قصتي في 2019- اليوم الذي بكيت فيه وتزعزت "بوصلتي"

31 كانون الأول 2019 | 14:18

المصدر: "النهار"

مجهول خطّ العبارة على جدار.

*لمناسبة نهاية العام، طلبنا من الزملاء اختيار اللحظة المهنية الأكثر تأثيراً في نفوسهم خلال الـ2019، ومشاركتها مع القراء.

أنتمي الى جيل نشأ على جملة من المحرمات والخطوط الحمراء، وتجرأ على كسر اليسير منها. في ثورة 17 تشرين، شهدت عبر عدستي، ومع كل اللبنانيين عبر شاشاتنا، شباب ثائر يهتك كل واحد منها بالشارع، ويحررنا معه. لكن ظل خط احمر وحيد مشترك بين كل الاجيال لا احد يتخطاه، وهو الجيش اللبناني، الذي جعل اللبنانيون منه الوطن، ونادوه "يا وطن".

كان نهار 14 تشرين الثاني، طرقات البقاع مقطوعة وقرار الجيش حازم بفتحها. المواجهة الاولى كانت عند مدخل زحلة. بعنف شديد تعامل الجيش مع الثوار الذين رفضوا الامتثال لاوامر فتح الطريق. على الرغم من هذه الشدة المفرطة، فقد كانت تلك ثورة، والثورة تعني المواجهة مع السلطة، والجيش في تلك اللحظة كان ذراع السلطة. نحن الصحافيين ايضا، كنا في كرّ وفرّ مع العسكر الذي يحاول منعنا من التصوير، وكان ايضاً امراً مسلماً به، هم سيمنعوننا ونحن سنستبسل. تمكنّ مني عسكري، وبعد عراك انتزع مني هاتفي، ليست بمشكلة فأنا كنت قد تسببت بوقوع بندقيته في خلال محاولتي التفلت منه. الا انه لم يكتف بذلك، بل رمى هاتفي أرضاً بهدف تحطيمه! كانت أذية مجانية من جندي، من مواطن يلبس بزة عسكرية، ننتمي انا وإياه الى الطبقة الاجتماعية نفسها، الرازحة تحت وطأة الازمة الاقتصادية التي اشعلت الثورة. بعدما رماه ارضا وقبل ان أصل اليه صادر جندي ثان الهاتف، لحقت به أحاول استرداده، وتوجهت الى الضابط المسؤول طلبت منه استعادته لانه هاتفي الشخصي، فكان جوابه: "تلفونك هناك عالارض، روحي لمّي". هنا ايضا كانت اهانة مجانية، فكلانا كان يقوم بواجبه، واي تصادم ما كان سينحو الى الشخصي، لولا هذا الاستعلاء غير المبرر.

استعدت هاتفي وانتقلنا الى تعلبايا حيث كان يتوقع جولة ثانية من المواجهة بين الجيش والثوار الرافضين فتح الطريق. لم يكن ثمة وقت لأتعامل لا مع وجع معصمَي بسبب العراك مع العسكري، ولا مع غيظي ومشاعري المجروحة من تصرفات الضابط وجنديه. ولا مع هاتفي الذي خرّبه العسكري. حصلت المواجهة بعد تأجيل، الا ان هذه المرة، الثوار هم الذين تعاملوا مع الجيش بعنف مفرط، أمطروهم بالحجارة والكراسي وكل ما وصلت اليه ايديهم. خلال 21 سنة من العمل الصحافي الميداني، لم أشهد احداً يرمي جندياً لبنانياً بحجر، فكيف بكل هذا العنف الدفين. كنت أراقب ما يجري من خلال عدستي وينتابني شعور بالخجل، بخاصة امام مشهد الجيش ينسحب تحت وابل المقذوفات.

صعدت الى سيارتي وبكيت، بكيت اساءة استعمال السلطة عندما يكون العسكر متفوقاً، بكيت انكسار هيبة الجيش امام ناظري، بكيت لانني لم اكن متأكدة ان كانت المواجهة مع الجيش كانت بصفته في تلك اللحظة، أداة قمعية للسلطة أم مع المؤسسة العسكرية نفسها. كل هذا لأجد من بعدها، من يعمق إرباكي في التعامل مع ما قاسيت، بانتقادي لاني كنت اصور من جانب "المشاغبين"، على ما قال، وليس من جانب الجيش.

لماذا أكتب عن هذه القصة، لأن احداث ذاك االيوم زعزعت "بوصلتي" الشخصية، وبهت آخر خطوطي الحمراء.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard