قصتي في 2019- السقوط في يد المجهول

2 كانون الثاني 2020 | 11:35

المصدر: "النهار"

  • ياسر خليل
  • المصدر: "النهار"

صورة تعبيرية

كان العام 2019 مليئاً بالأحداث السياسية المهمة، وعلى أهميتها، لم تكن الأكثر تأثيراً في نفسي كصحافي. بريقها وتسليط الأضواء عليها يتلاشى أمام قتامة الوقائع الاجتماعية الصادمة التي يشهدها المجتمع المصري.
قصص مروعة بدرجات استثنائية، آباء قتلة وجلادون يزهقون أرواح أبنائهم أو يعذبونهم، اعتداءات وحشية على الحيوانات، تصدع أسري وارتفاع غير مسبوق بمعدلات الطلاق، تزايد حالات الانتحار بين الشباب.

قد يكون لهذه القصص المفزعة أثره العميق على النفس، لكن على الجانب الآخر هناك حكايات تجري وقائعها بهدوء شديد، إلا أن عذابات ضحاياها أبعد أمداً، وتأثيراتها أكثر عمقاً وخطورة.

من بين أهم تلك القصص، مقالة نشرتها "النهار" بعنوان: "الأعداد تتزايد... ما يدفع بعض الفتيات المصريات للاستقلال عن أسرهن؟".

إضافة إلى الجوانب الإنسانية التي تتضمنها القصة، فإنها كاشفة للكثير من المشكلات التي بات يعانيها المجتمع المصري، كما أنها تتقاطع مع العديد من القضايا المثيرة للجدل.

عندما بدأت العمل على هذه القصة، التقيت بعدد من الفتيات المستقلات. تحدثت مع بعضهن وجها لوجه، وتواصلت مع أخريات عبر وسائط متباينة.

ما زلت أتذكر حكاية رفيدة التي غادرت منزل أسرتها من دون أي استعداد للمستقبل، تحت وطأة العنف والتعذيب.

أسقطتها حاجتها للطعام والمأوى في يد شاب غرر بها، وبعدما حملت، لفظها وجنينها إلى الشارع. ومع قناعتها بانغلاق باب أسرتها في وجهها، تحول "خطأها" الأوحد، إلى سلسلة أخطاء متلاحقة.

التقيت بفتاة لها تجربة مغايرة، في ساعة متأخرة من الليل، بأحد مقاهي وسط القاهرة. جاءت من مسافة 14 كيلومترا (شمالا)، حيث تعمل لمدة 12 ساعة يوميا، كانت ملابسها التي تكسوها آثار العرق والأتربة تنم عن رحلة شاقة في المواصلات العامة المزدحمة والتي لا تخلو من المضايقات والتحرش.

تحدثنا لنحو 3 ساعات. اقترب منتصف الليل، فتوجهت الفتاة مسرعة نحو أطراف العاصمة، حيث تسكن بشقة تناسب دخلها المنخفض. تقطع مسافة 23 كيلومترا، متنقلة بين 3 مواصلات عامة لتصل إلى مسكنها. المعاناة اليومية التي تتجرعها الفتاة خريجة الجامعة، لا تمنع المواطنون "المتدينون بطبيعتهم" من جعل حياتها أكثر صعوبة وقسوة.

سعيها للحصول على الحب من خلال الزواج وتكوين أسرة طبيعية، وحفاظها على علاقة طيبة بأسرتها رغم العنف والإهانات التي تتكبدها، لم يمنحها تقديرا اجتماعيا يذكر، فهي فتاة متمردة على "العادات والتقاليد".

القصة مهمة لأنها تتعلق بالمرأة. إنها نصف المجتمع والحاضر، والأهم أنها المستقبل كله، بما تعده من أجيال جديدة. كما أن القصة تتقاطع مع العديد من القضايا بالغة الأهمية.

ومن بينها: الخطاب الديني الذي يحرض ضد المرأة، ويقلل من شأنها. تصريحات شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، المثير للجدل، أكبر دليل على ذلك الخطاب، فقد تحدث عن جواز ضرب الزوج لزوجته لكن شريطة ألا يكسر عظامها. هذا بالنسبة للزوجة، فما بالنا بالابنة.

احترام حرية الاعتقاد، زاوية أخرى، فالأجيال الجديدة لم تعد تتقبل "المسلمات". هذا يخلق صداما بين الأجيال، ويدفع قطاعا من الفتيات إلى الهرب، أملاً في الحرية.

وسط هذا التدين المظهري، يبرز زنا المحارم، كعامل آخر. نسبة غير قليلة من الفتيات هجرن منازل أسرهن بسبب التحرش والاغتصاب.

ارتفاع معدلات الطلاق لنحو 50%، عنصر إضافي. تفر فتيات كثر من أسرهن بسبب خلل العلاقات الأسرية. انفصال الوالدين والزواج من شريك آخر لا يقبل بوجودهن.

هذه القصة، من وجهة نظري، لا تكشف فقط عن سقوط أعداد متزايدة من الفتيات في يد المجهول، بل إنها تعطي مؤشرا على تهاوي المجتمع المصري كله بين يدي المجهول.

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard