لن يقتُل بعد الآن

4 كانون الثاني 2020 | 14:47

تشييع سليماني (أ ب).

لا تذرفوا الدموع على قاسم سليماني، أمير الحرب الإيراني الذي تسبّب بالموت والدمار في جميع أنحاء الشرق الأوسط – لكن لا أحد يريد الحرب مع إيران، ولا ينبغي لأحد أن يفترض أنها حتمية.

في النهاية، مات كما عاش؛ وسط العنف وسفك الدماء، لكن هذه المرة تسبّبت بها يدٌ غير يده.

لا تشكّوا أبدًا في ألّا يكون مقتل قاسم سليماني، الذي قضى في غارة جوية أميركية استهدفت مطار بغداد في الساعات الأولى من يوم الجمعة، بنفس أهمية مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وأبو بكر البغدادي، زعيم داعش. مثل هذين القاتلَين، تسبّب سليماني بالموت والدمار لمساحاتٍ شاسعة داخل الشرق الأوسط وخارجه. ومثلهما، كلما زادت الشهرة التي جذبتها أفعاله الشريرة، أعجبه الأمر أكثر.

لم يكن الحال كذلك دائمًا بالنسبة لسليماني. فلمدة 15 عامًا على الأقل، أثناء توليه قيادة فيلق القدس، وحدة قوات خاصة للحرس الثوري الإيراني مسؤولة عن العمليات في الخارج، قام بالأعمال القذرة لإيران في الظل، ونشر التأثير الضار للملالي وثورتهم لأي شخصٍ فيه من الحماقة ما يكفي ليستمع إليه. ثمّ منذ نحو خمسة أعوام، بدا وكأنه بدأ يصدّق صورته التي رسمها فظهر سليماني الحقيقي؛ متعجرف ومُغتر بذاته، يتبجّح بسلطته الشخصية.

ومنذ ذلك الحين، أينما كان هناك موت وفوضى في هذه المنطقة، تجد صورةً ملمّعة أو شريط فيديو منمّقاً عن سليماني وذراعه ملتفّة حول كتف بعض رجال الميليشيا التعساء الذين جنّدوا لقضية السلطات الإيرانية العلية – هؤلاء هم من وصفهم لينين بـ"البلهاء المفيدين".

كم دفعت المنطقة ثمنًا باهظًا لغرور سليماني وتعطّشه للدماء! ففي العراق، قُتِل المئات من قوات التحالف في آلاف الهجمات التي شنتها ميليشيات درّبها سليماني في المستنقع الذي أعقب الإطاحة بصدام حسين. ومؤخراً، عندما خرج العراقيون إلى الشوارع احتجاجًا على فساد وفشل حكومتهم العميلة لإيران، طار سليماني، كما ذكرت "عرب نيوز"، إلى بغداد ليتولى شخصيًا القمع الوحشي الذي قتل ما لا يقل عن 450 من المدنيين العراقيين العُزّل.

وفي سوريا، عندما احتاج بشار الأسد إلى مساعدة في ذبح شعبه، إلى من لجأ؟ إلى سليماني بالطبع، إلى فيلق القدس وإلى أفراد "حزب الله" المدربين في لبنان. والنتيجة هي أن يدي سليماني ملطختان بدماء نصف مليون سوري، ناهيك بمحنة الملايين الذين لا يعرفون ما إذا كانوا سوف يرون منازلهم أو عائلاتهم مرةً أخرى.

أما في اليمن، فكانت ميليشيات الحوثيين لتعود منذ فترةٍ طويلة إلى معقلها في الشمال لولا سليماني. أما الآن، فيواصل الحوثيون حربهم التي لا يمكن أن ينتصروا فيها وهم يحملون أسلحته ومعداته وتدريبه ويستهدفون المدنيين السعوديين بصواريخ مصنوعة من قطعٍ زودتهم بها إيران.

فلا تذرفوا الدموع على قاسم سليماني. لا بدّ وأنه كان يعلم أنه لن يُفلِت بجرائمه للأبد وأنه لن يموت في سريره. أما الأسئلة الوجيهة الآن فهي: ما هي الدروس التي يمكن تعلمها؟ وإلى أين نحن متجهون؟

الدرس الأول الذي على ما يبدو لم تتعلمه أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين ولا إدارة أوباما بعد 80 عامًا، هو أنه لا فائدة من استرضاء المتنمرين والطغاة. لم تكن صدفةً بروز قاسم سليماني على الساحة خلال 2015، بالتزامن مع اتفاق أوباما المشؤوم لمحاولة كبح برنامج إيران النووي من طريق تخفيف العقوبات. رأى سليماني الصفقة النووية بمثابة انتصار، ويرجع الفضل إلى دونالد ترامب الذي بذل كل ما في وسعه لانتزاع هذا النصر من قبضة إيران – بما في ذلك العقوبة النهائية التي تم تنفيذها يوم الجمعة.

أما بالنسبة للمستقبل، فقد رأى المتشائمون ذلك، قائلين إن إيران سوف تنتقم وإن الأمور سوف تتصاعد وإننا متجهون نحو حربٍ عالميةٍ ثالثة. لكنّ المتشائمين نسَوا أمرين: أولاً، أن إيران في حالة حرب مع العالم المتحضر منذ 40 عامًا، وكان المتضررون الأساسيون هم الشعب الإيراني نفسه. ثانيًا، لا شيء حتميّاً. لا يوجد أي شخص عاقل قد يريد الحرب. دفنت هذه المنطقة الكثير من أبنائها وبناتها بسبب ذلك. وكما قالت المملكة العربية السعودية يوم الجمعة، فهذا وقت ضبط النفس، لا القيام بأعمالٍ تؤدّي فقط إلى وضع متوتر أكثر سوءًا. عانى قاسم سليماني غروراً فائضاً، وأحيانًا يبدو أن إيران تعاني الأمر ذاته. حان الوقت لابتلاع الكبرياء واللجوء إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاقٍ بشأن المستقبل، حيث تحتفظ إيران بكرامتها لكن بروح السلام والمصالحة، لتستعيد مكانتها بين مجتمع الأمم.

تعرفوا على فسحة "حشيشة قلبي" (Hachichit albe) المتخصّصة في الشاي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard