نواطير الفساد

15 كانون الثاني 2020 | 10:01

المصدر: النهار

واقع الحال يشير إلى اعتبار 95 في المئة من اللبنانيين أن الأمور في البلاد تسير بشكل خاطئ

واقع الحال يشير إلى اعتبار 95 في المئة من اللبنانيين (بناء لمؤشر الفساد الذي أجرته مؤسسة كونراد آديناور الألمانية التي استعانت بشركة ستاتستيك ليبانون لإجراء استطلاع ميداني) أن الأمور في البلاد تسير بشكل خاطئ، لكن الاصطفافات السياسية والطائفية توقع اللبنانيين في التناقضات. ففي حين يرى 89 في المئة من اللبنانيين أن مكافحة الفساد تؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد، يُحمّل 40 في المئة منهم مسؤولية واقع الحال إلى الفساد، و39 في المئة يحمّلون المسؤولية لارتفاع تكلفة المعيشة، فيما يحمّل 34 في المئة منهم المسؤولية إلى عدم وجود فرص عمل. ما يعني أن حوالى 60 في المئة من اللبنانيين لا يرون أن الفساد هو السبب وراء الأزمات

وتعتقد الغالبية، خصوصاً من فئة الشباب، أن من الضروري دفع رشوة للحصول على خدمات تعليم أو خدمات رعاية صحية أفضل.

فالغالبية لا يعتقدون بأن الدين يمثل حلاً للفساد. ويرجح نحو ثلثي اللبنانيين أن يكون القادة الدينيون فاسدين كغيرهم من المسؤولين.

ويبقى الفساد السياسي وتضارب المصالح في صدارة التحديات الكبرى التي تحول دون تحقيق أي تقدم في لبنان، بحسب منظمة الشفافية الدولية.

ليس مستغرباً أن تُحيّد غالبية اللبنانيين الفساد من درب القوى السياسية التي تدير البلاد، ذلك أن تلك الغالبية تؤيّد بصورة أو بأخرى أحزاب السلطة. فالإقرار بأن الفساد هو أصل العلّة، يعني الإقرار بأن تلك الأحزاب هي التي تدير الفساد، فيجب حينها عدم الإنصياع لها. وهذا يتناقض مع الواقع الذي يؤكد دفاع الأغلبية عن أحزابها، في وجه بعضها البعض. فيما ينفي كل جمهور تهمة الفساد عن حزبه ويلصقها بالحزب الخصم. وهذا الصراع بين الخصوم، يُظهر وكأن جوهر الصراع سياسي، وليس المصالح الاقتصادية لزعماء الأحزاب، في حين ان أحزاب السلطة تُبدّل تحالفاتها حسب التسويات حول الصفقات والمشاريع، رغم تناقضاتها السياسية والدينية.

هذا التحييد جعل من مؤيدي أحزاب السلطة يرون أن غياب فرص العمل، وارتفاع كلفة المعيشة وأزمة الكهرباء والاتصالات وغيرها، أسباباً قائمة بحد ذاتها، وليست انعكاساً لفساد أحزابهم. والغريب أن هؤلاء قيّموا أداء الحكومة والمجلس النيابي بصورة سيّئة، ومع ذلك يفصلون بين أحزابهم وبين الدولة، فيُظهِرون أن الدولة كياناً أو جهة منفصلة عن الأحزاب التي تمسك بالسلطة، فيطالبون الدولة بوقف الفساد وبإيجاد فرص عمل وبخفض كلفة المعيشة... وما إلى ذلك، ويرون بأحزابهم المخلّص الآتي إلى إنقاذهم من ظلم الدولة. وفي حال ثبت تورط حزب أو زعيم سياسي في الفساد، يدافع أنصاره عنه تحت حجّة "البلد هيك"، ويُترجم الأنصار وجهة نظرهم عبر الانتخابات النيابية، حين يجددون الولاء لأحزابهم. وهذا إقرار مباشر بأن صيغة الحكم في البلاد حالياً، هي توليفة فساد مستمر، يتعايش معها أنصار أحزاب السلطة.

عملياً، أفصح الوزير جبران باسيل، وهو أحد رموز النظام السياسي اللبناني منذ أكثر من عشر سنوات، عن مسألتين في حديثه عن الفساد.

أولاً، أن الطبقة السياسية ترى الفساد "امتيازات" كلقب اللورد الموروث وأراضيه، أو كغنائم الفائزين بالحروب. والامتيازات تستحيل حقاً.

ثانياً، إن الفساد سمة مشتركة بين "كل الأفرقاء" دون استثناء أحد من هذه العبارة. رغم اعتراض التيار لاحقاً على عبارة "كلن يعني كلن"، كان باسيل سباقاً في اجتراح ضرورة تخلي "كل الأفرقاء" عن الفساد، أو "مكامن الهدر" كما سماه، وكأننا أمام مشهد فض شجار وصُلحة، لا أمام عملية نهب منظمة.

كما أن الورقة الإصلاحية التي قدمها الرئيس سعد الحريري

قُبيل إستقالة الحكومة لا تقل سوءاً. هي أيضاً تُوفر وعوداً بإعداد مشاريع قوانين فارغة لإستعادة الأموال المنهوبة وانشاء هيئة لمكافحة الفساد، لكن الرجل نفسه لم يتخذ إجراء واحداً بإبعاد مقاول فاسد أو إغلاق دكانة فاسدة في الدولة، وما زال الى اليوم في موقعه، دون أن يُكلف نفسه مثل هذا العناء. في قاموس السلطة، عندما نقرأ تشكيل هيئة (حتى لو في مكافحة الفساد)، هناك تلقائياً منتفعون من المحسوبين عليهم، ورواتب خيالية تكلفنا ملايين الدولارات كما في قطاع النفط وهيئته.

الخلاصة هي إن أصل العلة .. فينا نحن كشعب رضخنا ضمناً للفساد وخاصة المستفيدين المباشرين منه وبحسب الإحصاءات وكذلك طبقاً للواقع والوقائع التي تشير إلى أن شريحة واسعة من الشعب منغمسة بالفساد وبالتالي بتنا جزءاً من هذا الفساد الذي أصبح روتيناً يومياً لنا لا بل فرض عين ولا ينقصه سوى تشريع في البرلمان حتى يصبح حاكماً شرعياً.

فإن كان لا بد من إصلاح حقيقي للفساد فلنبدأ من المكان الصحيح وتحديداً من قاعدة الارتكاز ومصدر السلطة ألا وهي الشعوب التي باتت هي .. نواطير الفساد.

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard