آخر متنفّس للسينما أُقفِل في بيروت. لا أحد يبالي!

9 كانون الثاني 2020 | 16:46

المصدر: "النهار"

مدخل مجمّع "متروبوليس / أمبير صوفيل" كما بدا مطلع الأسبوع الحالي.

قبل شهرين، أُقفِلت سينما في بيروت. نمنا ثم استيقظنا، فلم نجدها. وضع أصحابها المفتاح تحت الباب ومضوا.

خلاف بين مستثمر الصالة ("أمبير") وأصحاب الملك (سنتر "صوفيل" المملوك من مصرف عودة) أطاح سينما "متروبوليس"، آخر متنفّس للسينيفيليين في العاصمة المنكوبة.

سقطت السينما ضحية هذه الخلافات التي كانت قد تفاقمت مع الضائقة الاقتصادية. "المشروع بات يخسر، ولم يعد الاستمرار فيه ممكناً"، يقول الـ"أمبير". لكن ادارة "متروبوليس" تصر على الحياة حتى هذه اللحظة. فتحاول نقل نشاطها إلى مكان آخر لتنبعث منه مجدداً.

مرةً أخرى، تجد الثقافة نفسها وقد غلبها المال والبحث عن المكاسب المادية في ظلّ سلطة لا ترى أبعد من اللحظة التي تسمّرت فيها.

ما كنت لأدرك خطورة الأمر لولا مروري مصادفةً أمام الصالة، بعد ظهر يوم سبتٍ. رأيتُ الستار الحديد الضخم وقد حجب المكان بأكمله. الناس يعبرون أمامه مثلما كانوا يفعلون يوم كان يضج بالأفلام ويكتظ بالمشاهدين.

غصّة!

المكان برمته تحوّل شيئاً أشبه بالمعتقل. أهو يا ترى الذي اعتقلنا، فألقى بنا جميعاً خارج البوابة؟ أغلب الظن ان هذا ما فعله. هو الحر ونحن المعتقلون. سينما بلا ناس أكثر حريةً من ناس بلا سينما.

"متروبوليس" التي أضحت استمرارية لتاريخ “أمبير - صوفيل" المجيد (صالتان)، تساوي في وعينا أربعة عقود من الذكريات السينمائية المتداخلة والمترابطة. مذ افتتاحها في العام ١٩٨٣، أُتيحت لنا فرصة مشاهدة مئات الأفلام "غير التجارية". مشاهدة لم تكن ممكنة لولاها. أين نذهب بهذه الذاكرة الثقيلة الآن؟ في ذروة حماستنا للانتفاضة الشعبية، أغفلنا ان سينما بماضيها وحاضرها ومستقبلها طوت كلّ شيء ولاذت بالفرار إلى جهة مجهولة.

فجأةً، تيتّمت الأفلام مثلما تيتّم المُشاهد النهم للسينماتوغرافيات التي تعاني للوصول إلى الشاشة. تراجع امكان مشاهدة أعمال تنبذها المجمّعات الكبيرة ويجهلها الجمهور العريض. الاستعادات والمهرجانات والأسابيع والندوات والورش التي كانت تقيمها "متروبوليس" منذ عقد من الزمن في هذا الفضاء، هذا كله سقط كورقة من غصن. ما عادت لنا سوى النسخ المكرورة لأعمال موزّعة بأوسع نطاق وعلى كلّ الشاشات للاستهلاك السريع. ما عاد لدينا سوى ما يختاره لنا وكلاء الاستوديوات الهوليوودية.

استمرت تجربة "متروبوليس" في الـ"صوفيل" نحو عقد من الزمن في بلاد مهزوزة باستمرار. ولدت في حرب (تموز ٢٠٠٦) وسقطت في زمن حروب وهمية مؤجلة. قامات سينمائية عبرت فيها: كوستا غافراس، عباس كيارستمي، جاك أوديار، كاترين دونوف، فولكر شلوندورف (آخر ضيف كبير). نطقت بكلّ اللغات: الفرنسية، الإنكليزية، الألمانية، الاسبانية، الصينية وغيرها. أعادت الأموات من قبورهم للأجيال الجديدة: تروفو، برغمان، فيلليني، بروسون، بونويل. جمعت بين الترفيه والثقافة، بين المحلي والدولي، بين الجديد والقديم، بين النخبوية والجماهيرية.

تكيفت مع الأزمات السياسية وشهدت الخضّات الأمنية التي مرّت بها البلاد. تحايلت على ظاهرة الصالات الفارغة في الأزمنة الصعبة، بنشاطات مبتكرة. عبر السنوات، بدأنا نرى الوجوه وقد راحت تتبدّل. جيل سلّم جيلاً آخر الأمانة. هذه القاعدة الشعبية كانت الرصيد الأوحد وضمان استمراريتها.

بيروت منذ منتصف تشرين الثاني خسرت معبدها وهي ذاهبة إلى تحقيق المزيد من الخسائر. معبد السينيفيلية هذا كان بيئة جامعة تتقزم فيها الفوارق الاجتماعية والاصطفافات السياسية والاختلافات العقائدية. تتحجّم أمام متعة المشاهدة وثقافة التواصل وغريزة الفضول.

في غياب صريح لأي دعم رسمي للثقافة والفنّ، لا بل اصرار على قصفهما العشوائيين، هل ثمة من بين المسؤولين مَن أبدى مبالاة بقضيّة اقفال صرح ثقافي كبير في بيروت منذ شهرين؟

طبعاً، لا!

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard