نحو لبنان أكثر عدالة: مطالب انتفاضة تشرين، خارطة طريق نحو الدولة الحُلم

11 كانون الثاني 2020 | 18:36

من التحركات أمام مجلس النواب (تصوير حسن عسل).

حدَّدت الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي العناوين السياسية الأساسية لسنة ٢٠٢٠ وللمراحل القادمة في لبنان، مع دخول الجمهورية الصغيرة في احتفالية المئوية الأولى لتأسيسها. فانتفاضة اللبنانيين في تشرين الأول/أكتوبر ليست لحظة احتجاج عابرة في تاريخ لبنان، بل هي مِفصل من المفاصل الهامّة التي استطاعت أن تهزّ التوازنات التي شُيِّدت، في النص وكذلك في الممارسة السياسية، منذ اتفاق الطائف في ١٩٨٩ والتي أعيد تشكيلها في اتفاق الدوحة عام ٢٠٠٨. فعلى وقع غضب الناس الصادق وعفويّة حراكهم العابر للطوائف والمناطق والنابع من رفضهم للفشل المتفاقم في إدارة الدولة ومؤسساتها، حدَّد المنتفضون منذ ٨٦ يومًا جُملة مطالب يبدو أساسها الحاجة إلى تغيير طرق إدارة الدولة وفي الممارسة السياسية وما ينتج عنهما من سياسات عامّة منذ ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، لكن في جوهر هذه المطالب تتّضح الحاجة إلى العبور إلى دولة أكثر عدالة.

برز التصويب عند المنتفضين ضد مكوّنات السلطة مجتمعة والتي عملت لعقود متتالية بالتكافل والتضامن والتعطيل المتبادل وفشلت في تحقيق الصالح العام مفضّلة مصالحها الخاصة تارة عبر الاستغلال الفاضح للسلطة لإثراء أنفسهم وأقاربهم - والأمثلة كثيرة هنا - وطوراً عبر تسخير الموقع الرسمي من أجل زيادة الرأسمال السياسي/الطائفي. ويطال الرفض القاطع للمنتفضين في تشرين النهج الذي اعتمده (ولا يزال) زعماء لا يزيدون عن عدد أصابع اليدين في بناء مشروعيتهم عبر الإيحاء بقدرتهم على حماية جماعاتهم، فنراهم يبرعون في تشييد جدران الخوف من جماعات أخرى حيث التوجّس من الآخر هو من أسس بناء مخيّلة الجماعة. فيصبح معيار الريادة عند الزعيم هو تظهير "قوّته" في تأمين مصالح الجماعة وحمايتها. وفي المقابل، أبدت هذه الجماعات مرونة كبيرة في درجة تقبلها لفساد الزعيم وفساد حلقته ومعاونيه، ومنحته غطاءً واسعًا للفشل في إدارة الدولة وتقديم الخدمة العامّة.

لعلّ مشروعية زعماء الطوائف المبنية على دورهم في حماية جماعاتهم ليست جديدة وأسبابها التاريخية تسبق وجود لبنان الكبير، لكنّ الاستخدام المقيت للطائفية لحماية الفاسدين وتطبيع الفساد أدّى إلى فورة الانتقادات. فكان للفساد المحمي طائفيًا حصّة الأسد في احتجاجات المنتفضين وفي تصوبيهم على مكامنه في قطاعات استنزفت المال العام ونهبته كالطاقة والبناء والاتصالات والبيئة وغيرها. وزاد من حدّة المنتفضين وغضبهم تماهي أكثرية من في السلطة معهم في موضوع الفساد، فنراهم يتبارون في الإعلان عن أهمية محاربته وهم في أغلبيتهم من مغذّي شبكاته ومستفيدين منها.

يتوازى مطلب محاربة الفساد من قبل المنتفضين مع نقدهم السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتُّبعت منذ قبل التسعينيات وتعمّقت أكثر بعد الطائف والتي يجسّدها تراخي الدولة في لعب دورها في تحفيز بناء اقتصاد منتج مما أدى إلى تنامي الاقتصاد الريعي وتشجيع الاحتكار، التي وإن نجحت في رفع معدّلات النموّ الاقتصادي في فترات معيّنة خلال العقود الثلاث الماضية، شكَّلت فقاعات مرحليّة لفترة زمنية محدّدة عمّقت أكثر وأكثر مستوى الفوارق الاجتماعية والمناطقية، إذّ يقدّر أنَّ ٥٠٪ من السكّان يتقاسمون ٥٪ فقط من ثروة البلاد، و١٠٪ يتقاسمون ٧٠ ٪، و١٪ فقط يتقاسمون نسبة ٣٥٪، مما يضع لبنان بين أعلى المستويّات في التوزيع غير المتساوي للثروة في العالم.

هذه النيوليبرالية الفاقعة تظهر من خلال غياب أولوية العدالة الاجتماعية في نهج الدولة وعدم تبني سياسات اجتماعية متكاملة تُبقي التقديمات الاجتماعية مجزّأة ومرتبطة بالحاجة وليس ضمن مقاربة حقوقية للحماية الاجتماعية كحق مكتسب للمواطنين والمواطنات. وهذه المقاربة "المفتوحة" لا تنبع من حرص الذين تعاقبوا في الحكم على المال العام، الذي يصرف كثيرًا على الرعاية الصحية والاجتماعية، بل من استخدامهم لهذه التقديمات في سبيل تعزيز أدوارهم ككفلاء ومحتكري رعاية جماعاتهم. فالولوج إلى خدمات الدولة، بحسب هذا النهج، لا يجب ان يحدث إلا من خلال زعماء الجماعات وناظمي شبكاتهم الطائفية.

لعلّ الناظر في مطالب انتفاضة تشرين يلخّصها بالدعوة إلى الإصلاح وبأفكارها المتقدمة حول طريقة إدارة الدولة، لكن عندما يتعمّق أكثر فيها يراها تؤسس لإعادة النظر في "صيغة الدولة"، كما قال الراحل سمير فرنجية، في صيف الـ ٢٠٠٨ في مجلس النواب في غرض مناقشته بيان الحكومة الجديدة التي انبثقت بعد اتفاق الدوحة الذي أعاد تجديد توازنات الطائف وتأجيل حلّ الخلافات المستعصية. إن مقاربة "صيغة الدولة" في مطالب المنتفضين لا يجب اختصارها بالزمان والمكان كاحتجاج عابر على إدارة الشأن العام ومؤسساته بل هي محاولة شعبية لإعادة تأسيس الدولة وإعادة النظر في العقد الاجتماعي. وعلى رأس هذا التأسيس المرجو هو العبور نحو دولة مدنية تكون المرجعية التي تحدِّد وترعى العدالة في المجتمع.

إن مقاربة شكل الدولة الحلم في سياقات تحقيق المساواة في المجتمع اللبناني تستوجب العمل على مشروع سياسي واضح من المجموعات المشاركة في "انتفاضة تشرين" هدفه إعادة إنتاج السلطة عبر برامج سياسية بدأت بالتبلور العضوي وإن لا زالت غير مكتملة، والانتقال إلى عمل قاعدي يساهم في بناء مشروعية بدأت هذه المجموعات باكتسابها عبر قربهم من الناس وفهمهم لحاجاتهم ومزاجهم. وثم الانتقال إلى المشاركة السياسية عبر انتخابات نيابية مبكّرة على أساس قانون انتخابي يُحسِّن صحّة التمثيل يجرى إعداده بطريقة تشاركية مع مكونات المجتمع كافة.

في موازاة إعادة إنتاج السلطة وجب العمل الجدي على إلغاء الطائفية السياسية، وهي خطوة مؤجل تنفيذها منذ التسعينات، كمرحلة أولى في عملية العبور إلى الدولة المدنية العادلة القائمة على أسس المساواة. وتنصّ المادة ٩٥ من الدستور على إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، ومن ثم إلغاء "قاعدة التمثيل الطائفي و{اعتماد} الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامّة والمختلطة وفقًا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى". أما تعزيز استقلالية القضاء عن السلطة السياسية فهو مدخل أساسي لمحاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة ووقف الإثراء غير المشروع، وبالطبع تحقيق المساواة في المجتمع.

ثم تأتي خطوات توازي أهمية النقاط المذكورة أعلاه خاصةً ان لبنان يسير نحو أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة نتيجة الفشل في إدارة الدولة، وهي بالطبع ليست شاملة أو كاملة ولكنها تشكّل عناصر لخارطة طريق للتغيير:

• تفعيل دور الدولة في إعادة توزيع الثروات خاصةً عبر سياسيات وإجراءات ضريبية عادلة عمادها التصاعدية تعتمد على وضع ضرائب على الأرباح والدخل والعقارات المبنية غير المشغولة.

• بناء اقتصاد مُنتج عبر سياسات اقتصادية ونقدية جديدة تضع نصب أعينها مصلحة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، محفّزة خلق فرص العمل ضمن اقتصاد جديد يعتمد على المعرفة والابتكار عند اللبنانيين المقيمين وكذلك المغتربين.

• إصلاح السياسات الاجتماعية ضمن نهج حقوقي يحترم الحقوق الاجتماعية، ومن ضمنها الحق في التعليم والحق في الرعاية الصحية وغيرها من الحقوق الإنسانية الأساسية، لجميع المواطنين والمواطنات وكذلك للمقيمين في لبنان من مهاجرين ولاجئين ومكتومي القيد.

• تعزيز المساواة الكاملة بين الجنسين وإلغاء القوانين التي تميّز المرأة اللبنانية عن الرجل كإعطاء الجنسية وقضايا الطلاق والميراث وغيرها.

• إطلاق سياسات إصلاحية للبيئة الطبيعية والعمرانية توقف التدهور البيئي والتلوث الذي أصبح قاتلاً للبنانيين. والعمل على سياسات جديدة للتخطيط العمراني ترى الحق في السكن اللائق كإحدى الحقوق الانسانية التي وجب العمل على تحقيقها.


أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard