أنا مريضك ولا أريد أنْ أشفى منك

10 كانون الثاني 2020 | 13:48

اللوحة للفنان العالمي الكبير صليبا الدويهي.

نحن مقامرون خاسرون. أعترف بأنّنا، على رغم كلّ ما نملك من مواهب الحقّ والنزاهة والبداهة والحدس والشغف والرؤية والصلابة والحنكة وبعد النظر...، أعترف بأنّنا مقامرون جنونيّون. مكابرون. عنيدون. ساذجون. و... خاسرون.

رابحون، لكنّنا خاسرون.

كلّ شيءٍ واضحٌ في هذه اللعبة، من أوّلها إلى آخرها. لكنّنا في الضربة الأخيرة، نتلقّى الضربةَ الأخيرة.

ضربة العدم الأخيرة، التي هي تفوز.

أعرف أنّنا لن نفوز، مهما فزنا، وتفادينا، وتذاكينا في مواجهة المتماكرين والمتخابثين. وأعرف أنّنا لن نستردّ الخسارة. ولن "نكيّت" يومًا. وأعرف أنّ المقامرين معنا إلى الطاولة ليسوا أرسخ قدمًا منّا في اللعبة. لكنّهم متلاعبون. غشّاشون. ماكرون. ملعونون. خبثاء. فاسدون. إرهابيّون. مصّاصو دماء. وقَتَلَة. وهم، والحال هذه – ويا للمفارقة - فائزون دومًا. وفائزون لا محالة.

أعرف هذا كلّه. وأعترف به. لكنّي - لكنّنا لن نتراجع عن المغامرة. والمحاولة. والتكرار. عن تكرار المقامرة المستحيل الفوز فيها، على رغم الفوز الأكيد فيها.

هذا "القَدَر" ليس قَدَرنا. ولن نعترف به "قَدَرًا".

من الواجب أنْ نسأل: كيف نتخلّص من الدائرة المقفلة في هذه اللعبة الجهنّميّة النكراء؟ بل كيف نربح ما نحن نربحه بالنقاط، ونُخَسَّر إيّاه – غصبًا – بقرار هيئة التحكيم واللجنة الفاحصة؟!

كي نحصل على حقوقنا المهدورة في هذه اللعبة؟! كيف؟!

كيف نكسر هذه المعادلة التي يجب أنْ تُكسَر: نفوز. لكن من المستحيل أنْ نفوز.

هذا الظلم الذي لا حدود له. ولا نهاية. هذا الاستبداد. هذا القهر الناجم عن هذا الاضطهاد العلنيّ المتمادي اللانهائيّ. هذا الكذب، هذا التزوير المشهود الصافع الكريه الرهيب الذي هو يسود في النهاية، يجب أنْ ينوجد مَن يشهّر به، مَن ينهشه بالأظفار والأسنان، ويتمرّد عليه، ويرفضه.

يجب بـ"أعجوبةٍ عقلانيّةٍ" أنْ ننتصر عليه!

أعرف. وأعترف.

أعرف أنّنا نربح. وأعترف بأنّنا لا يُتاح لنا أنْ نربح. ولا أنْ يُعترَف بما نربح. ولا أنْ نحتفل بما نربح.

هذه المعادلة الواضحة تمامًا، التي نحن رابحون فيها، لكنْ مُخَسَّرون فيها بالقوّة والدهاء والإرهاب والعنف والقتل – أسأل – مَن يريد أنْ يسجّل اسمه على جدول لائحة رفضها ومقاومتها؟ ومَن يريد أنْ ينضمّ إلى جدول هذه اللائحة؟ ومَن يفضّل أنْ ينسحب من هذا الجدول؟!

هذه هي المعادلة المفروضة علينا: نحن نربح، لكنّهم هم الذين يفوزون.

فمَن يريد المشاركة في قهر هذه المعادلة؟ في كسرها؟ في تمريغها شرّ تمريغ؟!

"هم". و"نحن"

أتريدون توثيقًا بالأسماء، "أسمائهم"؟ بالصور الشخصيّة، "صورهم الشخصيّة"؟ بالأصوات، "أصواتهم"؟ بالعيون، "عيونهم"؟ بالأيدي، "أيديهم"؟ أم تريدون بيانًا بأحذية وجوهههم الملطّخة بالعار؟

تريدون ماذا؟!

"نحن" خاسرون. فمَن يريد أنْ ينضمّ إلى لائحة خسارتنا المضفورة بالكرامة؟!

"نحن" خاسرون. لكنّنا لن نخسر.

"هم" رابحون. لكنّهم لن يربحوا.

أكتب ما أكتب لأنّي أنا – أيّها الناس - مريضُ هذه المعادلة. ورهينُها.

ولا أستطيع – صدِّقوني لن أستطيع – أنْ أفرمل خسارتي فيها.

ولا أريد أنْ أفرمل هذه الخسارة.

على طريقة العشّاق الذين لا يرويهم ماءٌ، ولا يريدون فوزًا في الحبّ، بل فقط أنْ يكونوا في ماء هذا الحبّ، أيًّا تكن النتيجة المترتّبة على هذه المغامرة – المقامرة غير المحسوبة.

على طريقة هؤلاء الذين يمّحون في الهواء الطلق. في عري الغيوم. في لهاث الكلمات. من أجل الامتلاء والانتشاء.

على طريقة المقامرين الخاسرين بلا تأوّه. بلا تردّد. وبلا ندم. أعلن انتمائي إلى هذه المعادلة.

أعلن انتمائي إلى هذه المعادلة. وأدعوكم إلى تسجيل أسمائكم في الجدول.

خاسرٌ. لكنْ رابح.

رابحٌ. لكنْ خاسر.

فمَن يريد الالتحاق للمشاركة في كسر هذه المعادلة؟

***

هامشٌ لا بدّ منه:

كما أنا مريضكِ، أيّتها المرأة، أنا مريضُكَ يا لبنان!

بلا تردّد. بلا تأوّه. وبلا ندم: أنا مريضكَ يا لبنان.

أعرف. وأعترف.

أعرف أنّي لا أستطيع أنْ أتخلّص من "مرضي". وأعترف، بكامل قوايَ العقليّة والروحيّة والجسديّة، بأنّي لا أريد أنْ أتخلّص من "مرضكَ" يا لبنان!

نداء نداء نداء:

كونوا "مرضى" لبنان المدنيّ العلمانيّ الديموقراطيّ النزيه النقيّ الذكيّ الحصيف الأبيّ الكريم العادل الشفّاف الخلّاق الشاعر المتمرّد الثائر السيّد الحرّ المستقلّ، لتشفَوا وليشفى لبنان!

Akl.awit@annahar.com.lb

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard