قصتي في 2019- أوللا لوهمان المغامرة في بلاد "الأنغا"... "لا تحلم به، بل حقّقه"

31 كانون الأول 2019 | 13:20

المصدر: "النهار"

  • هالة حمصي
  • المصدر: "النهار"

أوللا لوهمان خلال تصويرها بركان يسور في جزيرة تانا بفانواتو (صفحة لوهمان في الفيسبوك).

*لمناسبة نهاية العام، طلبنا من الزملاء اختيار اللحظة المهنية الأكثر تأثيراً في نفوسهم خلال الـ2019، ومشاركتها مع القراء.

تلك المرّة، عدت بضوء يلمع في العينين. شرارات نار. توق حارق. في تلك الأرض البعيدة البعيدة، كل شيء جديد، مختلف. الوجوه، الاسماء، التقاليد، البيوت، الاشجار، الطرق، الجبال، الوديان، السماء، الانوار، الرائحة... حتى الاحلام. حتى الاسرار. كل الهزائم والصعوبات ذابت في روعة اللقاء.

ما بدأ بصورة لجثة محنطة تحوّل، خلال دقائق، رحلة مشوقة، تقطع الانفاس. التدقيق بدأ. أنقر على لوحة المفاتيح امامي. كلمات مفاتيح. روابط. مقالات. بحث عكسي عن صور. اسم يقود الى اسم آخر. دليل وراء دليل. الخيوط تتكوّن، تتشعب، تتجمّع، تتراكم. أراها امامي، أكاد المسها. وتمسك بي، تسكنني، كما في كل مرة، ولا تفلتني. أفرك يدي بحماسة، وأغرق.

في تلك الساعة، كان الغرق جميلا، لانه كان سفرا الى أرض جديدة، مذهلة. لم تكن في إفريقيا، كما جاء في الزعم الذي ارفق بالصورة التي شكلت هاجسي، بل بعيدا في أوقيانوسيا، وتحديدا في بابوا غينيا الجديدة. وسط غابات مشيت، سافرت. الخيوط قادتني إلى بلدة كوكي. نعم، وصلت.

قريون لفحت الشمس جباههم، وفي وجوهم الحكايات. أنا في بلاد قبيلة "الأنغا". افترش الأرض عند عتبة منزل سقفه من قش، وأنتظر، قلقة. ومع ذلك، كان السرور يغرّد في القلب، يلجّ بيّ سر الجثة المحنطة التي كنت افتش عنها. الفضول كجمرة نار. والتهب عند كل معلومة ترد، وأقرأها بشغف. الدليل يشير الى معرض على قمّة تلة تشرف على القرية. تسرع عيناي الى المكان. ويا له من منظر. هذه هي مومياوات الأسلاف.

أقف هناك مدهوشة، الى جانب امرأة حملت كاميرا في يدها، ملتقطة الصور. "أرواح الموتى تسكن الجسم المحنط. وبالتالي، ستحمي الأحياء دائمًا"، تخبر. الحكايات تعرفها، والسرّ لديها، رغم انها ليست بنت تلك الارض. أوللا لوهمان، كم سُعدت بلقائك.

كانت تسير بين القرويين "الانغا"، بتميّز. يعرفونها، وقد وثقوا بها، هي الالمانية الغريبة. وسمحوا لها بأن تعيش معهم اشهرا عدة، وحتى ان تروي في صورها طقوس تحنيط غير معروفة مارستها قبيلة الأنغا في بلدة كوكي طوال قرون عدة. "تعتقد قبيلة الانغا أنه إذا دفنت موتاها، فإن الأرض ستشرب دماءهم، وأنها ستريد دائمًا المزيد، وأن حروبا ستقع"، على ما توضح.

أكتب، بكلماتها وعبر صورها، حكاية الصورة التي اطلقت رحلة البحث. هذه هي مومياء مويمانغو، المحارب الكبير والقائد السابق للقبيلة، "الذي تم تحنيطه قبل أكثر من نصف قرن". ونشاهد فيها ايضا ابنه جيماتسو (جاثماً) الذي كان يأمل ان يتم تحنيطه هو ايضا، كوالده، بعد موته. وقد تحققت رغبته كما اراد... وتم تحنيطه بالطريقة التقليدية لدى "الانغا". "تدخين الجثث".

"أصبح حلم جيمتاسو في ان يتم تحنيطه لحماية أحبائه حقيقة. لقد أراد أن يعلمنا أن الموت جزء آخر من الحياة"، تقول لوهمان. أملأ اوراقي بما جمعته في لقائي معها حول اعتقادات الانغا ومومياوات اسلافهم "حارسة" البلدة، و"الصلة الجسدية بهم". ويا له من ارتباط جسدي وعاطفي بين الأبناء والأجداد... عبر مومياوات "تسكنها الارواح".

أمور مثيرة تخبرها لوهمان عبر صورها. تريد ان تروي الانسان في كل حالاته، من دون أقنعة او اضواء تجمّل واقعه. قبل ان تصل الى الانغا، بدأت استكشاف جنوب المحيط الهادئ بنفسها. وبالمصادفة، التقت فريقا من ناشيونال جيوغرافيك، ورافقته كطباخة في رحلة استكشاف. كانت رحلتها من طباخة إلى مصور مغامرات "طويلة". "لكن مع الكثير من العمل الشاق والقدرة على التحمل والعناد والفضول الطفولي، تمكنت من تحقيق أول اختراق حقيقي لها، بعد سنوات عدة، عبر قصة عن طقوس التحنيط غير المعروفة في كوكي"... بفضل جيماتسو، ووالده مويمانغو.

من خلال قصة مومياوات كوكي، تعرفتُ إلى امرأة مغامرة، مستكشفة براكين، متسلقة جبال، مسافرة الى اصقاع لم تطأها قدم من قبل. جريئة، متحمسة، متذوقة الشغف، لا سيما عبر الالم والصعوبات. هذا الثعبان الاخضر المهيب الذي صوّرته "لدغها ثماني مرات"، ولم تتراجع. أوللا ملهمتي، ساحرتي، مذكّرتي بأن الحياة مغامرة تعاش بالملء، وهيا بنا نحلّق الى البعيد.

ابتسم لرؤيتها "مستلقية على الصخور الدافئة للاستمتاع بأشعة الشمس"، بعد عناء رحلة. وتواصل مغامراتها. الحلم معها جميل. اراض تأخذنا اليها، وتعود منها بصور، وتعيش ما توصي به: "لا تحلم به، بل حقّقه". عندما أخبرتها عن مهمتي للتدقيق في الصورة التي التقطتها لمومياء مويمانغو، وانني باشرتها بسبب مزاعم كاذبة تتناقلتها حسابات عربية حولها على وسائل التواصل، أبدت شكرها لتصحيح تلك المعلومات الخاطئة، معبرة عن امتنانها الكبير لجيماتسو وعائلته "القريبة جدا الى قلبها"، على ما تكتب.

من تداولوا صورة مومياء مويمانغو ونشروا عنها معلومات خاطئة كاذبة للتضليل او التسلية، وحتى السخرية، لم يعرفوا او لم يهمهم ان يعرفوا ان وراءها امرأة مغامرة كبيرة، خاطرت بحياتها لتروي، بعدستها، حكايات وتقاليد في اصقاع بعيدة. يا لها من مفارقة. سيدة ترسم، عبر مغامراتها وصورها، عوالم غنية، رائعة الجمال، بينما يحط آخرون من شأن الإنسان عبر نشر أكاذيب وايقاع آخرين في دوامة من الجهل والغباء. معيب ذلك. مهما كانت الكذبة "بيضاء" او مضحكة، سيبقى ثمن كل خبر كاذب مزيدا من الغباء، لأنه منع الحقيقة من الوصول.  

FactCheck# "النهار" سألت ودققت من أجلكم

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard