاج البديل الوطني عن أوسلو واستحقاقاته –لتفعل فعلها كقوة ضغط لتنفيذ الاستحقاقات الفلسطينية، ذلك، لعب دوراً حاسماً في استمرارية "الهزلية السلطوية" في المشهد الفلسطيني.

للأسف، فإن واقع الحال، يكشف أن التصدي لتلك الأزمات (البنيوية والسياسية) في الحالة الفلسطينية، يجري في الغالب بصورة ارتجالية وأحياناً "عاطفية"، وفق استراتيجية ردة الفعل على مفاهيم وسياسات وحراك الآخر، وليس وفق ما يتطلبه بناء الفعل وروافعه، وكأن التناقضات السياسية هي مجرد سوء فهم وليست تعبيراً عن تناقضات لواجهات سياسية تمثل مصالح فئات وشرائح اجتماعية لها مصالحها وامتيازاتها، ولا يمكن التنازل عنها، لا "بالعاطفة" ولا" بالتراضي"، لأن الاختلاف مع شريحة السلطة الفلسطينية ليس اختلافاً في" الطباع"، بل اختلاف في الطبيعة السياسية العضوية لتكوينها وارتباطاتها وأفقها السياسي.

الانتخابات:

هل كان الرئيس عباس يريد إجراء الانتخابات بالفعل؟!، أم أنه لم يكن ينوي إجراءها أصلًا؟!، مراهنًا بذلك على الرفض "الحمساوي" و"الإسرائيلي" لها؟!:

-إن الرفض الإسرائيلي لإجراء الانتخابات الفلسطينية وبشكل خاص في القدس، يجب ان يستثمر كمعركة سياسية ودبلوماسية في المحافل الدولية وعند أصدقاء القضية الفلسطينية، لتعرية وفضح سياسات الاحتلال، ولكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته المنوطة به – القانونية والسياسية والإنسانية ــ تجاه الشعب الفلسطيني وتقرير مصيره.

في هذا السياق، يمثل صدور المرسوم الرئاسي من قبل عباس بإجراء الانتخابات، أداة ضغط على "الاحتلال" وعلى المجتمع الدولي. أما استمرار رهن الانتخابات بالموافقة الإسرائيلية على إجرائها في القدس، فهذا يعني تأجيل اجرائها حتى إشعار آخر أو استحالة عقدها.

ان السبب الذي دفع الرئيس عباس إلى الدعوة لإجراء الانتخابات، هو نفس السبب الذي حفزه ودعاه إلى "الاجتهاد" في تأجيلها؟! وهو رهانه على نتائج الانتخابات الإسرائيلية في دورتها الأخيرة، أي الرهان على فوز تكتل غانتس على حساب تكتل نتنياهو، وبالتالي على تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة ذات سياسة مختلفة إزاء الملفات الفلسطينية، وأن توافق على إجراء الانتخابات في القدس، وتفتح مسارًا سياسيًا مغايرا لما سبقتها، وعلى أمل أن تساعد السلطة الفلسطينية على العودة مجدداً إلى القطاع

أما السبب الرئيس للتراجع عن إجراء الانتخابات، أو إلغائها نهائياً من قاموس السياسة الفلسطينية،يكمن في تداعيات الانقسام وتجلياته في الحالة الفلسطينية الراهنة، وهو الذي أدى إلى اتساع الهوة والاغتراب بين أركان النظام السياسي السلطوي وفئات الشعب الفلسطيني، وهاجس الخوف لدى السلطة من النتائج التي ستفرزها الانتخابات في حال حصولها، لأنه ووفق الاستطلاع الذي أجراه مؤخراً المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في منتصف كانون الأول 2019 حيث أعطى الاستطلاع ما نسبته 61% تطالب الرئيس عباس بالاستقالة، ونسبة 59% غير راضية عن أدائه، كما أعطى الاستطلاع نسبة 32% لحماس مقابل 40% لفتح، ما يجعل النسب جداً متقاربة، دون الغوص في تعداد قوائم فتح المرشحة لخوض غمار المنافسة في الانتخابات وتشتت زخم رصيدها الانتخابي.

-اما "حماس" فهي لا تفضّل إجراء الانتخابات وتخشى نتائجها، ولكنها لا تريد أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن عدم إجرائها، حيث إنها لا تمانع في إجرائها فقط في حال أنها لن تغير من واقع سيطرتها وسلطتها على القطاع.

الاستخلاص:

المرجح أن الانتخابات الفلسطينية لن تجري قبل التنبؤ بماهية ومستقبل سياسة الحكومة الإسرائيلية القادمة، وأسس تعاطيها مع الملف الفلسطيني، وخصوصاً في ما يتعلق بانتخابات القدس، وأيضاً على نتائج الانتخابات الأميركية القادمة وما ستنتجه من سياسات شرق أوسطية جديدة، في حال خسر ترامب، أو المحافظة على سياستها الحالية إزاء القضية الفلسطينية وتنفيذ ما تبقى من أسس وملامح "لصفقة القرن"، في حال فاز ترامب بالانتخابات. لأننا في حال نجاح نتنياهو وترامب، فلن نكون أمام انتخابات فلسطينية، وإنما أمام مجابهة واسعة ضد استكمال تطبيق خطة ترامب ونتنياهو لتصفية القضية الفلسطينية، عبر المزيد من الاستعمار الاستيطاني العنصري والضم والتهجير، وتصفية قضية اللاجئين، والاستثمار في الانقسام الفلسطيني، وتكريس السلطة باعتبارها سلطة حكم ذاتي من دون مهام سياسية، مهمتها إدارة السكان وأمورهم الحياتية والمعيشية، والإسهام في توفير الأمن للاحتلال الإسرائيلي من خلال توثيق وتوسيع دائرة التنسيق الأمني المشترك بين السلطة و"إسرائيل" أكثر فأكثر.

إن إجراء الانتخابات تحت "الاحتلال" وفي ظل الانقسام ومن دون الاتفاق على استراتيجية التوافق الوطني، لن تكون هناك انتخابات تُحترم نتائجها، وستؤدي في أحسن الأحوال إلى تكريس الانقسام وشرعنته وصولاً إلى الفصل السياسي والجغرافي الكامل بين الضفة والقطاع والقدس.

الحل: في إنهاء الانقسام وتجسيد الرؤية الوطنية التوافقية ضمن استراتيجية وطنية كاملة، هو المدخل الوحيد لإجراء الانتخابات، كمعركة وطنية وليس معركة " تقاسم وظيفي" لأركان السلطة (فتح وحماس) وتكريس الأمر الواقع وتمويله.

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم (فيديو)

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard