رأس السنة

30 كانون الأول 2019 | 14:31

رأس السنة 2020.

إن لم تأتِ إلى السنين بعريك، محملاً إلى من يضبطها بأفضل عطورها، فإنها ستنطحك حتماً برؤوسها وقرونها، فحذارِ...

لا تأتي محطة رأس السنة يا ولدي إلا بعد مضي الميلاد. فبالميلاد يبدأ التعداد. بدأ الاكتتاب بأمر من أوغسطس قيصر. وقد كان عدد سكان الأرض مائة مليون أو أكثر بقليل. كان هو، وكان هيرودوس وكانت راحيل وأولادها الذين استشهدوا. ومازال التعداد قائماً والبشر يولدون ويعيشون ويموتون ولا شيء يتغيّر على وجه الأرض. ومازالت الشمس تشرق وتغيب.

وترانا نخال يا صغيري أننا بمنأى عن الأيام ومفاعيلها. نشعر بأننا خارج الزمن. نسعى إلى أن نضحك عليه. نختبئ عنه، وهو الحاضرة الأبرز في حياتك وحياتنا. ونروح نسكر ونمرح ونفرح. ونحن نفرح على نفاد ما تبقى لنا من مسافة هذا العمر.

نخال أننا نعيش إلى الأبد، إلى أن يداهمنا موت أو مرض، فنكتشف أننا مفعول به. وأنّ ما حصل لك قد جرى بمقتضى الزمن.

تطالعك صورة. فتتأمل فيها يا صغيري. يبحث مَن مثلي عن عناصر جاذبيته فيها، فلا يجد إلا ما أبقته الأيام. وما بقي خصال قد تكون حميدة وعصيّة عليها. وتتألق زمناً قبل أن يأخذها صاحبها ويرحل.

قالت لي جدتي إنّ الضابط الكل يمسك بعصا الأزمنة. فعصا الأزمنة تكفل استدامة الحياة. عصا الأزمنة تؤدب وتكافئ.

وقصّت عليّ قصة الأميرة "بيلسان"، فقالت: "عاشت أميرة جميلة اسمها "بيلسان" في مملكة الأيام. وقد أرادت أن تبقى نضرة وشابة إلى الأبد. فارتأى لها العرّافون بلوغ النهر العظيم للشرب منه، ومن ثمّ عبور ضفة الأمكنة والأزمنة إلى الضفة الأخرى ولمس العصا التي في يد الضابط الكل. فتتحرر وتبرأ من فعل الزمان وتداعياته. اثنان قطعا النهر فقطعا مفاعيل الزمن في التاريخ. وأرادت أميرتنا أن تكون الثالثة. فاجتازت جبالاً وودياناً، وصحارى وغابات. وصلت النهر وشربت. ثمّ استكانت. ووجدت نفسها عاجزة بقوتها أن تعبر مياهه.

فسألته عن جريه وعمقه، وأجابها. تطلّعت فرأت وجهها على المياه الجارية قد تغيّر، وحسنها تبدّل، فبكت. سألته أن يوقف تدفقه كي تعبر إلى ضفته الأخرى. فأبى. فاضت دموعها حتى أشفقت عليها مياهه. فتجمّد وتوقّفت الحياة. وتجمّدت هي أيضاً. ونادى من لم يولدوا مَن ولدوا. استغاثوا، فاستجاب النهر، وعادت الحياة.

لكنّ الأميرة ما استكانت، بل تابعت سعيها. طلبت إلى المياه بحرارة كبيرة وبأسى مجدداً أن تركد. فركدت. فصار النهر مستنقعاً تفوح منه روائح الموت والرتابة، إلى أن قرفت هي. فانتفضت الحياة، وأعادت إلى النهر جريه، وإلى الأزمنة مسالكها ومساربها. إلا أنها سمعت على ضفاف النهر أنغاماً قيل إنها لأناس أحبوا، فغلبوا وعبروا إلى حيث اللازمان. وما زال ذكرهم أنشودة أبدية يرددها نهر الأزمنة الهادر. أحبوا وعبروا، فكانوا وحدهم الغالبين. وجدت الأميرة ضالّتها وقررت أن تعود إلى مملكتها كي تلتقط بدورها خرير الزمن، وتترجمه أنشودة للحياة. أيقنت أنّ التجدد عربة يحركها الزمن. ومن يلتقط من اللحظات أحلى ما فيها كمن يلمس عصا الأزمنة. لأنّ ذكره يصير مؤبداً. هم أحبوا وفعلوا، فغلبوا. وهي ستحب وتفعل. لقد أدركت الأميرة أنّ اللحظات سكبٌ لإشارات الحياة على المجرة. انتهت القصة ورحلت جدتي. حملت أميرتها وعطرها.

لا جديد تحت الشمس يا ابني "توما". لا جديد بالرغم من كل ما نقوم به. ما من جديد على المجرة إلا ولادة بكر من حشا بتول. فلا تلُم السنين ولا مياه النهر لأنها ما ارتكبت شراً.

"لكن ما الذي حصل للأميرة يا أبي؟"، سأل التوأم. فأجبت: أخذها النهر إلى الضفة الأخرى حيث يستعيد الطمي الخزف، وتعود خيوط الضوء إلى الضوء، وتنتظر الأرواح المعذبة أو المسالمة مواجهة من يمسك بعصا الأزمنة. فالزمن يجري سواء جعلنا أم لم نجعل له أعياداً ورؤوساً ومحطات لأنه الاستحقاق الأكبر. للسنين رؤوس تنطح وتزحزح من لا يتزحزح. للسنين رؤوس تزيل الفرح والغمّ، الصالح والطالح. وعربة الحياة يسيّرها الزمن بعكس الرتابة.

لكم استفقت صبياً صغيراً عند منعطف رأس كل سنة، على أصوات الأجراس ومواكب السيارات التي كانت تجول شوارع وأزقة بلدتنا احتفاء بالعام الجديد!

ولكم كسرنا صحوناً عتيقة وذكريات ومخلفات للعام الذي كان يهم بالمغادرة!

ولكم أنشدنا مهلّلين ومرحّبين بالعام المقبل!

ونحن ما زلنا نودع ونرمي ونكسر ونستقبل.

مسكينة الأعوام، لأننا نلقي عليها عتقنا ولعناتنا. ونحمّل الجديد منها آمالنا.

ولا نحن نتغيّر، ولا هي تتغيّر.

وتروح السنون تتوالد سنين. والعتق يتمخض عتقاً يا صغيري.

لا تلعن السنين فهي ما ارتكبت شراً؟

نحن من نحمّل الأزمنة لعناتنا ونسميها أقداراً.

بارك الزمن يا صغيري بحضورك وأفعالك، فتتبارك. باركه كي تصطلح أيامك. فتتصافى معه، كي تعيش بسلام.

تتعطر بالأيام عندما نستخلص منها رحيقها. وتصنع من رحيق الفرص عسلاً ينفع. فيأكل منه من يأكل ويشكر. وإلا نكون زراقط تقتات على لحوم البشر.

لا تحمل 2020 أكثر ما تقدر على تحمّله. مسكينة لأنها رسالة ما سطّرت بعد. رسالة نخطّها جميعاً بحبر النيات والأفعال.

نصنع أقدارنا، وأقدارنا تصنعنا يا صغيري. نحن أقدار بعضنا البعض.

ما هذه العلاقة الملتبسة التي تجمعنا بالزمن؟

أيكون خوفنا من ماضينا، وقلقنا من واقعنا مبعث شكوكنا من مستقبلنا؟

هل أضحى الزمن مصيدة، وحلقة لا نعرف الخروج منها، كي نلجأ إلى العرّافين؟

نقرأ في الفناجين والأبراج، ونهرب من قراءة مصحف أفعالنا. نهرب من اليوم المعلوم، إلى الغد المجهول.

لا أعلم كم فنجاناً يلزمنا لفض قلقنا!

غداً يطل عام جديد. ولن أتحسّر إلا على ما فعلته، وما فاتني من فرص.

ألا تعالَ يا صغيري نبدأ بجمع الرحيق وصنع العسل. فأزمنة اليوم تفتقد إلى نحل يثمّر أزهار الشجر. نصنع عسلاً، والعسل ذهب اللحظات التي جمعناها من رياحين فرص الأزمنة.

قم نمضي فلا يجب أن تنطح رؤوس الجداء رؤوس السنين. فتصير الأيام أقداراً، والأزمنة لعنات، ونتحوّل نحن إلى عناصر لا تفعل، بل يفعل بها.

قم نمضي إلى العام الجديد جدداً، فنتجدد وتتجدد بنا الأرض.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard